لماذا يُحمَّل القطاع العام مسؤولية الفشل، فيما تكمن المشكلة في طريقة إدارته؟
في وقتٍ تختلط فيه الشعارات بالوقائع، يتقدّم اتهامٌ متداول يختزل الأزمة في هذا القطاع، ويحمّله وحده مسؤولية الفشل، مصوّراً إياه كعبء ينبغي التخلص منه. غير أن هذا التبسيط يتجاهل مساراً طويلاً من التشويه والإهمال، أصاب الإدارة قبل أن يصيب الفكرة ذاتها، وراكم اختلالاتٍ عميقة انعكست على الأداء والنتائج.
يمثّل القطاع العام، في أساسه، التزام الدولة بتأمين الخدمات والحقوق الأساسية بعيداً عن تقلبات السوق ومنطق الربح الصرف. وعندما تتوافر الإدارة المهنية والرقابة الفعّالة، يتحول إلى أداة دعم للاقتصاد والاستقرار الاجتماعي. غير أن هذا الدور يتآكل حين تتغلغل البيروقراطية وتتمدد شبكات الفساد، فتُدار المؤسسات بعقلية المحاصصة، ويُستغنى عن معيار الكفاءة لصالح الولاء، وتغيب المحاسبة، فتكون النتيجة تراجعاً متدرّجاً ينعكس على الأداء والثقة معاً، ويتحوّل الخلل من حالات فردية إلى نمطٍ مستقر يصعب كسره.
تُقدم يعض التجارب الدولية الناجحة شواهد واضحة على أن القطاع العام، حين يُصان من التسييس ويُدار بمهنية، يمكن أن يكون مصدراً للربح والخدمة معاً.
ففي النرويج، تُدار عائدات النفط عبر مؤسسات عامة بكفاءة عالية، وتُستثمر ضمن صندوق سيادي يضمن الاستقرار المالي للأجيال القادمة. وفي سنغافورة، لعبت المؤسسات العامة دوراً محورياً في تطوير البنية التحتية وقطاع الإسكان، ووفّر مساكن ملائمة لغالبية السكان. أما في السويد، فتسهم الشركات المملوكة للدولة في دعم الميزانية، فيما تُقدَّم الخدمات الصحية والتعليمية بمستويات متقدمة.
وفي الصين، تُدار شركات الدولة ضمن خطط استراتيجية طويلة الأمد وتحقق عوائد كبيرة في نموذج يجمع بين التخطيط وآليات السوق. وحتى كوبا، رغم الحصار، استطاعت بناء نظام صحي عام يُعدّ من الأفضل في أميركا اللاتينية، مع انتشار واسع للأطباء في الخارج، وتعليم عام مجاني وذو جودة عالية.
وعلى الصعيد العربي، برزت تجارب تؤكد القدرة على توظيف القطاع العام في التنمية. في مصر، قادت الدولة مشاريع صناعية كبرى وأسهمت في بناء السد العالي وما مثّله من تحوّل اقتصادي وزراعي. وفي الجزائر، شكّلت «سوناطراك» (الشركة الوطنية الجزائرية للمحروقات) ركيزة الاقتصاد الوطني ومصدراً رئيساً لتمويل التنمية. أما في الكويت، فقد أُديرت عائدات النفط عبر مؤسسات عامة وصناديق سيادية أسهمت في تحقيق قدر من الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل.
تُظهر هذه النماذج، رغم اختلاف سياقاتها، أن نتائج القطاع العام ترتبط أساساً بجودة الإدارة واستمراريتها، وأن الإشكال لا يكمن في جوهره، بل في غياب الحوكمة الرشيدة التي تضمن تطوره واستدامته.
في سوريا، نجد أن القطاع العام عاش مفارقة مؤلمة: فقد كان أحد أبرز إنجازات نظام البعث في عقوده الأولى، حين توسّعت الدولة في بناء مؤسسات إنتاجية وخدمية، من معامل النسيج إلى شركات النقل العام، ومن المستشفيات إلى المدارس والجامعات. كان القطاع العام آنذاك تجسيداً لفكرة العدالة الاجتماعية، وإن شابها كثير من البيروقراطية.
غير أن النظام نفسه، الذي تبنّى هذا النموذج، هو من بدأ بإخصائه تدريجياً، خصوصاً بعد «المؤتمر العاشر لحزب البعث» العام 2005، حين أُعلن تبنّي اقتصاد السوق الاجتماعي، المصطلح الذي بدا للوهلة الأولى وكأنه محاولة للتوفيق بين العدالة والسوق، لكنه في الواقع كان بداية لتصفية القطاع العام تحت غطاء التحديث.
بدأت الخصخصة الزاحفة، وتراجعت الاستثمارات في المؤسسات العامة، وتحوّل كثير من الشركات إلى عبء بفعل الإهمال المتعمد.
الدفاع عن القطاع العام هو دفاع عن فكرة العدالة في جوهرها، وعن حق المجتمع في خدمة عامة لا تُرهقه مادياً أو معيشياً، وعن دور الدولة في أن تكون ضامنة للحقوق الأساسية لا مجرد منظم للسوق
بعد سنوات، وانتفاضة شعبية تحولت إلى حرب مفتوحة دامت 15 عاماً سقط نظام البعث، وبدأ «عهد جديد» بقيادة «هيئة تحرير الشام». اليوم، بعد نحو عام ونصف يبدو أن هذا يواصل المهمة بوتيرة أعلى وأكثر تنظيماً: أُغلقت مؤسسات عامة أو جرى تفريغها من مضمونها، وأُعيد توظيف ما تبقّى منها لخدمة بنية النفوذ الجديدة، في تحوّلٍ واضح للقطاع العام من رافعة تقوم على تقديم الخدمات وتشغيل اليد العاملة، إلى هياكل منهكة تُستنزف مواردها وتُستغل أصولها أو تُترك لتتآكل تدريجياً.
ترافقت هذه السياسات مع تسريح عشرات الآلاف، ونقل أعداد كبيرة من العمال والموظفين والموظفات إلى مناطق بعيدة عن أماكن سكنهم، في خطوة يُنظر إليها على أنها تهدف إلى دفعهم للاستقالة تحت ضغط الظروف المعيشية، إلى جانب عرقلة ممنهجة ومتعمدة لعمل العديد من المنشآت، وفتح باب الاستيراد على مصراعيه، خصوصاً من تركيا، ما انعكس سلباً على الإنتاج الوطني وعمّق تراجع القطاعات الصناعية المحلية.
هذا المسار لم يكن عشوائياً، بل اتخذ طابعاً متدرجاً وممنهجاً، تمثّل في قرارات متلاحقة مسّت بنية القطاع العام ووظيفته، من إهمال الصيانة والتشغيل، إلى تعطيل خطوط الإنتاج، وصولاً إلى طرح عدد من المنشآت كعبء يُراد التخلص منه أو إعادة تسويقه.
وفي هذا السياق، أُعلن بشكل صريح أن معامل الدولة وشركاتها ومرافقها العامة، بما فيها المؤسسات الخدمية كالمشافي، معروضة للبيع أو الاستثمار، ما يعيد تعريف الملكية العامة بوصفها مورداً قابلاً للتصرّف الاقتصادي.
هذه الإجراءات تعدّ تجاوزاً واضحاً للصلاحيات، كون الجهة القائمة سلطة انتقالية لا تمتلك تفويضاً يتيح لها اتخاذ قرارات استراتيجية تمسّ البنية الاقتصادية والخدمية للدولة بهذا العمق. فمثل هذه الملفات هي من اختصاص سلطة منتخبة ديمقراطياً، تمتلك الشرعية والمساءلة أمام المجتمع، لا جهة معيّنة استندت إلى «مؤتمر النصر».
كما أن معالجة هذا الواقع لا ترتبط بطبيعة الملكية بقدر ما ترتبط بنمط الإدارة. فحين تتراجع الحوكمة، وتضعف الشفافية، وتفقد المؤسسات تماسكها من الداخل، يصبح أي نموذج عرضة للخلل مهما كانت بنيته. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إصلاح إداري ومؤسسي يعيد تنظيم القطاع العام على أسس مهنية، ويعزّز أدوات الرقابة، ويعيد الاعتبار للكفاءة في التوظيف والإدارة.
إن الدفاع عن القطاع العام هو دفاع عن فكرة العدالة في جوهرها، وعن حق المواطن في خدمة عامة لا تُرهقه مادياً أو معيشياً، وعن دور الدولة في أن تكون ضامنة للحقوق الأساسية لا مجرد منظم للسوق. وفي زمنٍ تتراجع فيه القيم أمام منطق الربح، يبقى القطاع العام، حين يُدار بنزاهة، أحد آخر ما يوازن بين الحاجة والعدالة.