عرفت سوريا في الأعوام الأخيرة نسب هطول مطريّ متدنيّة، لكن الأحوال تغيرت هذا العام، إذ تُظهر بيانات وزارة الزراعة السورية أن نسبة الهطولات المطرية تجاوزت 60% من المعدل السنوي.
تحدث تقرير سابق لـ«صوت سوري» عن مخاطر عالية من تحوّل الجفاف إلى أمر واقع في سوريا بحلول العام 2050. ويحاول هذا التقرير المعمق الإجابة عن تساؤل أساسي: هل يمكن أن تخفف هذه الأمطار من مخاطر الجفاف المرتقبة؟

واقع السدود اليوم
تحسنت نسب التخزين في السدود السورية هذا العام، فبلغت 46%، لكن هذه النسبة لا تزال أقل من 50%، رغم الهطولات المطرية الجديدة التي انعكست على تخزين السدود. تظل هذه النسبة غير كافية لتأمين المياه اللازمة للزراعة ومياه الشرب، إذ ينبغي ألا تقل نسب تخزين السدود عن 75%، لتدخل البلاد مرحلة الأمن المائي حسب أحمد بكور، المدير العام للهيئة العامة للموارد المائية.
يشرح بكور قائلاً: «تعاقُب سنوات الجفاف لأكثر من 10 سنوات أدى إلى انخفاض مناسيب المياه الجوفية في العديد من الحوامل المائية، ما أدى إلى استنزاف هذه الحوامل وجفاف بعضها، لا سيّما الحوامل المائية السطحية، وتعافيها يحتاج إلى سنوات رطبة متتالية لتعويض الفاقد».
تؤيد د.هلا أحمد، اختصاصية إدارة الموارد المائية وتخطيط البنية التحتيّة، كلام بكّور. وتقول: «رغم أن موسم الأمطار جيد مقارنة بالسنوات السابقة، لكن هذا لا يضمن الأمن المائي، ومن المستبعد أن تتعافي الأحواض عموماً وحوض بردى خصوصاً بسبب سوء الموارد عبر السنوات الماضية، والاستهلاك الجائر بما يفوق الحدود المستدامة».

تشير دراسة منشورة في مجلة Journal of Hydrology، إلى أن الأحواض المائية تحتاج وسطياً 3 سنوات لتعويض المياه المفقودة بعد الجفاف، وكلما كان الجفاف أشد طال وقت التعافي أكثر، وبعد جفاف استمر أربع سنوات في كاليفورنيا بين العامين 2012 - 2016، احتاجت 3 مواسم متتالية من الأمطار الوفيرة لتستعيد بين 19% إلى 34% من خسائرها، حسب دراسة لـ هيئة المسح الجيولوجي الأميركية.
نحو توازن زراعي وعمراني
وفق بيانات لـ الفاو في مطلع الألفية الحالية تستهلك الزراعة 85% - 88% من الموارد المائية في سوريا، والمياه المنزلية 9%، وباقي القطاعات مثل الصناعة والقطاعات الأخرى من 3- 6%. لم تتغير هذه النسب كثيراً كما توضح بيانات منشورة في 2019.
تشرح الدراسات أن هناك عوامل عديدة تؤثر على قضية الجفاف ومقاومته، منها تصميم شبكات المياه، فإذا كانت ضعيفة تسببت بفقدان كبير للمياه، وينهار توزيع مياه أثناء الأزمات المناخية. ويمكن خفض الفاقد المائي بنسبة 30- 50% عبر تحسين التصميم، كما أثبتت تجارب بعض الدول.
جريان المياه في بلدة مريمين - ريف حماه/صوت سوريتؤكد د.هلا أحمد ضرورة العمل على «تقليل الفاقد في شبكات المياه الحضرية وشبكات الري، وإعادة استخدام المياه المعالجة وإعادة تغذية المياه الجوفية، وهذا يكون من خلال اعتماد تخطيط مدن يراعي خصوصية الحوض ويسهل إعادة تغذية المياه الجوفية طبيعياً، من خلال تقليل المساحات المبنية والرصف الاسفلتي والاسمنتي الكثيف، بمعنى ضرورة وجود مساحات خضراء كافية ضمن المدن، مثل غوطة دمشق سابقاً التي كنت مبنية على شكل نجمي».
وفي ما يتعلق بالزراعة، يشير تقرير لـ منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة/فاو إلى ضرورة انتقال سوريا من زراعة المحاصيل العالية الاستهلاك للمياه (مثل القطن، والخضار المروية بكثافة)، إلى محاصيل استراتيجية مقاومة للجفاف (مثل القمح القاسي، والشعير، والعدس، والحمص). فيما يؤكد الأستاذ في كلية الزراعة بجامعة دمشق د.منهل الزعبي أن وزارة الزراعة السورية استنبطت الكثير من الأصناف المكيفة المقاومة للجفاف.
تكيّف وزاري؟
كثيرةٌ هي الأمثلة الناجحة في التكيف مع الجفاف في الدول العربية (الإمارات، والسعودية، والأردن، والمغرب العربي)، وكل هذه الدول اعتمدت استراتيجيات متشابهة، مع مراعاة خصوصية الوضع البيئي في كل بلد، يوضح الشكل التالي أهم الاستراتيجيات المتبعة في هذه البلدان.

أما في سوريا، فيتحدث أحمد بكور عن جملة إجراءات تعمل عليها وزارة الطاقة حالياً، للتحوّط من الجفاف، مثل صيانة وإصلاح السدود، وتأهيل شبكات الري، ويضيف: «للاستفادة من المياه بأقصى استطاعة تبني الدولة اليوم مجموعة من السدود والسدات المائية والخزانات في مناطق عديدة، أبرزها: برادون والسخابة وفاقي حسن في اللاذقية، والبوطة في طرطوس، والمويلح والوادي الأبيض وخان طومان في حلب وإدلب».
وفق بكّور، تعمل الوزارة أيضاً على «رفع كفاءة استخدام الموارد المائية وبشكل خاص للأغراض الزراعية، من خلال الاستثمار الجماعي للمصادر المائية من قبل الفلاحين الأعضاء في جمعيات مستخدمي المياه، والتنسيق مع وزارة الزراعة لزراعة الأنواع المقاومة للجفاف».
كما «تدرس خططاً لتأمين مصادر مائية بديلة عن طريق معالجة مياه الصرف الصحي والصناعي، قبل صرفها إلى المجاري المائية بهدف استخدامها مصدراً إضافيّاً للري الزراعي، وحماية الموارد المائية من التلوث. فضلاً عن التحول إلى منظومة الري الحديث الذي يوفر نحو 50% من مياه الري مقارنة بأساليب الري التقليدي، ويرفع كفاءة الاستخدام بنسبة تقارب 90%».
يأتي ذلك، فيما تعكف الوزارة على إعادة صياغة قانون التشريع المائي رقم /31/ للعام 2005، وتعديل بعض البنود لتتلاءم مع الواقع الحالي، بحيث يتضمن شروط الحفر، والإجراءات العقابيّة في حال التجاوزات والتعديات على المصادر المائية السطحية والجوفية، في سعي إلى ردع كل التعديات على المياه، بما يشمل حفر الآبار.
هل نحظى بأمن مائي؟
في المحصلة، يثبت الواقع المائي في سوريا أن غزارة الأمطار لموسم واحد ليست سوى «جرعة إسعافية» لا تكفي لشفاء حوامل مائية أنهكها الجفاف والاستنزاف الجائر على مدار عقد من الزمن. وبين خطط وزارة الطاقة الطموحة وتشريعاتها المنتظرة، يبقى الرهان الحقيقي معقوداً على سرعة التنفيذ، والتحول الجذري في ثقافة الاستهلاك الزراعي والمنزلي، لتجنب سيناريو الجفاف الشامل بحلول العام 2050. فالأمن المائي صناعة بشريّة، ينبغي أن نُجيدها مهما كانت طبيعة المواسم المطرية