عبر بوابة دعم فصائل المقاومة الفلسطينية، حاول الرئيس السوري السابق حافظ الأسد مد نفوذه إلى دول الجوار، بدءاً بالأردن، عندما قدّم الدعم لجيش التحرير الفلسطيني العام 1970، لكن مع تغيّر الظروف الميدانية والسياسية، تحولت أنظاره نحو لبنان، الذي دخله عبر بوابة منع فصائل المقاومة الفلسطينية من السيطرة على البلاد، ما حول الفصائل الفلسطينية إلى ذريعة مزدوجة، ولفهم هذه التحولات لابد من الوقوف عند أبرز محطات التغيّر الإقليمي والسياسي التي مهّدت الطريق نحو لبنان.
بعد نكسة حزيران/يونيو في العام 1967، تحول الأردن إلى قاعدة عملياتية لقوى المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها «منظمة التحرير الفلسطينية»، التي تمكنت خلال فترة وجيزة من بناء حضور كبير في الأردن. وقد أشعل تنامي قوة المقاومة الفلسطينية في الأردن فتيل التوتر مع الملك حسين بن طلال، الذي بلغ ذروته بعد قيام «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» بتنفيذ خمس عمليات خطف لطائرات بين 1968 و1970، نجحت منها أربع عمليات، وجرى توجيه ثلاث طائرات مختطفة إلى الأردن، في سياق محاولة «الجبهة» الضغط لإجراء عمليات تبادل أسرى.
أيلول الأسود
لم يكن التدخل العسكري السوري في لبنان ليحصل لولا أحداث «أيلول الأسود» في الأردن، التي مهّدت الطريق أمام تغييرات جذرية في تركيبة لبنان بعد سنوات قليلة، أفرزت في النهاية هيمنة تدريجية لدمشق على الملف اللبناني، دامت سنوات طويلة.
تحول الأردن بعد هذه الوقائع إلى ساحة دامية، لتبدأ ما عُرف لاحقاً بـأحداث «أيلول الأسود»، إثر إطلاق الملك حسين حرباً ضد المنظمات الفلسطينية، التي بدأت تبحث عن مكان بديل لنشاطها، بعد أن فشلت محاولات «إنقاذها» بدعم سوري، بسبب جملة من العوامل أبرزها عدم وجود غطاء سياسي، إلى جانب صمود القوات الأردنية، الأمر الذي سيستفيد منه الأسد لاحقاً في التمهيد لدخول لبنان.
كان لبنان الساحة الأمثل للفصائل، لقربه من الأراضي المحتلة من جهة، ووجود أرضية مناسبة للعمل، في ظل وجود نازحين فلسطينيين وقوى شعبية لبنانية مؤيدة للمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، من جهة أخرى، ولا سيما مع وجود «أرضية قانونية» لهذا النشاط، أوجدها اتفاق القاهرة، الموقّع في العام 1969، بين قائد الجيش اللبناني وقتذاك إيميل البستاني ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، برعاية الرئيس المصري جمال عبد الناصر.
منح الاتفاق الفلسطينيين حق تنظيم شؤونهم في المخيمات الموجودة في لبنان، كما سمح للمنظمات الفلسطينية بتنفيذ عمليات فدائية ضد «إسرائيل» انطلاقاً من لبنان. وخلال فترة وجيزة، تنامت قوة الفصائل الفلسطينية هناك، وبدأت تتشكل تحالفات تسعى إلى إعادة هندسة السلطة اللبنانية القائمة على توازن طائفي دقيق.
«عملية فردان» وما بعدها
في 14 نيسان/أبريل 1973، نفذت قوة إسرائيلية خاصة عملية إنزال في قلب بيروت، عُرفت باسم «عملية فردان»، أسفرت عن اغتيال ثلاثة من أبرز قادة «منظمة التحرير الفلسطينية»: كمال عدوان، وكمال ناصر، وأبو يوسف النجار.
شكلت العملية صدمة كبيرة للبنان، وأظهرت هشاشة الوضع الأمني وعجز الدولة عن حماية العاصمة نفسها. وفي أعقاب العملية، تقدم رئيس الوزراء صائب سلام بطلب استقالة الحكومة، وطالب الجيش اللبناني بتنظيم الوجود الفلسطيني المسلح وتشديد الرقابة على تحركات الفصائل، بينما رفضت «منظمة التحرير الفلسطينية» أي إجراءات اعتبرتها تمس المكاسب التي حصلت عليها بموجب اتفاق القاهرة.
بلغ التوتر ذروته في أيار/مايو 1973، عندما اندلعت مواجهات عنيفة بين الجيش اللبناني والفصائل الفلسطينية في بيروت ومحيط بعض المخيمات، بعد محاولة الجيش فرض سلطته على مواقع فلسطينيّة.
استمرت الاشتباكات أياماً، استُخدمت خلالها الأسلحة الثقيلة، وأسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى من الطرفين ومن المدنيين، قبل أن يتدخل الرئيسان المصري أنور السادات والسوري حافظ الأسد، اللذان عملا على تثبيت اتفاق القاهرة للعام 1969، ما أسهم، بعد أقل من عامين، في اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، التي مثّلت بوابة التدخل العسكري السوري في لبنان.
الحرب الأهلية
مثّلت الحرب الأهلية اللبنانية البوابة المناسبة لتوسّع الدور السوري في لبنان، الذي كان حافظ الأسد ينظر إليه بوصفه «خاصرة رخوة» لسوريا. في البداية، كان الموقف السوري المعلن سياسياً، عبر الحديث عن دفع الأطراف المتحاربة إلى وقف القتال، لكن مع توسّع نفوذ «منظمة التحرير الفلسطينية» التي تحالفت مع «الحركة الوطنية اللبنانية» بقيادة كمال جنبلاط، بدأت بوادر التدخل العسكري السوري تتضح.
كان الأسد ينظر، وفق مراجع عديدة، إلى تنامي نفوذ «منظمة التحرير الفلسطينية» في لبنان بقلق شديد، فمن شأن هذا التوسع أن «يدفع إلى تدخل إسرائيلي أوسع في لبنان، كما أنه سيُخلّ بالتوازن، وقد ينقل الفوضى إلى سوريا».
لم يكن الموقف السوفياتي شديد الحماسة للتدخل السوري، إذ كانت موسكو وقتذاك حليفاً لكل من دمشق ومنظمة التحرير الفلسطينية، ما جعلها تتجنب الانحياز الكامل في صراعٍ بين طرفين مقرّبين
جاء التدخل السوري تحت طبقات عديدة من الستائر، من بينها دعوات من أطراف لبنانية، و«قوات الردع العربية» التي شُكّلت لاحقاً لدخول لبنان، بالإضافة إلى تأييد الولايات المتحدة الأميركية تدخلاً سورياً مضبوطاً، وهو أمر أبلغه العاهل الأردني الملك الحسين إلى الأسد، فضلاً عن رضا إسرائيلي عن «تأديب» «منظمة التحرير الفلسطينية» وزعيمها ياسر عرفات.
حصل التدخل السوري تحت عناوين عريضة، من بينها وقف الحرب الأهلية، ودعم السلطات الشرعية، وغيرها، لكنه حمل في طياته العديد من المشاريع السياسية والعسكرية التي عمل الأسد على هندستها، بما حوّل لبنان، فيما بعد، إلى حديقة خلفية صغيرة لسوريا.
انخرطت دمشق بدايةً عبر «لواء اليرموك» التابع لـ «جيش التحرير الفلسطيني» الخاضع للسيطرة السورية، الذي دخل المعارك في 18 كانون الثاني/ يناير من العام 1976، دعماً للقوات المتحالفة مع «الحركة الوطنية اللبنانيّة».
العنصر الحاسم والأبرز في تحوّل التدخل العسكري السوري إلى شكله العلني، كان سعي «الجبهة اللبنانية» إلى فرض واقع جديد في لبنان، يتضمن دعوات إلى تقسيمه، (كانت الجبهة عبارة عن تحالف أحزاب وشخصيات يمينية لبنانية، تأسس في 1976، في بداية الحرب الأهلية اللبنانية، لمواجهة «الحركة الوطنية اللبنانية» و«منظمة التحرير الفلسطينية»، وكان حزب «الكتائب» أحد أبرز مكونات الجبهة).
تحت غطاء توافق المصالح
وفّر استمرار تدهور الأوضاع الأمنية في لبنان، والتمهيد الذي قامت به دمشق عبر قوات حليفة لها، الأرضيةَ لتدخل عسكري مباشر ومعلن، لتعبر، في ليلة 31 أيار/ مايو – 1 حزيران/ يونيو من العام 1976، وحدات من الجيش السوري الحدود اللبنانية بشكل علني، مدعومة بالدبابات والمدفعية والآليات الثقيلة، وتبدأ أكبر عملية عسكرية سورية خارج حدودها.
خلال فترة وجيزة، سيطر الجيش السوري على مناطق عديدة، ففرض سيطرته على سهل البقاع، قبل أن يتقدم نحو جبل لبنان، والشوف، وصيدا، وشمال لبنان، ومحيط بيروت.
كان ثمة توافق غير مسبوق بين القوى ذات التأثير في الملف اللبناني على دعم دخول الجيش السوري، أو على أقل تقدير قبوله، لاعتبارات ومصالح مختلفة. فمن جهة الولايات المتحدة الأميركية و«إسرائيل»، كان هذا التدخل وسيلة مضمونة لانشغال دمشق عن جبهتها الجنوبية، ووقف تمدد القوى الفلسطينية في لبنان من دون أي تدخل عسكري مباشر. كما كان الحديث يدور عن تدخل عسكري مؤقت قد يستمر بضعة أسابيع فقط. وقبل الكيان بهذا التدخل ضمن شروط محددة، أبرزها عدم إدخال أسلحة ثقيلة «قد تشكل تهديداً لأمن إسرائيل»، وعدم تجاوز نهر الليطاني، بالإضافة إلى عدم استخدام سلاح الجو السوري.
لم يكن لإيران، التي كانت آنذاك تحت حكم الشاه، أي موقف يُذكر، بينما لم يكن الموقف السوفياتي شديد الحماسة لهذا التدخل، إذ كانت موسكو وقتذاك حليفاً لكل من سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية، ما جعلها تتجنب الانحياز الكامل في صراعٍ بين طرفين مقرّبين منها.
كان العراق، من أكثر الأطراف العربية تحفظاً على التدخل العسكري السوري في لبنان، ليس فقط بسبب خصومته المزمنة مع النظام السوري، بل أيضاً بسبب دعمه السياسي للفلسطينيين و«الحركة الوطنية اللبنانية». وفي هذا السياق، لم تكن بغداد جزءاً من قمة الرياض السداسية، التي منحت التدخل غطاءً عربياً أولياً (السعودية، ومصر، وسوريا، والكويت، ولبنان، و«منظمة التحرير الفلسطينية»).
أما فرنسا، فلم يكن لها أي دور فعلي في دعم التدخل السوري، غير أنها لم تعارضه، ودعمت، فيما بعد، القرار العربي بتشكيل «قوات الردع العربية»، وتعاملت معها بوصفها الوسيلة الأمثل لمنع تمزق لبنان.
وبموازاة ذلك، كان التوافق المصري–السعودي عاملاً حاسماً في شرعنة التدخل السوري، إذ رأت الرياض والقاهرة فيه وسيلة لمنع تفتت لبنان. وعبر القمة العربية السداسية في الرياض (16–18 تشرين الأول/ أكتوبر 1976)، ثم القمة العربية في القاهرة (25–26 تشرين الأول/ أكتوبر 1976)، رُسم الإطار العربي للتدخل من خلال إنشاء قوات الردع العربية. وضمّت هذه القوات حضوراً رمزياً من السعودية والسودان والإمارات واليمن، مقابل نحو 27 ألف جندي سوري، مع ربط تحركاتها بالتوافق مع الرئيس اللبناني إلياس سركيس. وبعد نحو عامين، بدأت القوات غير السورية بالانسحاب تباعاً، لتبقى القوات السورية وحدها، تحت قيادة لبنانية شكليّة.