× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

لا بد من حلول جذريةٍ لأكبر مشكلةٍ عقارية يواجهها أبناء المدن المنكوبة - © المديرية العامة للمصالح العقارية

عائدون يخوضون حرباً ثانية: أنقاض بيوت بلا وثائق

حكاياتنا - خبز 15-03-2026

بين سنداتٍ أحرقتها النيران وقوانين صاغها الاستملاك، يجد آلاف النازحين في ريف دمشق أنفسهم «غرباء» في عقاراتهم. رحلة بحثٍ مضنية عن إثبات ملكية وسط غابة من التزوير وثغرات التشريع التي تهدد بضياع إرث الأجيال.

يواجه سعيد، أحد سكان ريف دمشق، مشكلةً عويصةً تتمثل بفقدانه وثائق الملكية الخاصة لشقته في بناءٍ طابقي، ويستعين بأحد المحامين لحل هذه المشكلة، تمهيداً لبيع الشقة. ومع عدم توافر وثيقة الملكية تغدو معاملة نقل الملكية إلى المشتري عمليةً مستحيلة.

في العام 2012 نزح سعيد من منزله، جراء المعارك التي احتدمت في مدينته، تاركاً وراءه جميع الأوراق الرسمية، ومن بينها وثائق الملكية. يقول لـ «صوت سوري» إنّه – شأنَ كثيرٍ من سكان مدينته - اعتقد أن المعركة لن تدوم سوى أيام، كما كان التدقيق كبيراً على الحواجز المحيطة بالمدينة من كل منافذها. يوضح أنه نسي أوراقه المهمة باستثناء بطاقته الشخصية. وعندما عاد إلى المدينة في العام 2018 بحث طويلاً عن الأوراق المهمة، لكن جهوده باءت بالفشل. 

ضحايا تلف الوثائق

تمثل حالة سعيد نموذجاً متكرراً لكثير من الحالات في المدن المنكوبة بريف دمشق، التي تعرضت على مدار سنواتٍ طويلةٍ لمعارك عنيفةٍ تخللها استعمال النظام السّابق للطيران الحربي، وقذائف المدفعية والبراميل المتفجرة، ما أثر بشكلٍ مباشرٍ على حقوق السكن والأرض والملكية لآلاف السكان.

أجرت منظمة «اليوم التالي» مسحاً شمل أكثر من 10 آلاف نازح، كان من نتائجه أن ثلث أولئك الذين نزحوا قسراً من منازلهم خلال النزاع فقط، كانت بحوزتهم وثائق تثبت ملكية عقاراتهم،

تزامن ذلك مع إصدار النظام السّابق عددا من القوانين المثيرة للجدل المتعلقة بالملكيات، كالقانون رقم 10 للعام 2018 الذي يسمح بإقامة مناطق للتطوير العمراني في الأراضي التي شهدت تهجيراً للسكان الأصليين، كالقابون وبعض مناطق الغوطة الشرقية وغيرها، والقانون رقم 3 للعام 2018 الخاص بإزالة أنقاض البيوت المدمرة،. تنطوي تلك القوانين على موجاتٍ من انتهاكات حقوق الملكية الموجهة ضد اللاجئين غير القادرين على إثبات ملكيتهم.

ملف شائك ومعقد

يقول المحامي جلال أبو البشر، خلال حديث لـ «صوت سوري»، إنه اطلع على ملف العقارات في عدد من المدن بريف دمشق، وعلى رأسها داريا ومعضمية الشام. ويكشف عن تعرض سجلات الكاتب بالعدل، وهي الوثائق التي كانت معتمدة لنقل الملكية في مدينة داريا قبل الثورة، للإتلاف أو الفقدان، الأمر الذي تسبب بكارثةٍ حقوقيةٍ لمئات المُلّاك، وحرمهم من حقهم في التصرف بعقاراتهم، مع عدم وجود قيود لتلك العقارات في السجل العقاري. 

يواجه أصحاب الملكيات في المدن المنكوبة تحديات قانونية هائلة، مع ضياع وتلف آلاف الوثائق، وصدور مراسيم وقوانين أتاحت سلب الملكيّات

يشرح أبو البشر الآلياتِ التي يلجأ إليها المُلّاك لمعاودة تثبيت حقوق التملك، من خلال تثبيت الوكالات ورفع دعاوى نقل الملكية إلى استصدار حكم محكمة. لكن هذا الحل لا يفيد سوى حملةَ الوكالات الممهورة بختم الكاتب بالعدل، بينما تكمن الكارثة في الحالات التي فقدت جميع وثائق الملكية، وليست لها قيود في السجلات العقارية، وهي حالاتٌ كثيرةٌ جداً تستدعي تدخلاً حكومياً جريئاً يعمل على إيجاد حلولٍ جذريةٍ لأكبر مشكلةٍ عقارية يواجهها أبناء المدن المنكوبة.

على مدار السنوات الأولى من الثورة السورية، تعرضت مئات وثائقِ الملكيةِ، بين «سند طابو» و«وكالة كاتبٍ بالعدل» و«حكم محكمة»، للتلف جراء المعارك التي دارت في الريف الدمشقي. كما أدى غياب المُلّاك الأصليين الذين نزحوا نحو مناطق أكثر أماناً، أو هُجروا إلى الشمال السوري بعد سنوات مريرة من الحصار، إلى حدوث عشرات الحالات من تزوير الملكيات.

أتاح القانون 33 الصادر في العام 2017 إعادة تكوين الوثيقة العقارية المفقودة أو التالفة جزئياً أو كلياً، ما سمح بإعادة إنشاء الوثائق العقارية المتضّررة عن طريق إجراءين: إداري أو قضائي. ولأن القانون اشترط اقتران الاعتراض على عملية إعادة التكوين بحضور صاحب المصلحة أو وكيله القانوني، فقد انعكس سلباً على المُلّاك اللاجئين أو المهجرين وفتح بوابةَ التزوير، لأن ترميم الوثيقة يُعدُّ فرصةً لتعديل محتواها، وبالتالي تزوير البيانات.

ملف قديم/حديث

يوضح الباحث في «مركز عمران للدراسات» أيمن الدسوقي، أن المسائل المرتبطة بحقوق الملكيات والسكن والأراضي، هي من القضايا الحاضرة قبل الثورة وخلالها وبعد سقوط نظام الأسد، وأنها كانت أحد الأسباب خلف اندلاع حركة الاحتجاجات في العديد من مناطق سوريا عام 2011.

ويضيف في حديثٍ لـ «صوت سوري» مُفصّلاً: «في حين كان الأمر مرتبطاً بقضايا التنظيم العقاري والاستملاك وتقييد المعاملات العقارية على خلفية الموافقات الأمنية، اتسع نطاق المشكلات عقب العام 2011 مع انتهاكاتٍ منظمةٍ مارسها النظام السّابق بحق الحواضر الثائرة، كالتهجير القسري ومصادرة ونزع ملكياتٍ بقوة القانون تحت مسميات وذرائع عدة، إلى جانب تقييد الوصول للأوراق الرسمية جراء الموافقات الأمنية أو إتلاف السجلات العقارية أو فقدان الأوراق الرسمية، فضلاً عن التلاعب بالملكيات جراء ضعف الوعي القانوني لدى المالكين، والآليات المؤسساتية الرسمية».

يلفت الدسوقي إلى مسألةٍ في غاية الأهمية، تتعلق باستغلال الحالة المادية أو الحالة القانونية للمهجرين قسراً أو النازحين، لدفعهم إلى بيع ملكياتهم في المناطق المدمرة والمنكوبة، من خلال سلسلةٍ من السماسرة والوسطاء وبأسعارٍ بخسة. عاد هؤلاء، اليوم، للمطالبة بملكياتهم والطعن بهذه العقود. 

من المشكلات أيضاً، وفقاً للدسوقي، ما يرتبط بالواقع التنظيمي للملكيات، وعدم حيازة أوراق ملكيةٍ موثقةٍ قانونياً في السجل العقاري من قبل شاغلي المساكن، إما لوجود نزاعات عقارية، أو لقضايا أخرى مرتبطة بالبناء على أملاك الدولة.

جهود حكومية متواضعة

من جانبها، قدمت السلطات السورية الانتقالية بعض الحلول الإسعافية والمؤقتة، للحفاظ على الملكية العقارية للسكان. فحددت وزارة العدل آليات ترميم سجلات بعض دوائر الكتّاب بالعدل في عددٍ من المحافظات، لا سيما التي تعرّضت للحريق أو الفقدان أو التلف، وما تحتويه من أصول عقودٍ أو وثائق أو وكالاتٍ تخص المواطنين، وذلك إلى حين صدور صك تشريعي خاص بهذا الشأن.

واشترطت الوزارة، في تعميمها الموجه إلى رؤساء العدليات في المحافظات، لقبول طلب الإيداع أو الترميم أو التسجيل وفقاً لهذه الآلية، وجودَ نسخةٍ أصليةٍ مصدّقةٍ طبقَ الأصلِ عن المحرَّر أو الوثيقة الأصلية المفقودة لدى دائرة الكاتب بالعدل، وفي غير ذلك لا يُقبل الطلب، ويُكلَّف صاحبه بمراجعة القضاء المختص للمداعاة بشأن أيّ حقٍّ يدّعيه وفق الأصول المقرّرة لذلك قانوناً.

الملكيات_العقارية_في_سوريا وثائق_الملكيات_العقارية السجل_العقاري_ريف_دمشق

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0