فخ «العدالة العرجاء»
السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس: كيف نحقق العدالة الانتقالية في سوريا؟ بل: كيف نضمن ألا تتحول هذه العدالة إلى مولّد جديد لمظلومياتٍ إضافية؟ كيف نضمن أن تكون طريقاً إلى السلم الأهلي لا إلى صراع جديد؟ الجواب ليس بسيطاً ولا مباشراً.
التجارب السابقة في العالم تعطينا إشارات متناقضة، ففي جنوب أفريقيا جرى الاعتماد على الاعتراف العلني من الجناة، ومُنحوا في المقابل عفواً مشروطاً، الأمر الذي اعتبره كثيرون خطوة حكيمة جنّبت البلاد انزلاقاً جديداً إلى العنف. في المقابل، في رواندا مثلاً ورغم آلاف المحاكمات الشعبية التي أقيمت بعد الإبادة الجماعية، ظل شعور قطاعات من المجتمع أنّ العدالة استُخدمت ضدهم بشكلٍ انتقائي، مما عمّق لديهم الإحساس بالغبن.
في تجارب أخرى اعتُمدت تطبيقاتٌ مثل «ميثاق الصمت والنسيان» في إسبانيا، أو «العفو مقابل النسيان» بأسماء مختلفة في عدد من ادول اللاتينية مثل الأرجنتين، وتشيلي، والسفادور، لكن في معظم هذه التجارب عادت الجروح للانفتاح بعد عقود، واضطرت الدول إلى إعادة فتح ملفات الماضي تحتَ ضغط الضحايا وذويهم. هذه الأمثلة تبيّن أنّ العدالة الانتقالية يمكن أن تكون أداة للشفاء بقدر ما يمكن أن تتحول إلى أداة لتمديد الألم، وأنّ المسألة ليست في وجود العدالة الانتقالية بحدِ ذاتها، بل في كيفية تصميمها وتنفيذها.
في سوريا، يواجه أي مسار محتمل للعدالة الانتقالية تحديات مضاعفة، أبرزها:
- الانقسام المجتمعي العميق: لم تكن الحرب مواجهة خطية بين طرفين واضحين، إنما شبكة معقدة من الصراعات والولاءات والانقسامات الطائفية والقومية والمناطقية. وقد عايش السوريون والسوريات مشاهد مأسوية جعلت العائلة الواحدة تنقسم، والحي الواحد ينشطر، والقرية الواحدة تتحول إلى خطوط تماس داخلية، وأي مقاربة للعدالة تستثني هذه الحقائق ستبدو سطحية وغير مقنعة. والتركيز على طرف واحد في الصراع مع إهمال الأطراف الأخرى، سيخلق شعوراً واسعاً بعدمِ الإنصاف، ويجعل شرائح كاملة تخشى استخدام «العدالة» أداة للانتقام السياسي.
- النزوح والشتات. يعيش ملايين السوريين والسوريات اليوم في المنافي، من دول الجوار إلى أوروبا وأماكن أبعد. هؤلاء ليسوا مجرد متفرجين إنما هم جزء من المجتمع السوري، يحملون ذاكرة مثقلة بالانتهاكات، من تهجيرٍ قسري إلى فقدان أحباء تحت التعذيب أو في المعتقلات أو في القصف. كيف يمكن لأيّ عملية عدالة انتقالية أن تكون ذات مصداقية إن لم تشمل هؤلاء جميعاً؟ إذا شعر اللاجئ أنّ صوته غائب، أو أن معاناته لم يُعترف بها، فالعملية بأكملها ستفقد مشروعيتها في نظره، وسيعتبرها مجرد تسوية داخلية لا تعنيه.
- تعدد مرتكبي الجرائم. خلافاً لصراعات أخرى كانت الجهة المنتهِكة فيها محددة بوضوح، شهدت سوريا انتهاكات على أيدي أطراف متعددة: النظام السابق، والفصائل المسلحة المعارضة، والجماعات الجهادية العابرة للحدود، والميليشيات الطائفية، وحتى قوى أجنبية متدخلة. هذه الحقيقة تفرض ضرورة تصميم مسار عدالة يشمل الجميع بلا استثناء. إنّ الاقتصار على محاسبة طرف واحد، أو غض النظر عن جرائم طرف آخر بحجة «ضرورات السياسة»، سيحوّل العدالة إلى أداة انتقائية، وسيدفع قطاعات واسعة من السوريين إلى رفضها.
- الذاكرة الجمعية. في كل بيت سوري هناك قصة فقدان أو تهجير أو اعتقال. نحن لا نتحدث عن «انتهاكات» كوقائع مجردة، بل عن ملايين التجارب الشخصية التي تشكل ما يشبه النسيج الأسود المشترك. هذه الذاكرة إن لم يُعترف بها وتُعالج بشكل علني، ستظل مثل قنبلة موقوتة تعيق الانتقال إلى مرحلة جديدة. لكن في المقابل، إذا جرى التعامل مع هذه الذاكرة بطريقة انتقائية، أو حُولت أداةً سياسية لشيطنة طرف واحد، ستغدو مصدراً للانقسام بدل كونها مصدراً للتعافي.
بديهياً، من المفترض أن تقوم العدالة الانتقالية في سوريا على:
- مبدأ التشميل الحقيقي، لتكون عملية مفتوحة على جميع مكونات المجتمع، تشارك فيها النساء، ويشارك الشباب، والضحايا وذووهم، واللاجئون والمهجرون، لا أن تقتصر على السياسيين أو النخب. العدالة الانتقالية التي تُصنع في الغرف المغلقة، بعيداً عن الناس، ستفقد معناها منذ اللحظة الأولى.
- المزاوجة المساءلة وجبر الضرر، فالمساءلة وحدها قد تبدو انتقاماً، بينما جبر الضرر وحده قد يُقرأ كتساهل أو إنكار للجريمة. التوازن بين الاثنين هو ما يعطي الضحايا شعوراً بالإنصاف، وفي الوقت نفسه يمنح الجناة فرصة للاعتراف والمصالحة.
- مبدأ المساواة وعدم الانتقائية، أي أن تُحاسب جميع الأطراف التي ارتكبت جرائم، بلا تمييز ولا استثناء. «العدالة الانتقائية» أخطر من غياب العدالة، لأنها تخلق شعوراً مضاعفاً بالغبن؛ غبن بسبب الجريمة الأصلية، وغبن جديد بسبب المعايير المزدوجة.
- أن تكون شفافة وواضحة، فأي غموض في آليات العدالة أو أي سرية في عمل المؤسسات، سيفتح الباب واسعاً أمام الشكوك والاتهامات. يفتقد كثير من السوريين والسوريات اليوم إلى الثقة بالمؤسسات، وأي مسار للعدالة يجب أن يعيد بناء هذه الثقة عبر الوضوح والانفتاح والمساءلة.
- ربط العدالة الانتقالية بالذاكرة الوطنية، فلا يكفي أن نحاكم الجناة أو نعوّض الضحايا. يجب أن نوثق ما جرى وأن نحفظ الذاكرة في متاحف ومراكز أبحاث وأرشيفات عامة، بحيث تصبح جزءاً من التاريخ المعترف به رسمياً. الاعتراف بالذاكرة هو جزء من العدالة، لأنه يمنح الضحايا مكانتهم ويمنع تكرار الجريمة.
- مبادرات محلية للمصالحة، فالعدالة لا تتحقق فقط في المحاكم أو في المؤسسات الرسمية بل أيضاً في القرى والأحياء والعائلات. هناك حاجة إلى مساحات حوار محلية وإلى جهود لإعادة بناء الروابط الاجتماعية، بحيث يشعر الناس أنهم قادرون على العيش معاً من جديد.
قد يقول البعض: أليس هذا مثالياً أكثر من اللازم؟ وقد يكون كذلك، لكنّ التجربة الإنسانية تُظهر أن أيّ محاولة لتجاوز الماضي من دون عدالة شاملة وشفافة لن تؤدي إلا إلى عودة الماضي بأشكال أكثر قسوة. العدالة الانتقالية ليست ترفاً أخلاقياً، بل هي حجر زاوية لبناء السلام، وإن لم نحصنها ستفشل في تحقيق هدفها، بل ستتحول إلى أداة لتأجيلِ الصراع إلى جولة أخرى.
يتطلب تحصين العدالة الانتقالية في سوريا شجاعة سياسية، وإرادة اجتماعية، ووعياً عميقاً بالتجارب السابقة، وبالخصوصية السورية في آنٍ واحد. ليست وصفة جاهزة نستوردها من الخارج، بل عملية محلية الطابع يجب أن تنبع من داخل المجتمع السوري نفسه.