× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

خارج غرف النخب: نحو منظور نسوي وشبابي لعدالة سورية شاملة

عقل بارد - على الطاولة 17-02-2026

تُمثل العدالة الانتقالية في سوريا فرصة لإعادة تعريف المجتمع لنفسه. إذا جرى إقصاء النساء والشباب، ستُعاد إنتاج أشكال الاستبداد، أما إذا وُضعت هاتان الفئتان في مركز العملية، فستصبح العدالة أكثر شمولاً، والذاكرة أكثر صدقاً، والسلم الأهلي أكثر استدامة. المنظور النسوي والشبابي ليس «إضافة تجميلية»، إنه شرط لبناء سوريا جديدة لا تُقصي نصف مجتمعها ولا تُغيب طاقتها الشابة.

تلجأ المجتمعات عادةً إلى العدالة الانتقالية لتجاوز إرث القتل والحروب الأهلية، وبناء مستقبل أكثر إنصافاً، كونها تشمل مجموعة من التدابير القضائية وغير القضائية لمعالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. غير أن هذا التعريف، على أهميته، يبقى عاماً مجرّداً إنْ لم يُقرن بسؤال جوهري: كيف يمكن تضمين الفئات الأكثر تضرراً ضمن هذا المسار؟

تكشف التجارب المقارنة أنّ الفئات الفاعلة الرئيسيّة في هذا المجال، كثيراً ما تكون مغيّبة، وتُهمل أصواتُها رغم أنها الأكثر تضرراً من النزاعات والحروب. 

كما تُظهر تجارب الربيع العربي وبعض التجارب الدولية، بما فيها السورية، أن النساء والشباب – أبرز الفواعل الغائبة – غالباً ما يكونون الضحايا الأبرز للنزاعات، وفي الوقت نفسه الأقل تمثيلاً في مراحل الانتقال.

في هذا السياق، طوّرت الباحثة مارثا مينوف، قضية إشراك فئتي الشباب والنساء في مسارات العدالة الانتقالية، مؤكدة أن النساء لسن مجرد ضحايا، بل حاملات لذاكرة جماعية وتجارب يومية تكشف أنماط القمع المركب الذي مورس على عائلاتهن وعليهن، إضافةً إلى الضغط النفسي الكبير الذي تعرّضن له في العديد من الدول التي شهدت حروباً ونزاعات.( Minow, Martha. Between Vengeance and Forgiveness. Beacon Press, 1998, pp. 120–122)

لم تكن النساء مجرد شاهدات، بل مصمّمات لآليات المصالحة وأدوار مركزية في المحاكم المحلية، كما حصل في رواندا. وبناءً عليه، شدّد «المجلس النسوي للعدالة» على أن تجاهل جرائم العنف الجنسي يجعل العدالة الانتقالية ناقصة.

كما يعامل «المركز الدولي للعدالة الانتقالية» الشباب معاملة الفاعلين السياسيين، ويؤازرهم في رسم مستقبل جماعاتهم.

في سوريا، وحيث اجتمع الاستبداد الطويل مع النزاع الدموي المستمر، يُصبح إدماج المنظورين النسوي والشبابي ضرورة وجودية لا مجرد خيار إضافي. فمن دون مشاركة النساء بتنوعاتهن وسياقاتهن المختلفة، ومشاركة النسويات والنسويين تحديداً، ستبقى العدالة محكومة برؤية الذكور الممتثلين جندرياً فقط (الممتثل جندريّاً هو الإنسان الّذي تتطابق رؤيته عن نفسه وميوله مع هويّته البيولوجيّة)، وبالتالي «سيظلّ الأثر الجندري الواسع للجرائم والانتهاكات غير مرئي»، وفق ما تخلص إليه الباحثى لمى قنوت، في حوار أجرته معها الزميلة مايا البوطي، ونُشر في «سيريا أنتولد».

أولاً - النساء.. ضحايا ومقاومات

يُعدّ ملف العدالة الانتقالية في سوريا بعد سقوط الأسد من أولى الأولويات التي لا يمكن تجاوزها لتحقيق السلم الأهلي، خاصة أن الانتهاكات والمجازر في الساحل والسويداء أظهرت الحاجة الماسّة إلى المحاسبة وجبر الضرر. تجدر الإشارة، هنا، إلى ندرة الدراسات المتعلقة بالجندرة في العدالة الانتقالية وأهمّيتها. وهي دراسات ينبغي أن تراعي المنظور النسوي التقاطعي، بما يشمل تمثيل النساء وتجاربهن، وديناميات السلطة التي جعلتهن عرضة لانتهاكات متراكبة.

تفترض العدالة الاجتماعية أن يتضمن مسار العدالة الانتقالية أيضاً الجرائم السابقة للثورة، مثل الإحصاء الاستثنائي للعام 1962، الّذي ترتب عليه تجريد عدد كبير من الكورد من الجنسية السورية، ومجازر حماة، وانتفاضة الكورد في 2004.

كما لا يجوز اختزال معاناة النساء في العنف الجنسي وحده، بل يجب النظر أيضاً إلى العوامل البنيوية مثل التهجير والفقر والاستغلال، وأن يشمل المسار جميع الأطراف لا النظام السابق فقط. كما تقتضي العملية إصلاحاً مؤسسياً وعزلاً سياسياً لكل من تورط في الجرائم، واعتبار جبر الضرر أمراً أساسياً، سواء عبر التعويضات الفردية والجماعية والرمزية، أو من خلال إعادة الاعتبار، وتغيير البُنى التمييزية، وإعادة هيكلة المؤسسات، خصوصاً الأمنية والقضائية. ويُعد ذلك شرطاً ضرورياً لمنع التكرار، إلى جانب رفض النهج التعسفي في التسريح، والتأكيد على استحالة ضمان السلم الأهلي من دون محاكمات شفافة ومحاسبة حقيقية، بالتوازي مع مكافحة خطاب الكراهية وفق المعايير الدولية.

وفق «المركز السوري للإعلام وحرية التعبير» تعرضت النساء والفتيات في سوريا لمختلف أنواع الانتهاكات، من القتل والاعتقال التعسفي والإخفاء القسري، والتعذيب، والتهجير والتشريد، وسياسات الحصار والتجويع التي استهدفتهن بشكل مباشر وغير مباشر، بالإضافة إلى أفعال العنف الجنسي على اختلاف درجاته من مختلف أطراف النزاع، وقد مارسته بنسبة أكبر القوات الحكومية).

فيما وثَّقت «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» في تقريرها السنوي العاشر الصادر بتاريخ 25 تشرين الثاني/نوفمبر 2020، بمناسبة اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة، أنَّ «ما لا يقل عن 28,618 أنثى قُتلن في سوريا منذ آذار/مارس 2011، بينهن 93 ضحية تحت التعذيب، فيما لا تزال 10,628 أنثى رهن الاعتقال أو الاحتجاز، إضافة إلى 11,523 حادثة عنف جنسي استهدفت الإناث. وأكد التقرير أن الغالبية العظمى من هذه الانتهاكات ارتُكبت على يد النظام السوري»).

كما أصدرت الأمم المتحدة في 15 آذار/مارس 2018 تقريراً -  كان جزءاً من أعمال لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا - حول العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي بوصفه إحدى السمات المدمّرة والمستشرية للنزاع السوري. وأشار التقرير إلى أن «النزاع منذ عام 2011 ارتبط بارتفاع كبير في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي».

من أبرز ما جرى توثيقه في هذا السياق:

  • أنواع الانتهاكات: الاغتصاب، والتحرش الجنسي، واستخدام العنف الجنسي أداة للترهيب، والإهانات الجنسية، إضافة إلى النزاعات المرتبطة بالهوية الجنسية أو النوع الاجتماعي. وهذه الانتهاكات لم تقتصر على النساء والفتيات فقط، بل طالت أيضاً الرجال والأولاد، ولا سيّما أثناء الاحتجاز أو التوقيف.
  • الجهات المسؤولة: تَحمِل قوات النظام (السابق)، بما فيها القوات النظامية والميليشيات التابعة لها، المسؤولية عن ارتكاب القسم الأكبر من هذه الانتهاكات، فيما تورطت بعض الجماعات المسلحة من خارج الحكومة في ممارسات مماثلة.
  • التأثيرات: خلّفت هذه الانتهاكات آثاراً جسدية ونفسية شديدة، إلى جانب صعوبات كبيرة في إعادة الاندماج الاجتماعي.
  • معاناة إضافية للنساء: عانت السوريات، إلى جانب ذلك، من التهجير القسري وفقدان المعيل، ما وضع آلاف النساء في موقع المسؤولية الاقتصادية والاجتماعية عن أسرهن.التهميش القانوني والسياسي: استمر تقييد النساء بقوانين أحوال شخصية أبوية وبثقافة مجتمعية تُضعف تمثيلهن السياسي والقانوني.
  • النساء بوصفهن فاعلات: لم يكنّ ضحايا فقط، بل أيضاً حاملات للذاكرة الجماعية ومبادرات للتغيير.

خصوصية العدالة الانتقالية من المنظور السوري

لا يقتصر المنظور النسوي السوري على كشف الانتهاكات فحسب، بل يطرح أسئلة بنيوية عميقة، من أبرزها:

هل يمكن بناء سلم أهلي إذا ظلّت النساء محرومات من الميراث أو مكبَّلات بقوانين الزواج والطلاق؟

في لقاء أجريتُه في أيلول/سبتمبر 2025 مع المحامي معاذ يوسف، عضو المكتب القانوني في المجلس الوطني الكردي، قال إن: «موضوع الميراث مشكلة اجتماعية مرتبطة بالعرف والعادات، ولا يمكن إنكار ما تتعرض له النساء من ظلم في هذا الجانب، رغم أن القانون السوري يمنح الحق للرجال والنساء وفقاً للشرع الإسلامي، وأحياناً وفق القانون الوضعي، بحسب طبيعة التركة. لكن جوهر المشكلة يكمن في فشل الدولة في فرض احترام القوانين، وفقدان الثقة بين الشعب وحكومات استولت على السلطة وادّعت تمثيل إرادته. لذلك من الطبيعي ألا تتحقق العدالة التي يُفترض أن تكون غاية أي قانون وأي سلطة».

كيف يمكن للمصالحة أن تكون صادقة إذا لم يُعترف بالاغتصاب كسلاح حرب ويُعالج بآليات واضحة لجبر الضرر؟

يُضيف معاذ: «الأمر ذاته ينطبق على قانون الأحوال الشخصية، إذ تعود المشكلة إلى فقدان الثقة بين الشعب والسلطة. فإصلاح القوانين لا يحقق نتيجة إذا كانت السلطة قد فقدت احترام المواطنين، ما يجعل الأعراف تطغى على القوانين وتؤثر سلباً على تطبيق العدالة، وهو ما يقود إلى فقدان الاستقرار والسلم المجتمعي».

لا يجوز اختزال معاناة النساء في العنف الجنسي وحده، بل يجب النظر أيضاً إلى العوامل البنيوية مثل التهجير والفقر والاستغلال، وأن يشمل المسار جميع الأطراف لا النظام السابق فقط

من جهتها، أصدرت «الحركة السياسية النسوية السورية» ورقةً مهمةً حول تضمين النساء في العدالة الانتقالية. وجاء فيه أن العدالة والحرية والديمقراطية تشكّل ركائز أساسية لا تقل أهمية عن الحاجات الأولية للإنسان. يؤكد البحث أن تجربة سوريا خلال العقود الأخيرة، وما رافقها من حرب دامية منذ 2011، أثبتت أن غياب العدالة وتراكم الانتهاكات يقودان بالضرورة إلى التفكك الاجتماعي وصراعات ممتدة.

من هنا تبرز العدالة الانتقالية كمدخل جوهري لمعالجة الماضي وتهيئة الأرضية لبناء دولة جديدة قائمة على المواطنة والحقوق المتساوية. ورغم أن سوريا لم تدخل بعد في مرحلة انتقال سياسي فعلي، فإن التحضير لمسار العدالة الانتقالية أصبح ضرورة ملحّة، إذ لا يمكن تحقيق السلم الأهلي ولا ضمان عودة آمنة وطوعية للاجئين من دون معالجة الانتهاكات، وكشف الحقائق، وضمان عدم التكرار.

نتائج مستخلصة من الجلسات التشاورية مع النساء السوريات

استناداً إلى نقاشات مركزة مع 120 مشاركة من مختلف المناطق السورية، نُظمت في 12 مجموعة، برزت الخللاصات التالية:

  • لجان الحقيقة: أولوية مطلقة لكشف مصير المعتقلين والمفقودين. تشكيل لجان مختلطة (محلية ودولية) لضمان المصداقية، مع رفض مشاركة أي دول متورطة في النزاع.
  • المحاسبة القضائية: لا معنى لأي مسار عدالة انتقالية من دون محاسبة حقيقية لرموز النظام والجهات الأخرى المتورطة. مع ضرورة توازي المحاسبة الداخلية مع الاستفادة من الولاية القضائية العالمية لمحاكم دول أخرى.
  • جبر الضرر: التعويض المالي والمعنوي مطلب أساسي، لكنه يأتي بعد كشف الحقائق والمحاسبة. وينبغي التركيز على الأسر التي فقدت معيلها وعلى ضحايا التهجير والدمار.
  • المصالحة: ربط المصالحة بكشف الحقيقة والاعتراف والاعتذار والمحاسبة. ورفض أي مصالحة شكلية مع المسؤولين عن الجرائم الجسيمة.
  • إصلاح المؤسسات: الدعوة إلى حل الأجهزة الأمنية والعسكرية القائمة على الولاء والفساد، وإعادة بنائها على أسس مهنية وشفافة. وإصلاح المؤسسات المدنية مع ضمان مشاركة النساء وتمثيل المكونات المختلفة.
  • النوع الاجتماعي: النساء هنّ الأكثر تضرراً من الانتهاكات، ويجب أن يكنّ في صلب إجراءات العدالة الانتقالية. ومن الضروري إشراك النساء في جميع اللجان التنفيذية.

دروس مقارنة

  1. جنوب أفريقيا: انتقدت منظمات نسوية لجنة الحقيقة والمصالحة لعدم معالجة العنف الجنسي بشكل كافٍ، مما دفعها لإصدار تقارير موازية ركزت على النساء.تُعد تجربة جنوب أفريقيا واحدة من أنجح النماذج العالمية للعدالة الانتقالية، خصوصاً في معالجة إرث الانتهاكات العنصرية، وقد تشكّل قدوة للدول الخارجة من النزاع. سعت اللجنة إلى كشف الحقائق حول التمييز العنصري الذي خلفه نظام الأبارتهايد، والسعي إلى المصالحة الوطنية بين الضحايا والجناة، مع منح العفو في بعض الحالات شريطة اعتراف الجاني بالانتهاكات، إلى جانب تعويض الضحايا وأسرهم، باعتبار أن العدالة القانونية الكاملة قد لا تكون عملية دائماً.

    نجحت اللجنة إلى حد كبير في تجنيب جنوب أفريقيا الانزلاق إلى مزيد من الصراعات بعد سقوط نظام الفصل العنصري، مما أشعل ديناميكيات اجتماعية وسياسية جديدة في البلاد.

  2. رواندا: لعبت المرأة دوراً محورياً في إعادة الإعمار بعد الإبادة الجماعية / 1994 بين قبيلتي الهوتو والتوتسي، سواء في السياسة والاقتصاد، أو القانون والمجتمع. شرعت رواندا، بعد تلك الإبادة، في عملية طويلة لإعادة بناء الدولة من حيث البنى التحتية، العلاقات المجتمعية، النظام السياسي، ومعالجة الأضرار النفسية والمادية.

يمكن تلخيص الأدوار الفاعلة للمرأة في العدالة الانتقالية وإعادة الإعمار في رواندا بالتالي:

  • المسؤولية الاجتماعية: تكفلت النساء، اللواتي شكّلن نحو 70% من السكان بعد الإبادة، برعاية الأطفال الأيتام، دعم الأرامل، إعادة تأهيل الناجيات، وتشكيل مجموعات دعم للتعافي الاجتماعي.
  • المشاركة الاقتصادية: انخرطن في النشاط الاقتصادي لتأمين معيشة الأسرة، عبر الزراعة والتجارة وحتى مناصب جديدة لهن، واستفدن من قوانين ميسّرة لوراثة الأراضي وفتح الحسابات المصرفية والقروض.
  • المشاركة السياسية: تعديل الدستور لإدراج «كوتا» للنساء في المناصب الرسمية، شغلت النساء عدداً كبيراً من المقاعد البرلمانية، تولت بعضهن مناصب وزارية وقضائية، وكنّ شاهدات رئيسيات في لجان الحقيقة والمصالحة وقاضيات في محاكم غاتشاكا المحلية.
  • الإصلاح القانوني والمؤسسي: سُنّت قوانين تلغي التمييز ضد المرأة في الميراث وحق التملك، وتعزز حقها في التعليم، وتمنع العنف الأسري، وتحقق المساواة بين الجنسين في التشريعات.

المرأة لم تكن مجرد متضررة، بل فاعلة في إعادة إعمار رواندا. أسهمت مشاركتها في استقرار المجتمعات المتضررة وإصلاح المؤسسات السياسية والقانونية نحو الشمول والمساواة. وانعكس تمكين النساء سياسياً واقتصادياً على النمو الاقتصادي، فتحسنت مؤشرات التنمية، والمكانة الدولية لرواندا.

ثانياً - العدالة الانتقالية والشباب

تشكل شريحة الشباب نسبة وازنة في الديموغرافيا السورية، برغم المخاوف التي سادت من تراجعها بفعل الهجرة. 

تكتسب فاعلية هذه الشريحة في مسار العدالة الانتقالية أهمية مضاعفة، مع الأخذ في الاعتبار أنها تمثّل نسبة كبيرة من الضحايا (ذكوراً وإناثاً)، إذ طاولتها انتهاكات من مختلف الأشكال. 

مستقبل العدالة الانتقالية يعتمد على مشاركة الشباب الفاعلة، التي تضمن استجابة آليّات العدالة لاحتياجات المتضررين وتمنع تكرار الصراعات. ومن منطلقٍ أخلاقي تضع هذه المشاركة الشباب في قلب العملية باعتبارهم من أكثر الفئات تضرراً. وتجاهلهم يعني فقدان شريحة أساسية من أي مسار انتقالي، بينما إشراكهم يمنح العدالة شرعية مجتمعية أوسع ويزيد فرص نجاحها واستدامتها، خاصة مع طاقاتهم وأدواتهم الرقمية وشبكاتهم الاجتماعية، ومدى تأثيرهم في صناعة القرارات.

مستقبل العدالة الانتقالية يعتمد على مشاركة الشباب الفاعلة، التي تضمن استجابة آليّات العدالة لاحتياجات المتضررين وتمنع تكرار الصراعات

يسهم الشباب في مناصرة المساءلة والمحاسبة، وتوثيق الانتهاكات عبر المنظمات الحقوقية والمبادرات المدنية، وحفظ الذاكرة الوطنية من خلال حماية المقابر الجماعية والسجون السرية والوثائق. كما يستخدمون المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي لحشد الرأي، نشر الوعي، متابعة قضايا العدالة، والمشاركة في بناء السلام والحوار داخل المجتمع، وإعادة التمكين المجتمعي. ويشكلون المصدر الحيوي لشرعية أي عملية انتقالية، فدون مشاركتهم الفعالة، قد تفقد العدالة الانتقالية مصداقيتها أمام المتضررين والمجتمع. كما يتمتع الشّباب بنظرة مستقبلية لا تقتصر على «الشفاء الآني»، بل تشمل إصلاحات بنّاءة في التعليم، البنية التحتية، الخدمات، والعمل.

التحدّيات التي تواجه مشاركة الشّباب

  • نقص المعرفة بمسارات العدالة الانتقالية القانونية والإجرائية. 
  • ضعف وضوح آليات الحوار والمشاركة مع الشّباب في القرارات التي تؤثّر بهم. 
  • تأثير النزوح. التشتّت. الحواجز الأمنية والنفسية.

ثالثاً - التلاقي بين المنظورين النسوي والشبابي

  • تحديات التهميش: تعاني النساء والشباب تهميشاً من السياسات التقليدية، ويتحملان أثقال النزاع المباشرة من عنف، تهجير، وفقدان. مع ذلك، يُمثلان إمكانية بناء مستقبل مختلف إذا أُعطي لهما الدور المركزي.
  • التكامل السوري: تنقل النساء رواية الألم والمعاناة اليومية، بينما يبتكر الشباب رواية الأمل والتغيير. كلا الدورين يسهم في بناء مجتمع مدني قوي، والمشاركة في الحوار، التقاضي، التوثيق، وحفظ الذاكرة الجماعية، ما يساعد على مواجهة الماضي ومنع تكرار الانتهاكات. معاً، يمكن كسر الحلقة المفرغة التي تجعل العدالة الانتقالية شأناً للنخب الذكورية والعسكرية فقط.

ليس الطريق سهلاً أمام الفئتين، بل مليئاً بالعراقيل: الثقافة الأبوية التي تهمش النساء وتعتبر الشباب غير ناضجين سياسيّاً، من أكبر التحديات، إلى جانب هيمنة العسكر على المشهد السياسي، والنزوح والشتات الذي صعّب التنظيم والعمل المشترك، والخوف من الانتقام، إضافة إلى ميل المجتمع الدولي أحياناً إلى «صفقات النخب بدل العدالة الشاملة».

توصيات نحو مسار شامل

  • إشراك النساء والشباب في صياغة سياسات جبر الضرر، وغدم الاكتفاء باعتبارهم/ن ضحايا أو شهوداً.
  • ضمان تمثيلهم/ن في آليات الحقيقة والمصالحة عبر حصص واضحة أو مجالس موازية.
  • الاستفادة من المبادرات المحلية التي أطلقتها نساء وشباب في سوريا، مثل جلسات الاستماع والمشاريع الفنية والتوثيقية.
  • التعلم من التجارب المقارنة مثل رواندا، جنوب أفريقيا، وكولومبيا.
  • تأطير دورهم/ن ضمن رؤية وطنية سورية تربط العدالة الانتقالية بالسلم الأهلي طويل الأمد.

يُنشر هذا المقال في إطار تعاونٍ بين «صوت سوري» و«شبكة الصحفيات السوريات» يتمحور حول العدالة الانتقالية في سوريا
العدالة_الانتقالية_في_سوريا السلم_الأهلي_في_سوريا نساء_سوريا_في_المرحلة_الانتقالية الشباب_السوري

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0