تُعدّ قضية محاسبة الجناة إحدى الركائز الأساسية للعدالة الانتقالية، وتثير جدلاً واسعاً في السياق السوري.
من جهة، يرى كثيرون أن المحاسبة الصارمة للمسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان شرط لا غنى عنه لتحقيق العدالة للضحايا، وردع تكرار الجرائم مستقبلاً، وإعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة. يطالب الضحايا وذووهم بالعدالة، ويرون أن أي تسوية سياسية لا تتضمن محاسبة حقيقية للجناة تُعدّ خيانة لتضحياتهم وتكريساً للإفلات من العقاب.
ومن جهة أخرى، يخشى البعض أن تؤدي المحاسبة الواسعة النطاق إلى إعاقة عملية المصالحة الوطنية، وتأجيج الصراعات، وتقويض فرص تحقيق السلم الأهلي. ففي مجتمع يعاني انقسامات عميقة، قد يُنظر إلى المحاسبة بوصفها انتقاماً، ما يدفع بعض الأطراف إلى التمسك بمواقف متشددة، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول توافقية. يطرح هذا الواقع سؤالاً جوهرياً: كيف تُمكن الموازنة بين الحاجة الملحّة إلى العدالة ومتطلبات بناء سلم أهلي مستدام؟
تؤكد التجارب الدولية أن العدالة والسلم الأهلي ليسا بالضرورة متناقضين، بل يمكن أن يكونا متكاملين. فالسلم الحقيقي لا يُبنى على حساب العدالة، لأن الإفلات من العقاب يزرع بذور صراعات مستقبلية. وفي المقابل، ينبغي تصميم آليات المحاسبة بعناية لتجنّب تأجيج الانقسامات، مع التركيز على الجرائم الأكثر خطورة، وتوفير مسارات للعدالة التصالحية تتيح للجناة الأقل تورطاً فرصة الاعتراف والمساهمة في جبر الضرر.
في سوريا قد يبلغ عدد مرتكبي الانتهاكات عشرات الآلاف، ما يعني أن الملاحقة القضائية الشاملة غير واقعية. لذا يُقترح التركيز على محاسبة القيادات العليا والمسؤولين عن الجرائم الممنهجة، مع توفير آليات للعدالة التصالحية والتعويض للضحايا. كما ينبغي أن تكون عملية المحاسبة شفافة ومستقلة، وتستند إلى معايير قانونية دولية لضمان مصداقيتها وقبولها من جميع الأطراف.
يعتبر المحلل والباحث السياسي عمار جلو، أن تحقيق العدالة الانتقالية يتطلب إرادة حقيقية، وقوانين وتشريعات خاصة وواضحة مستمدة من القوانين الدولية، تُسدّ ثغراتها بتشريعات تراعي الخصوصية السورية، وتكفل إنصاف جميع الضحايا، مؤكداً أن آليات العدالة الانتقالية هي التي تُنشئ الثقة بين مكوّنات الشعب السوري.
جبر الضرر.. جسر بين العدالة والمصالحة
يمثّل جبر الضرر عنصراً حيوياً في العدالة الانتقالية، ويشكّل جسراً أساسياً بين الحاجة إلى العدالة ومتطلبات المصالحة. فهو لا يقتصر على التعويض المادي، بل يشمل أيضاً الاعتراف بالمعاناة وإعادة الاعتبار للضحايا. وتهدف برامج جبر الضرر إلى معالجة الآثار المادية والنفسية والاجتماعية للانتهاكات، وتقديم اعتراف رسمي بالظلم الذي لحق بالضحايا، بما يسهم في استعادة كرامتهم وإنسانيتهم.
ويؤكد جلو، أن استثناء بعض الشخصيات من المحاسبة بحجة دعمها للدولة أو تقديمها المساعدة يجب أن يتم في إطار من الشفافية الكاملة، عبر تصريحات رسمية وبيانات واضحة للرأي العام تُرفق بأدلة موثّقة تبرّر تلك القرارات وتمنع تأويلها أو استغلالها سياسياً، مشدداً على أن جبر الضرر للضحايا يعيد بناء الثقة بين الدولة والضحية.
يمكن أن تنقسم التعويضات إلى أشكال متعددة، منها:
- التعويض المادي
يشمل التعويض المادي صوراً متنوعة تهدف إلى استعادة ما فقده الضحايا نتيجة الانتهاكات. قد يتضمن ذلك مساعدات نقدية مباشرة، وتوفير خدمات أساسية كالرعاية الصحية والتعليم، واستعادة الممتلكات المصادرة، وتمويل مشاريع الإسكان، ودعم إعادة التأهيل الاقتصادي. في السياق السوري، تكتسب استعادة الممتلكات أهمية خاصة نظراً إلى السياسات التي انتهجها النظام السابق وأدّت إلى نزع ملكيات واسعة النطاق. لذا، من الضروري تأسيس لجان متخصصة لتسوية نزاعات الملكية، مع إيلاء اهتمام خاص للنازحين والمهجّرين الذين فقدوا وثائق إثبات ملكيتهم، لضمان العدالة الاقتصادية والاجتماعية.
- الاعتراف وإعادة الاعتبار
لا يقلّ الاعتراف بالمعاناة أهمية عن التعويض المادي، بل قد يفوقه أحياناً. فالاعتراف العلني بالظلم الذي تعرّض له الضحايا، وتقديم اعتذارات رسمية من المؤسسات الانتقالية، يسهمان في شفاء الجروح النفسية واستعادة الثقة. وتشمل برامج جبر الضرر المعنوي أيضاً إعادة التأهيل النفسي والاجتماعي للضحايا، وتقديم الدعم القانوني لمساعدتهم على تقديم الشكاوى والمطالبة بحقوقهم. كما تؤدي مبادرات تخليد الذكرى دوراً محورياً في هذا الإطار، عبر إنشاء نصب تذكارية ومتاحف ومراكز توثيق تعرض شهادات الضحايا، وتطوير أرشيفات رقمية تتيح للجمهور الاطلاع على الوثائق التاريخية. وهذه المبادرات لا تضمن عدم نسيان الماضي فحسب، بل تسهم في بناء ذاكرة جماعية مشتركة تعزّز قيم العدالة وحقوق الإنسان.
«معالجة قضايا الانتهاكات الحساسة لا تكتمل إلا بإزالة "الوصمة" المجتمعية عن الضحايا»
تُعدّ إعادة الاعتبار للضحايا، ولا سيما الذين تعرّضوا للتشهير أو السجن التعسفي أو التشويه المعنوي، جزءاً لا يتجزأ من عملية جبر الضرر. فهي تهدف إلى استعادة سمعتهم ومكانتهم الاجتماعية، وإلغاء الأحكام الجائرة، وتصحيح السجلات الرسمية. في القانون السوري، تُنظَّم أحكام إعادة الاعتبار في مواد قانون العقوبات وأصول المحاكمات الجزائية، غير أن تطبيقها في سياق العدالة الانتقالية يتطلب آليات خاصة تضمن شموليتها وفعاليتها لجميع الضحايا.
من خلال هذه الأبعاد المتكاملة لجبر الضرر، تستطيع العدالة الانتقالية أن تبني جسراً متيناً بين الماضي المؤلم والمستقبل المنشود، بحيث يتم الاعتراف بالضحايا، وتعويضهم عن خسائرهم، وإعادة دمجهم في مجتمع يسوده السلام والكرامة.
موقع الضحايا وذويهم من المعادلة
للضحايا وذويهم موقعٌ محوريٌّ في عملية العدالة الانتقالية الناجحة، فبدون مشاركتهم الفاعلة وتمكينهم تفقد هذه العملية شرعيتها وفعاليتها. في السياق السوري، حيث عانت أعداد كبيرة من الأفراد انتهاكاتٍ جسيمةً، لا يُعدّ إشراك الضحايا التزاماً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة عملية لضمان استجابة آليات العدالة الانتقالية لاحتياجاتهم وتطلعاتهم.
تؤكد المبادئ الدولية للعدالة الانتقالية أن الضحايا ليسوا مجرد متلقين للخدمات أو موضوعاً للخطاب، بل أطرافاً فاعلةً وشريكةً في صناعة العدالة. وهذا يقتضي تمكينهم من الإسهام في تصميم الآليات، والمشاركة في اتخاذ القرار، واختيار سبل الإنصاف التي يرونها مناسبة. في سوريا، حيث أدّت الانتهاكات إلى تدمير الثقة بين الدولة والمواطنين، يمكن لإشراك الضحايا بصورة حقيقية أن يسهم في إعادة بناء هذه الثقة وتعزيز الشعور بالملكية الوطنية لمسار العدالة.
من أبرز المهمات التي تضطلع بها لجان تقصّي الحقائق، في السياق السوري، الكشفُ عن مصير المختفين قسرياً. وهو ملف يكتسب خصوصيةً استثنائيةً، نظراً إلى الأعداد الهائلة من المختفين. إن الكشف عن الحقيقة بشأن مصير هؤلاء الأفراد، وتحديد المسؤولين عن اختفائهم، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي لأسرهم، خطوات أساسية نحو جبر الضرر وتحقيق المصالحة. كما أن توثيق الانتهاكات، وجمع الأدلة، من خلال شهادات الضحايا وذويهم، يمثّل ركيزةً أساسيةً للمساءلة الجنائية، ويضمن عدم طمس الجرائم المرتكبة أو نسيانها.
مع ذلك، يواجه إشراك الضحايا تحدياتٍ كبيرةً في السياق السوري، من بينها الانقسامات المجتمعية، وغياب الثقة بالمؤسسات، والخوف من الانتقام. لذلك يجب أن تُصمَّم آليات إشراك الضحايا بعناية، بما يوفّر بيئةً آمنةً وداعمةً تضمن حماية الشهود، وتؤمّن الدعم القانوني والنفسي اللازم. كما ينبغي أن تكون هذه الآليات شاملة، وتمثّل جميع الفئات المتضررة، بما في ذلك النساء والأطفال والأقليات، لضمان أن تكون العدالة الانتقالية عادلةً ومنصفةً للجميع.
«السلم الذي يُبنى على حساب العدالة، ليس إلا هدنة مؤقتة تزرع بذور انفجارات مستقبلية»
تتميّز الحالة السورية بخصوصيّةٍ فريدةٍ وتحدياتٍ هائلةٍ تجعل تطبيق العدالة الانتقالية أكثر تعقيداً مقارنةً بالعديد من السياقات الأخرى. فإلى جانب حالات القتل والاختفاء القسري، هناك أعدادٌ كبيرةٌ من النساء اللواتي تعرّضن للاغتصاب، إضافةً إلى عدد كبير من اللاجئين الذين بنوا حياةٍ جديدةٍ قد يصعب نقلها إلى سوريا، ولا سيما من شريحة الشباب. وبعد أكثر من عقدٍ من الصراع، أفرزت الأزمة السورية أرقاماً صادمةً تعكس حجم المأساة الإنسانية، وتلقي بظلالها على أيّة جهودٍ مستقبليةٍ لتحقيق العدالة والمصالحة.
يقول ياسر الشلاتي، وهو «مدير آليات التحقيق في رابطة الحقوقيين السوريين الأحرار»، إن معالجة قضايا الانتهاكات، وخصوصاً حالات الاغتصاب، لا يمكن أن تقتصر على جبر ضرر الضحايا فحسب، بل يجب أن تمتد لتشمل المجتمع بأكمله من خلال برامجِ توعيةٍ حقيقيّةٍ لتغيير النظرة السلبية تجاه الضحايا.
ويوضح أن الخطوة الأولى في مسار جبر الضرر تبدأ بمحاسبة الفاعلين، إلى جانب تقديم دعم نفسيٍّ وطبيٍّ عاجلٍ، وتأمين مساحاتٍ ومناطق آمنةٍ للضحايا المهدّدين، مع اتخاذ إجراءاتٍ قانونيةٍ لحمايتهم. كما دعا إلى تمكين الضحايا اقتصادياً عبر مشاريعَ صغيرةٍ ودوراتٍ مهنيةٍ، وتخصيص وظائف حكوميةٍ وفرص عملٍ في الشركات لهم.
يضيف الشلاتي مؤكداً ضرورة إصلاح المؤسسات الأمنية وإعادة صياغة بروتوكولات التعامل مع القضايا الحساسة، إلى جانب رفع وعي المجتمع لإزالة الوصمة وإعادة دمج الضحايا في بيئاتهم الاجتماعية.
يعتقد الشلاتي أن دعم الشباب العائد إلى سوريا يجب أن يكون محوراً أساسياً في أيّة خطةٍ وطنيّةٍ لإعادة الإعمار، موضحاً أن بعض الدول الأوروبية بدأت بالفعل تنفيذ برامج دعمٍ ماديٍّ للعائدين، تشمل تغطية تكاليف السكن لمدة عام وتقديم تعويضاتٍ رمزيةٍ عن المصاريف اليومية. فضلاً عن توفير تمويلٍ للمشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر، إلى جانب تدريباتٍ مهنيةٍ تساعد الشباب على الاندماج مجدداً في سوق العمل. كما يدعو الدولة إلى إلزام المستثمرين المحليين والأجانب بتوظيف نسبٍ محددةٍ من الكوادر المحلية، على غرار ما هو معمولٌ به في تركيا، حيث تُلزم بعض الجهات بتوظيف عددٍ من العاملين المحليين مقابل كل موظفٍ أجنبي.
كما يشدّد على أهمية سنّ قوانين تضبط الحد الأدنى للأجور وأسعار العقارات، وتعمل على تسهيل إجراءات تأسيس المشاريع الصغيرة، مع الاستفادة من طاقات الشباب في عمليات إعادة الإعمار.
حجم الكارثة يفرض الاستثناء
تشير إحصاءات «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» إلى حجمٍ غير مسبوقٍ من المعاناة، إذ قضى مئات الآلاف من المدنيين خلال الصراع، غالبيتهم على يد قوات النظام. إضافةً إلى وجودِ عشرات الآلاف من المعتقلين تعسفياً والمختفين قسرياً، وآلافٍ آخرين قضوا تحت التعذيب. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل قصص حياة انتهت، وعائلات دُمِّرت، ومجتمعات مزّقتها الفظائع. إن التعامل مع هذا الكمّ الهائل من الضحايا يتطلب آليات عدالةٍ انتقاليةٍ مبتكرةٍ وشاملةٍ، تتجاوز النماذج التقليدية، وتضمن الاعتراف بكل ضحيةٍ، والتحقيق في كل جريمةٍ، وتقديم الجناة إلى العدالة.
لا تقتصر المأساة السورية على الضحايا الذين فقدوا حياتهم، بل تمتد لتشمل ملايين السوريين الذين أُجبروا على النزوح والتهجير القسري، سواءً داخل البلاد أو خارجها. وتشير التقديرات إلى نزوح أكثر من 13 مليوناً، ما يمثّل أكثر من نصف السكان قبل العام 2011. وقد أدّى هذا النزوح الهائل إلى تدمير النسيج الاجتماعي، وتفكك العائلات، وفقدان الممتلكات، وتشريد الأجيال. إن إعادة النازحين والمهجّرين إلى ديارهم، وضمان حقهم في العودة الآمنة والكريمة، واستعادة ممتلكاتهم، وتعويضهم عن خسائرهم، يمثّل تحدياً لوجستياً وقانونياً واجتماعياً كبيراً.
إوفضلاً عن الخسائر البشرية والنزوح، شهدت سوريا تدميراً ممنهجاً للبنية التحتية، وتشويهاً مقصوداً للنسيج الاجتماعي. فقد دُمِّرت المدن والبلدات، وانهارت المؤسسات، وتآكلت الثقة بين أفراد المجتمع. إن إعادة بناء ما دمّره الصراع لا تقتصر على الجانب المادي، بل تشمل أيضاً إعادة بناء الثقة، وتعزيز التماسك الاجتماعي، ومعالجة الجروح النفسية العميقة التي خلّفها العنف. وهذا يتطلب جهوداً متكاملةً تشمل العدالة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي والمصالحة المجتمعية.
إن خصوصية الحالة السورية، تتطلب مقاربةً شاملةً ومرنةً للعدالة الانتقالية، تأخذ في الاعتبار هذه التحديات الفريدة، وتضع احتياجات الضحايا في صميم أيّة حلولٍ مستقبلية. ويجب أن تكون هذه المقاربة مدعومةً بإرادةٍ سياسيةٍ قويةٍ، ودعمٍ دوليٍّ، ومشاركةٍ واسعةٍ من جميع أطياف المجتمع السوري، لضمان أن تكون العدالة الانتقالية جسراً حقيقياً نحو مستقبل أفضل.