اعتدنا - نحن السوريين والسوريات - منذ سنوات، سماع «التحذيرات من الكارثة المقبلة»، حتى كادت تفقد معناها من فرط التكرار. غير أن ما يجري اليوم يبدو أكثر تعقيداً، فعلاوةً على الاختناق الاقتصادي الحاد الذي يعصف بالبلاد، تتراكم عوامل انفجار داخلية يتغذى بعضها على بعض، وتدفع البلاد نحو منحدر شديد الخطورة، وسط تصاعد محموم لخطاب التحريض على مواقع التواصل الاجتماعي، وهشاشةٍ أمنيّة تهدّد باتساع رقعة الفوضى وتعميق الشرخ المجتمعي.
جغرافيا القلق
خلال الأيام الأخيرة، وبتزامن لافت شهدت مناطق عدة أحداثاً متسارعة، أثارت حالة من القلق بين السكان: دعوات لملاحقة «الفلول» بمعزلٍ عن السلطة، وخطابات ومنشورات ذات طابع طائفي، واعتداءات على أشخاص وممتلكات، وإحراق سيارات ومحال تجارية، ونزوح عائلات من مناطق سكنها، وتوترات عشائرية قابلة للتمدد.
تحدثت مصادر محلية عن حركة نزوح لعائلات في ريفي حلب وحماة، لا سيما من بلدتَي طيبة الإمام وقمحانة ومدينة مورك، خشية التعرض لأعمال انتقامية. وفي دمشق، سادت أجواء من الذعر إثر محاولة مجموعات اقتحام حي المزة 86 وسط إطلاق نار وهتافات طائفيّة تهديدية تصف الأهالي بـ«الشبيحة»، وترافقت مع أعمال تخريب. أما في محافظة حمص، فتواصلت تداعيات الأحداث التي شهدتها مدينة تدمر، إذ نزحت عشرات العائلات عقب استهداف سكانٍ بذريعة «ارتباطهم بـرموز النظام السابق». وفي الشرق السوري، صعّدت عشيرة العكيدات من لهجتها، مهددة بخطوات تصعيدية ما لم تتدخل الجهات الأمنية لمعالجة ما وصفته باستهداف ممتلكات أبنائها، في تطور يعكس خطورة انتقال التوتر من مستواه الفردي إلى العشائري، ما يعقّد فرص احتوائه مستقبلاً.
لم تقتصر مظاهر الاحتقان على الوقائع الميدانية، إذ برزت أيضاً حملات إعلامية وتحريضية ذات طابع طائفي، من بينها حملة «لست شجرة»، وما رافقها من تهديدات مباشرة لفئات واسعة من السوريين والسوريات، في سياق يرتكز على منطق الانتقام الجماعي بدلاً من سيادة القانون.
ورغم أن هذه الوقائع قد تبدو للوهلة الأولى أحداثاً متفرقة ومعزولة، فإنها في الحقيقة تجليات متعددة لمشهد واحد من الاحتقان المتصاعد الذي يتشكل على مرأى من الجميع، إذ تعكس، على اختلاف جغرافياتها وخلفياتها، اتساع رقعة المخاوف والانتهاكات لتطال بيئات اجتماعية متعددة، مهددة بتحوّل هذه التوترات الموضعية إلى أزمة وطنية شاملة.
الجراح المفتوحة وخطاب الثأر
لا تكفي قراءة هذه الأحداث من زاوية واحدة فقط لفهم حقيقتها. فخلف موجة الغضب الحالية تقف سنوات طويلة من الدماء والآلام والجراح المفتوحة. مئات الآلاف من السوريين فقدوا أبناءهم، أو غُيّبَ أقاربهم في المعتقلات، أو تجرعوا مرارة النزوح والتهجير القسري. وثمة شعور عارم اليوم بأن العدالة الموعودة لم تتحقق بعد، وأن كثيراً من المتورطين في المآسي السورية ما زالوا بعيدين عن أي مساءلة حقيقية.
الحل يكاد يكون واحداً لا ثاني له: جبهة وطنية واسعة تتجاوز الاصطفافات التقليدية، وتضم كل من يؤمن بأن الدولة المدنية الديمقراطية هي الإطار الوحيد القادر على إعادة بناء التماسك المجتمعي
في مثل هذا المناخ المشحون، يجد خطاب الثأر بيئة خصبة ليتسلل إلى النفوس الجريحة، متحولاً من احتقان فردي إلى سردية جماعية قابلة للتداول والاستثمار السياسي. غير أن الخطر الحقيقي يتبلور حين يتجاوز هذا الغضب تخومه الطبيعية ليصبح أداة للتصنيف الإقصائي، فتُحمَّل بموجبه بيئات اجتماعية كاملة تبعات جرائم النظام السابق، ما يشرّع الأبواب أمام دورات عنف متجددة لا تنتهي.
العدالة الانتقالية بين الوعد والخيبة
من هنا، تبرز العدالة الانتقالية بوصفها أحد أكثر الملفات حساسية في المشهد السوري. مسارٌ يصلح مدخلاً للمصالحة ومعالجة إرث الصراع، لكنه تحوّل، في نظر شريحة واسعة، إلى مسار انتقائي لا يتعامل مع الانتهاكات بمعايير واحدة، بل يركز على طرف دون آخر، سواء أثناء النزاع أو بعده.
وفي المقابل، يرى آخرون أن جهود السلطة في هذا الملف لم تتجاوز بعض المحاكمات المحدودة، التي عدّها منتقدون شكلية وغير قادرة على رأب جراح سنوات الحرب. فلم يعد غريباً أن تظهر دعوات «استيفاء الحق بالذات»، وأن تتوسع حملات التحريض تحت شعار تعويض ما أخفقت المؤسسات في تحقيقه. لكن الأخطر أن الانقسام لم يعد محصوراً بين المكوّنات، بل تسلّل إلى عمق الجماعات نفسها، إذ تتصادم داخل البيئة الاجتماعية الواحدة رؤى متناقضة حول السلطة والمستقبل والهوية، ما يُنذر بتشظٍّ يحوِّل المشهد من صراع طائفي إلى تفكك مجتمعي شامل.
فخ الوكالة
في خلفية هذا المشهد المضطرب، لا يمكن تجاهل العامل الخارجي الكامن، فسوريا لا تزال ساحة مفتوحة لتشابك المصالح الإقليمية والدولية. وكلما وهنت مؤسسات الدولة وتفككت بنيتها الاجتماعية، تعاظمت قدرة القوى الخارجية على الاستثمار في الانقسامات المحلية لخدمة أجنداتها الخاصة.
وفي هذا السياق، يأتي مقترح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أن «تتولى سوريا التعامل مع حزب الله» بدلاً من «إسرائيل»، ليفتح باب جدل واسع، إذ تثير هذه الطروحات مخاوف جدّية من محاولات استدراج دمشق وتوريطها في حرب استنزاف بالوكالة. وهذا قد يفتح جبهة صدام مباشر مع إيران والجماعات التابعة لها، ولا سيما «الحشد الشعبي» في العراق والحوثيين في اليمن، الأمر الذي ينذر بانفجار إقليمي واسع.
على شفير الانفجار
السلطة الانتقالية، تبدو عاجزة أو غير راغبة في تقديم معالجة جدية تتناسب مع حجم المخاطر المتراكمة. فما نشهده لا يتعدّى، في معظمه، إجراءات مجتزأة وردود فعل آنية، فيما تتسع دائرة الانفلات الأمني وتتراجع الثقة الشعبية بقدرة المؤسسات على فرض القانون بصورة متساوية على الجميع.
وتزداد الصورة قتامة بالنظر إلى الانهيار المعيشي المتواصل، إذ تتفاقم معدلات البطالة إثر تسريح عشرات الآلاف من العاملين، ويلتهم الفقر شرائح أوسع من المجتمع، بينما تواصل الأسعار قفزاتها الجنونية وسط تراجع حاد في القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة. ومع اقتران الفقر بالخوف، والاحتقان بغياب العدالة، والانقسام الداخلي بالتدخلات الخارجية، تصبح البلاد أشبه ببرميل بارود مهدّد بالانفجار عند أول شرارة.
قبل فوات الأوان
لكن، وبرغم ثقل المشهد وسوداويته، لا يبدو الاستسلام قدراً محتوماً، فلا تزال أمامنا فرصة لتفادي الأسوأ إذا ما جرى تجاوز حالة التشرذم والعجز. والحل يكاد يكون واحداً لا ثاني له: جبهة وطنية واسعة تتجاوز الاصطفافات التقليدية، وتضم كل من يؤمن بأن الدولة المدنية الديمقراطية هي الإطار الوحيد القادر على إعادة بناء التماسك المجتمعي. جبهة تنخرط في مسارات عملية واضحة، تبدأ بتشكيل حكومة وحدة وطنية، وإطلاق حوار وطني شامل يضم مختلف مكونات الشعب السوري، بهدف إعادة بناء الثقة وصياغة رؤية مشتركة لمستقبل البلاد، وتفعيل آليات وساطة في مناطق التوتر الحالية، وصياغة مشروع سياسي يرتكز على دستور عصري يكرّس مبادئ المواطنة المتساوية، ويضمن الحقوق والحريات لجميع السوريين والسوريات دون تمييز. فيكون بذلك عقداً جديداً يُخرج البلاد من كهف الانقسامات إلى فضاء المواطنة.
ومع الإدراك التام لفرضية التصلب التي قد تبديها السلطة القائمة تجاه هذه الطروحات، فإن كسر هذا الاستعصاء يحتاج إلى أوراق ضغط حقيقية، تبدأ بتوسيع رقعة التضامن الشعبي والنقابي، وعدم السكوت إزاء الانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان، وصولاً إلى فرض العزلة على خيارات القوة العارية، وجعل كلفة الاستمرار في النهج الحالي أعلى بكثير من كلفة الانخراط في الحل الوطني.
في المحصلة، لا يزال خيار الإنقاذ قائماً، لكنّ هوامشه تضيق مع مرور الوقت، فإما ترسيخ بنية الدولة، أو الانزلاق نحو التشظي الكامل. وبين هذين الطريقين، تبقى نافذة الأمل مفتوحة، غير أن هواءها يتلاشى كل يوم. فاللحظة التي يقرر فيها السوريون أنهم ليسوا ضحايا التاريخ بل صنّاعه، هي اللحظة التي ستبدأ فيها سوريا بالنهوض من جديد.