بعد أكثر من عقد على الحرب في سوريا، لم يعد الحديث عن العدالة ترفاً نظريّاً أو شعاراً سياسيّاً، بل غدا حاجةً ملحّةً لبناء مستقبلٍ مختلف.
العدالة الانتقالية، بما تتضمنه من آليات الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر وضمان عدم التكرار، تمثل بوابةً أساسيةً للانتقال من واقع العنف والانقسام إلى أفق السلم الأهلي.
مع ذلك، لا يكتمل هذا المسار من دون النظر إليه من زاوية نسوية، إذ كانت النساء الأكثر تعرضاً لانتهاكات متعددة، سواء في المعتقلات أو خلال النزوح واللجوء، أو عبر فقدان المعيل وتحمل أعباء النجاة وحدهن. والعدالة الانتقالية، من منظور نسوي، ليست مجرد ملاحقة للجناة، بل تشمل الاعتراف بمعاناة النساء، وإدماج أصواتهن وتجاربهن في بناء السلام. وقد أظهرت التجارب الدولية أن استبعاد النساء من هذه العمليات يهدّد استقرار المجتمعات ويعيد إنتاج الظلم. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن للنساء السوريات أن يكنّ شريكات حقيقيات في صياغة مسار العدالة الانتقالية، لا مجرد شاهدات على الألم؟
إن استعادة السلم الأهلي في سوريا لن تتحقق إلا من خلال مشاركة النساء في جميع مراحله، بحيث تتحول العدالة من نصوص قانونية جامدة إلى عملية مجتمعية شاملة تعيد للضحايا مكانتهم، وتفتح المجال أمام ذاكرة جماعية أكثر عدلاً وإنصافاً.
بعيون النساء
تقول سوسن عاطف عريشة، الفلسطينية السورية التي تنقّلت بين مخيم اليرموك وببيلا ومناطق أخرى، إنها عاشت سنوات من الترحال والضغط الأمني وفقدان السند. أمٌّ لأربعة أطفال، تعيل أسرتها وحدها بعد أن غاب الرجل عن حياتها. وتشرح معنى العدالة من تجربتها الشخصية: «العدالة اليوم هي إعطاء الفرص للتعبير عن الرأي وقبول الآخر. والقصاص الذي هو أساس العدل. لا يمكن الحديث عن العدالة دون أن تكون هناك مساحة للاستماع، وإعطاء كل ذي حق حقه». لكنها تعترف بصراحة: «العدالة في سوريا تستغرق وقتاً طويلاً. الدولة تحتاج أن ترتبط مباشرة بالشارع وتحقق مطالبه، خصوصاً في قضية المعتقلين والمختفين».
«لا عدالة انتقالية من دون النساء. نحن لسنا صوتاً هامشيّاً، بل ركيزة في أي عملية سياسية أو قانونية»
غيداء مطر، التي غادرت سوريا إلى لبنان العام 2013، تحمل بدورها جراحاً مفتوحةً، مع أخ استشهد برصاص قنّاص، وآخر اعتُقل منذ 2015 ولا يزال مصيره مجهولاً، ووالد توفي بعد عام من الفقد. برغم كل ذلك لم تستسلم، فقد عملت مع منظمات دولية وتلقت تدريبات على مدى أكثر من اثني عشر عاماً. بالنسبة إليها، تبدأ العدالة من مطلب واحد هو «الكشف عن مصير جميع المختفين قسراً. ثم محاسبة كل من ارتكب جريمة، ومنعه من تولّي أي منصب. العدالة هي أن تُصان كرامة المواطن السوري ويُعوَّض الشعب ماديّاً وصحيّاً ونفسيّاً». تجارب كهذه تجعل العدالة الانتقالية، من منظور نسوي، أكثر من مجرد آليات قضائية، فهي اعترافٌ بمعاناة النساء، وجبرٌ لضررهن، وضمانٌ لئلّا يتكرر ما حدث.
العدالة تبدأ بالاعتراف
رغم المعاناة، لم تكن النساء غائبات عن مشهد إعادة الحياة. تلخّص سوسن ذلك بقولها: «حتى أطفالي لم يتعودوا على وجود رجل في حياتهم، فكانت المرأة في كثير من الأحيان بألف رجل». لكنها تشكو من النظرة الدونية التي تلاحق المرأة المعيلة، ومن استبعاد النساء عن دوائر القرار. تقول: «أصوات النساء في النقاشات غالباً تُختزل في التعاطف، لا في الحضور المؤثر». أما غيداء، فاختارت أن تحوّل جراحها إلى قوة، مؤكدة: «النساء جسر أساسي للسلام. دورهن يتجاوز رعاية الأسرة إلى بناء الثقة بين المكوّنات، وقيادة مبادرات المصالحة، وتربية جيل جديد يؤمن بالعدالة والتعايش».
لكنّ صمود النساء الذي حوّل الألم إلى طاقة للاستمرار، يحتاج إلى اعتراف ودعم وتمكين. تقول سوسن: «للعدالة وجوه كثيرة، من فرص العمل إلى إصلاح المؤسسات وتمكين الشباب والنساء». وترى غيداء أنّ «اللاجئ ليس عبئاً، بل هو إنسان منتج يزرع الأمل أينما حلّ».
تؤكد هدى سرجاوي، المحامية السورية والناشطة في قضايا العدالة الانتقالية، أن النساء لسن مجرد ضحايا أو شهود، بل شريكات أساسيات في صياغة مسارات العدالة. تقول: «لا عدالة انتقالية من دون النساء. نحن لسنا صوتاً هامشيّاً، بل ركيزة في أي عملية سياسية أو قانونية». بالنسبة إليها، تعني العدالة كشف الحقيقة عن مصير المختفين، ومحاسبة المجرمين، وضمان وجود النساء على طاولة القرار.
تعتقد سرجاوي أن الإصلاحات القانونية وإقرار «الكوتا» النسائية في مؤسسات الدولة شرط لتحقيق مساواة تمكّن النساء من القيام بدورهن في بناء المستقبل.
دروس من لبنان إلى سوريا
من لبنان، تحمل الخبيرة القانونية رينا صفير تجربة ثرية في العدالة الانتقالية. عملت في المحكمة الخاصة بلبنان، ثم أسست عيادة جامعية تُدرّب المحامين الشباب على قضايا العدالة، وكانت شاهدة على دور النساء في ملفات المفقودين وانفجار بيروت. تقول رينا: «العدالة الانتقالية ليست مجرد محاكمات. هي مسار يعيد للضحايا كرامتهم، ويمنحهم فرصة ليكونوا جزءاً من إعادة كتابة المستقبل».
تُذكّر صفير بالتجربة اللبنانية، حيث كانت أمهات وزوجات المفقودين القوة المحرّكة لحملات المطالبة بالكشف عن الحقيقة. كما تشير إلى أن النساء في بيروت، بعد الانفجار، تحوّلن إلى قياديات في الساحات والمجتمع المدني، رافعات شعارات المساءلة وعدم الإفلات من العقاب. تعتقد أنا الدرس الأهم الذي يمكن أن تتعلمه السوريات من لبنان هو تحويل الألم الفردي إلى قوة جماعية، وبناء شبكات تضغط على المؤسسات لتضمين أصوات النساء في أيّة تسوية أو آلية للعدالة الانتقالية.
بين سوريا ولبنان خيوط مشتركة كثيرة، فمع اختلاف السياقين، غالباً ما تكون النساء في الصفوف الأمامية للمطالبة بالعدالة، ويُثبتن أن غياب التمثيل الرسمي لا يمنعهن من بناء شبكات ضغط فعّالة، وأن الألم الشخصي يمكن أن يتحول إلى طاقة مجتمعية تدفع نحو التغيير. غير أن التحدي في سوريا يبدو أعقد، فحجم الجرائم والانتهاكات أوسع، والانقسام السياسي أعمق. ومع ذلك، تتفق كلٌّ من هدى ورينا على أن إقصاء النساء عن العملية الانتقالية يعني الحكم على السلام بالفشل منذ بدايته.
شرط للسلام المستدام
تلتقي الأصوات على حقائق متقاطعة: لا يمكن تحقيق العدالة من دون كشف الحقيقة. والعدالة الانتقالية لن تنجح إذا استُبعد نصف المجتمع. فالنساء لسن ضيفات على العملية، بل صاحبات حق في صياغة مستقبلها. والسلام في سوريا، إذا أُريد له أن يكون مستداماً، لن يُبنى فقط على وقف السلاح أو إعادة الإعمار المادي، بل على مسار عدالة يُنصت للنساء، ويعترف بمعاناتهن، ويجعل منهن شريكات حقيقيات في إعادة رسم ملامح وطن جديد.