× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

سوريا 2025: تماماً كما خطط لها!

عقل بارد - على الطاولة 24-12-2021

لم تكن الخطة الخمسية العاشرة محدودة بخمس سنوات فحسب، بل جاءت محملة بـ«رؤية اقتصادية» لعقدين من الزمن (2005 - 2025)، بشكل يُحدث تحولات اقتصادية كبيرة يتراجع عبرها دور القطاعات الحكومية لمصلحة القطاع الخاص، وتُحرر الأسواق، وتعتمد الخزينة العامة على الجباية لا الاستثمار. ما يتطابق مع توصيات البنك الدولي، وبنود «توافق واشنطن»

الصورة: (دمشق 2010 / ILO - فليكر)

«عبارة اقتصاد السوق الاجتماعي، ليست اختراعاً للحكومة السورية، نحن عندما بدأنا برنامج الإصلاح الاقتصادي لم نسمِّ هذا الاقتصاد، وأنا لم يخطر ببالي يوماً أن أطلق تسمية على هذا الاقتصاد الذي نسير باتجاهه، فقد وضعنا برنامج الإصلاح من سياسة مالية وسياسة نقدية جديدة، كذلك حرية التجارة والاستثمار وتشجيع تطوير البنية التحتية، وتعميم اقتصاد محرر من القيود في جميع القطاعات، لكن لم تخطر ببالنا تسمية ما نقوم به، لكن القيادة السياسية في المؤتمر القطري للحزب (حزب البعث) قررت أن تسمي هذا الشيء اقتصاد سوق اجتماعي، بعدها طُلب منّا أن نفسر معنى هذا المصطلح».

الكلام السابق نقلته مجلة «الاقتصادية» في عددها رقم 350 الصادر في 22 حزيران 2008 عن «مهندس التحول الاقتصادي» في سوريا عبد الله الدردري، واقتبسته مواقع عديدة، وحتى كتب اقتصادية بحثت في التحول الاقتصادي السوري قبل اندلاع الحرب. ذلك التحول الذي أقرته الخطة الخمسية العاشرة، وانتقلت سوريا عبره من الاشتراكية إلى اقتصاد لم يستطع «مهندس التحوّل» تسميته. 

لم يأت الدردري بأفكاره من العدم، كذلك لم تكن الخطة قائمة على أسس اقتصادية وطنية، بل جاءت - وفق اقتصاديين كثر - تنفيذاً مباشراً لتوصيات البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، بناء على توصيات «إجماع (أو توافق) واشنطن»، وهي مجموعة مبادئ وُضعت العام 1989 لتكون «علاجاً من عشرة بنود للدول الفاشلة».

السقوط المدفوع إلى الهاوية

لم تكن المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية في سوريا جيدة مع بداية الألفية الجديدة، رغم ظهور بوادر نشاط اقتصادي محدود. كذلك كان القطاع العام منهكاً، وموازنة الدولة مثقلة بأعباء الدعم، ورواتب البطالة المقنعة التي كانت وسيلة حزب البعث لتخفيض معدل البطالة، الأمر الذي شكل دافعاً للبحث عن سبل لتنمية هذا الاقتصاد.

قائمة «أبطال الخصخصة» لم تعد مقتصرة على شركات محلية مملوكة لفئة من الأشخاص فحسب، بل أفسح المجال أمام شركات غير سورية، وحتى دول، والحديث هنا لا يتعلق باستثمارات فرضتها الحرب بل بعمليات خصخصة أخرى، في ما يبدو استكمالاً لرؤية 2025

بدأ المسار بالخطة الخمسية التاسعة التي تبنت مجموعة مفاهيم تنموية، مع الحفاظ على شكل الاقتصاد السوري بأطره العامة، فالدور المركزي للدولة موجود، وإن تراجع لصالح القطاع الخاص، تمهيداً ليلعب القطاع الخاص دوراً أكبر.

أقرّت بعدها الخطة الخمسية العاشرة التي حملت عنوان «التحول إلى اقتصاد السوق الاجتماعي»، وانطلقت عملية خصخصة لقطاعات عديدة، وبدأ القطاع الخاص يلعب دوراً أكبر، خُفّض حجم الدعم المقدم لسلع رئيسية، ارتفع سعر الوقود، وألغيت القسائم التموينية.

لم تكن الخطة الخمسية العاشرة محدودة بخمس سنوات فحسب، بل جاءت محملة بـ«رؤية اقتصادية» لسوريا خلال عقدين من الزمن (من العام 2005 إلى العام 2025)، بشكل يضمن إحداث تحولات اقتصادية كبيرة يتراجع خلالها دور القطاعات الحكومية لمصلحة القطاع الخاص، وتُحرر الأسواق، وتعتمد الحكومة في دخلها على الضرائب لا الاستثمار، الأمر الذي يتطابق مع توصيات البنك الدولي، وبنود «توافق واشنطن» السابق الذكر، ما يعني في المحصلة التحول إلى اقتصاد «نيوليبرالي» بمسمى آخر.

رئيس هيئة تخطيط الدولة العام 2010، الدكتور تيسير الردّاوي، الذي كان يشرف على إعداد الخطة الخمسية الحادية عشرة المتممة للمشروع ذاته، فجر مفاجآت عديدة خلال ندوة حوارية (ندوة الثلاثاء الاقتصادية، في 5 كانون الثاني 2010)، عندما أشار إلى تراجع مؤشرات عديدة بعد بدء التحول الاقتصادي، إذ ارتفع معدلا البطالة والتضخم مقارنة بالسنوات السابقة، وتراجع معدل نمو حصة الفرد، إضافة إلى تراجع حصة الأجور من الناتج المحلي الإجمالي، وازدياد نسبة السكان تحت خط الفقر، وتمركز عائدات النمو بيد فئة قليلة من السكان، الرداوي أكد وقتها أن «محرك الاقتصاد كان الاستهلاك وليس الاستثمار».

بعد خمسة أيام فقط من تلك المحاضرة صدر مرسوم بإنهاء تكليف الرداوي، وتكليف الدردري بتسيير شؤون هيئة تخطيط الدولة.

الحرب: حدث ثانوي!

خلال السنوات العشر الممتدة من العام 2000 إلى العام 2010، ظهرت ونمت شركات خاصة عديدة مملوكة لعدد قليل من المستثمرين. 

كذلك، أجرت الحكومة عمليات خصخصة متتالية لقطاعات عديدة، عن طريق تحويل الشركات الحكومية إلى شركات مساهمة، لتطلق يد المستثمرين فيها.

لم تكن المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية في سوريا جيدة مع بداية الألفية الجديدة، رغم ظهور بوادر نشاط اقتصادي محدود. كذلك كان القطاع العام منهكاً، وموازنة الدولة مثقلة بأعباء الدعم، ورواتب البطالة المقنعة 

كانت التحولات الاقتصادية التي شهدتها سوريا خلال السنوات التي سبقت الحرب، وما نتج عنها من تفاوت طبقي، ونمو غير متوازن بين المناطق المدينية والريفية، فضلاً عن عوامل أخرى من بينها الجفاف، إحدى المقدمات المحورية لعُشرية الحرب التي بدأت بمظاهرات تنادي بإصلاحات، وتطورت في ما بعد. 

يعيد باحثون كثر، من بينهم الدكتور منير الحمش في كتابه «الاقتصاد السوري في أربعين عاماً» مشكلة السياسة الاقتصادية التي انتهجتها دمشق إلى أنها «اهتمت بالانفتاح من دون التمكين»، بمعنى أنها شرّعت أبواب الاقتصاد السوري الهش أمام الاقتصاد العالمي من دون وجود أسس اقتصادية يمكن أن تثبّت الاقتصاد السوري وتحافظ عليه.

رغم ذلك لم تتوقف خطة التحول الاقتصادي، واستمرت الخطوات الاقتصادية تماماً وفق الخطة الموضوعة، فتتالت عمليات تحويل شركات القطاع العام ومؤسساته إلى شركات مساهمة، مثلما جرى في قطاع الاتصالات والمصارف الحكومية، تمهيداً لخصخصتها، كما فُتح الباب على مصراعيه أمام القطاع الخاص لاستثمار شركات بشكل كامل ومباشر، بحجة تعرضها للدمار جراء الحرب.

الجديد، أن قائمة «فرسان الخصخصة» لم تعد مقتصرة شركات محلية مملوكة لفئة من الأشخاص فحسب، بل أفسح المجال أمام شركات غير سورية، وحتى دول، والحديث هنا لا يتعلق باستثمارات فرضتها الحرب مثل منح مرفأ طرطوس، أو معامل الفوسفات لروسيا، أو منح إيران وشركات إيرانية تراخيص وعقوداً للعمل في مجال النفط، بل بعمليات خصخصة لمنشآت عديدة أخرى، في ما يبدو استكمالاً لرؤية 2025!

اليوم يعيش أكثر من 90 بالمئة من السوريين والسوريات تحت خط الفقر، ويعاني نحو 60 بالمئة من السوريين انعدام الأمن الغذائي، ويعاني قطاع الزراعة - الذي كان يعتبر العمود الفقري للاقتصاد - من أزمات حادة، ومثله القطاع الصناعي.

اليوم، تعيش سوريا معدلات تضخم وبطالة غير مسبوقة، وتغيب الأيدي العاملة الخبيرة التي هاجر معظمها، ومن بقي منها انعدمت أمامه فرص التعليم الحقيقي والتطوير، رغم ذلك لا تزال السياسة الاقتصادية مستمرة وفق النهج ذاته، من دون أي تعديلات جوهرية تحافظ على ما بقي من أساسات الاقتصاد السوري التي يمكن أن يبنى عليها، فأي مستقبل ننتظر؟

بطالة نيوليبرالية اقتصاد أمن_غذائي خط_الفقر صناعة زراعة الخطة_الخمسية إعادة_إعمار

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0