مع اقتراب موسم الحصاد للعام 2026 يسود نوع من القلق في أوساط المزارعين في ريف مدينة القامشلي التابعة لمحافظة الحسكة، شمال شرقي البلاد، وخاصة بعد الارتفاع الكبير لأسعار مادة المازوت.
في مطلع أيار/مايو الحالي رفعت مديرية المحروقات في «الإدارة الذاتية» أسعار المازوت الحر من 55 سنتاً إلى 75 سنتاً، أي من 5500 ل.س إلى 9500 ليرة سورية.
فيما حددت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية سعر شراء القمح القاسي الدرجة الأولى «مشوَّل» من الفلاحين (أي معبأ في أكياس) بـ 46000 ليرة جديدة للطن الواحد (ما يعادل 4.6 مليون ليرة سورية قبل حذف الأصفار، أي نحو 335 دولاراً)، وهذا بدوره أسهم في زيادة حالة القلق لدى المزارعين.
قلق وترقّب
يعيش سامر مجد (45 عاماً) وهو أحد مزارعي ريف القامشلي حالة من الذعر، شأنه شأن النسبة الأكبر من المزارعين في المنطقة، خوفاً من ألا يسد مردود محصوله من القمح تكاليف الإنتاج، خاصة مع ارتفاع سعر الدولار مقابل الليرة السورية، وأسعار المازوت.
يقول مجد: «الأمطار الوفيرة هذا العام خلقت لدينا نوعاً من الأمل في أن نعوض خسارتنا طيلة السنوات الماضية، ولكن الأمر متوقف على تحديد سعر مناسب للمحاصيل من القمح والشعير».
يؤكد المزارع الأربعيني أن عملية الحراثة، وشراء البذار، والسماد كانت «مكلفة جداً، نتيجة عدم استقرار سعر صرف الدولار»، ويوضح أن «ارتفاع أسعار المازوت زاد الطين بلة».
ويُبين أنه اشترى نسبة كبيرة من مستلزمات الزراعة بالدين، وهذا يزيد من أعبائه المالية، مشيراً إلى أنه قد يتمكن من تسديد الديون في حال إقرار سعر عادل للمحاصيل، مضيفاً «إذا وصل سعر شراء الكيلو الواحد من القمح إلى 50 سنتاً مثلاً، سيكون الأمر جيداً، ولكن السعر المحدد حاليّاً يعرضنا لخسارة كبيرة».
بدوره يؤكد محمد خليل وهو مزارع من ريف القامشلي، أن الجهات المعنية كانت تصدر لائحة الأسعار قبل 45 يوماً على أقل تقدير من عمليات الحصاد. ويضيف: : «سيكون الوضع سيئاً للغاية إذا لم يُقرّ سعر جيد للمحاصيل».
يوضح خليل أن «تكاليف الإنتاج لم تنته بعد، فلا تزال أمامنا عمليات الحصاد والنقل»، مضيفاً: «علاوة على عن ذلك نحن لا نعرف كيف سيكون المردود من إنتاج محاصيلنا، فالرحلة طويلة».
وفرة الأمطار لا تكفي
يقول المهندس الزراعي معتز عبد إن «الجزيرة السورية تعتبر سلة غذاء البلاد، وتنتج نصف الاحتياج من القمح، فضلاً عن الإنتاج الحيواني».
ويضيف أن مدينة القامشلي «تكتسب أهمية بالغة جراء موقعها على ما يعرف محلياً بـ"خط العشرة" الذي يشهد غزارة مطرية، ويضم أراضي خصبة، ويشكل الشريط الحدودي من مدينة رأس العين إلى مدينة المالكية حزام القمح الأهم بسوريا».
يبرر المهندس الزراعي حالة القلق لدى المزارعين قائلاً: «إن وفرة الأمطار لا تكفي لضمان موسم ناجح، والسبب يعود الى ارتفاع تكاليف الإنتاج بشكل عام من الفلاحة، والبذور، وأجور الحصاد، كذلك كلفة النقل والعمالة بشكل عام».
يقول عبد: «التسعير المجحف سيؤذي المزارع، الذي عانى أصلاً من موجة جفاف استمرت أربع سنوات أنكهته مادياً ومعنوياً».
ويؤكد أن أسعار المستلزمات «زادت بشكل كبير وصل إلى 30%، مع تضخم حاد، والسبب تقلبات سوق الصرف، وكذلك الحرب الروسية الأوكرانية، والحرب الإيرانية الأميركية التي أثرت على إمدادات المواد الأولية بشكل عام وبالأخص الأسمدة».
ويضيف: «بعيداً عن القلق، الموسم جيد جداً وهناك جرعة أمل وتفاؤل، ولكن يبقى السعر وإنصاف المزارع ضرورة ملحة».
يوصي عبد بـ«إجراء دراسة عميقة حول جدوى المحاصيل الاستراتيجية، وتفعيل دور المؤسسات الزراعية، وربط الأسواق المحلية بالسوق الدولية».
ويختم آملاً أن «تضع الجهات المختصة خطة زراعية محكمة تراعي أعلى ربح وعائد للمزارعين، والتحدي الأكبر الآن هو المبالغ الكبيرة التي يجب على المزارعين تخصيصها لدفع أجور الحصادات وتكاليف جني المحصول، وهو عبء يصفونه بالثقيل جداً على كواهلهم».