يعاني أبو معتز، وهو أحد سكان مدينة دوما بريف دمشق، من قلقٍ دائمٍ، يبلغ ذروته كل ليلة عندما يأوي إلى الفراش ويتأمل الشقوق الظاهرة في سقف وجدران شقته بالطابق الثالث، فتساوره المخاوف من احتمال تداعي البناء الطابقي الذي تقطن فيه سبع أسَر، وسبق أن أصابته قذيفتان، في استهدافين متقاربين خلال حصار المدينة في الأعوام الأولى للثورة.
يوضح أبو معتز خلال حديث لـ «صوت سوري» أن البناء، وإن كان لا يزال قائماً دون أضرار جسيمة ظاهرة، فالشقوق المتعرجة في الأسقف والجدران وبيت الدرج مقلقةٌ جداً للسكان العائدين إلى المبنى منذ سقوط النظام السابق، بعد رحلات تهجيرٍ ولجوءٍ طويلةٍ قضوها بعيدين عن مدينة دوما.
لم تكشف لجان السلامة الإنشائية، حتى الآن، على المبنى الذي يقطنه أبو معتز وجيرانه، ما يشير إلى عودةٍ عشوائيةٍ غير منتظمةٍ أو مدروسةٍ لكثير من العائلات المهجرة من الريف الدمشقي المنكوب، مع الاكتفاء بإصلاحاتٍ أجراها القسم الأكبر على عجل، وبشكل إسعافي، ما يهدد حياة الآلاف في حال تعرضت المنطقة لهزات أرضية أو كوارث مشابهة، بسبب تداعي الأبنية وتهالكها واحتمالية سقوطها في أي لحظة.
ترميم متواضع وخطير
الحياة اليومية في المدن المنكوبة صعبة وقاسية جداً، خاصة في المنازل والأحياء التي جرى استهدافها بشكل كبير، وهي المساحات التي كانت تحت سيطرة المعارضة المسلحة خلال فترات الحصار الطويلة، جرى خلالها إمطار مساحات لا تتجاوز بضعة كيلومترات بعشرات آلاف القذائف والبراميل المتفجرة، ما تسبب بنسبة دمار كبيرة جداً للأبنية السكنية والشوارع والمؤسسات والمرافق العامة.
«تأقلم آلاف قاطني المدن المنكوبة يعتبر تعايشاً قسرياً، ستترتب عليه آثارٌ اجتماعيةٌ ونفسيةٌ خطيرة، لأن المعطيات تشير إلى عدم شعور السّكان بالأمان، والشعور الجماعي بالتهميش والعزلة والحرمان»
خلال أسبوع واحد، أجرى أبو عبدو العائد من عمّان عقب سقوط النظام، عمليات ترميم سطحية لمنزله الأرضي بهدف الإقامة المؤقتة، ريثما يجري إصلاحات كاملة مع إكساء جديد للمنزل الذي تعرض للاستهداف بقذيفة مدفعية تضرر منها السقف وبعض الجدران.
يوضح أبو عبدو أن عملية الترميم كانت سريعة وبسيطة، فقد أغفلت تصليح السقف الذي يحوي تشققات مخيفة وخطيرة، بينما لا يوجد مطبخ ومغسلة وحمام. أما المرحاض فهو عبارة عن حُجرة صغيرة بسقف من التوتياء وبدون باب حيث استُعيضَ عنه بقطعةٍ من القماش.
بدوره، لم يخضع المنزل الذي تقيم فيه أسرة أبو عبدو للفحص من قبل لجان السلامة الإنشائية، وهي مسألة مهمة وحساسة يبدو أنها لا تنال الاهتمام الحكومي اللازم.
مخاطر جسدية واجتماعية
يؤكد الباحث في التنمية المستدامة الدكتور رفعت عامر أنه لا يمكن التعايش مع الأنقاض، لأن الأبنية المتصدعة ستعرض السكان لخطر الانهيارات، وتؤثر سلباً على الصحة المجتمعية، وتؤدي إلى غياب الحد الأدنى من مقومات الحياة، بالتوازي مع خلق بيئة غير سليمة، وبالتالي ستولد هذه المناطق جيلاً من الشباب العدائي تجاه من حوله نظراً لأنه سيحرم من حقه في التعليم وسط ظروف طبيعية.
ويضيف خلال حديث لـ «صوت سوري» قائلاً: «ما نلاحظه من تأقلم آلاف قاطني المدن المنكوبة يعتبر تعايشاً قسرياً، ستترتب عليه آثارٌ اجتماعيةٌ ونفسيةٌ خطيرة، لأن المعطيات تشير إلى عدم شعور السّكان بالأمان، والشعور الجماعي بالتهميش والعزلة والحرمان».
يلفت عامر إلى أن الأمل كان كبيراً في حدوث تغيير جذري، بعد الخلاص من حكم الأسد، لكن حتى الآن لا شيء سوى العيش على الأمل، وليس هناك على أرض الواقع أية خطوات تؤكد سير البلاد نحو التغيير المنشود. ويرى أن حل المشكلات، ومواجهة التحديات الكارثية التي تواجه سكان المدن المنكوبة، يجب أن يشكل أولويةً للحكومة، قبل التفكير بالمشاريع الاستثمارية، ورفع الأبراج وتنظيم الاحتفالات، فهذه المناطق تحتاج إلى إجراءاتٍ عاجلةٍ، ويعد ذلك ضرورةً إنسانيةً ملحة. مضيفاً أنه ينبغي أن نكف عن الاستعراضات، ونلتفت إلى شعب من المهجرين والنازحين يقيمون في حاراتٍ وأزقةٍ متهالكة ومدمرة.
ريف دمشق.. الثانية دماراً
استناداً إلى الأرقام التي أوردتها جهاتٌ دوليةٌ عدّة، تأتي قرى ومدن ريف دمشق في المرتبة الثانية بعد حلب، بالنسبة لحجم الدمار الكلي والجزئي، الذي لحق بعقاراتها الطابقية والأرضية خلال سنوات الحرب.
في المجمل، يؤكد البنك الدولي أن نسبة الدمار في الوحدات السكنية داخل مناطق الصراع تتراوح بين 27% و33%. بينما يكشف تحليلٌ لصور الأقمار الصناعية، أجراه معهد الأمم المتحدة للبحث والتدريب «يونيتار/UNITAR، عن دمارٍ كبيرٍ في المباني داخل 16 مدينة سورية، وسجل المعهد تعرض 355 ألفاً و722 مبنىً للتدمير في حلب، تليها محافظة ريف دمشق التي توزع الدمار فيها على 34 ألفاً و136 مبنىً في الغوطة الشرقية، و5489 مبنىً في مخيم اليرموك والحجر الأسود، و3364 مبنىً في الزبداني.