× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

سوريا في لبنان: طور «الوصاية»

عقل بارد - أوراقنا 01-08-2026

منذ اللحظة الأولى لتدخل الجيش السوري في لبنان، بدا واضحاً حرص دمشق على عدم تغليب طرف على آخر، إذ سعت إلى الحفاظ على توازنات معينة تجعل جميع الأطراف في موقع الضعف، وتمنح السيطرة السورية مجالاً شبه مطلق.

كان وقف تمدد نفوذ الفصائل الفلسطينية أحد أبرز دوافع التدخل السوري، وتُوّج ذلك بحصار مخيم تل الزعتر في العام 1976، الذي نفذته قوى يمينية لبنانية، هي: حزب الكتائب بقيادة بيير الجميل، وميليشيا النمور التابعة لحزب الوطنيين الأحرار بزعامة كميل شمعون، وميليشيا جيش تحرير زغرتا بزعامة طوني فرنجية، وميليشيا حراس الأرز. تشير دراسات تاريخية إلى وجود دعم عسكري وسياسي سوري للقوى التي حاصرت مخيم تل الزعتر في العام 1976، شمل قصفاً مدفعياً ومساندة عملياتية في محيط المعركة. في المقابل، تختلف الروايات حول حجم وطبيعة المشاركة السورية المباشرة في عملية الاقتحام النهائية للمخيم، إذ تنسب غالبية المصادر مسؤولية الاقتحام إلى الميليشيات اللبنانية المنضوية ضمن الجبهة اللبنانية، مع استمرار الجدل حول مستوى التنسيق والدعم السوري للعملية.

انتهى الحصار باقتحام القوى اللبنانية للمخيم في آب/ أغسطس من العام 1976، وارتُكبت مجزرة راح ضحيتها أكثر من ألفي مدني، إضافة إلى آلاف الجرحى ومئات المفقودين.

إلى جانب تحجيم الحضور الفلسطيني في لبنان، وتقديم الدعم للقوى اليمينية المسيحية في بعض المناطق، عملت دمشق على بناء تحالفات مناطقية ساهمت في بسط سيطرتها المباشرة وغير المباشرة على لبنان. وفي هذا السياق، شكّلت حركة أمل حليفاً استراتيجياً لدمشق، انطلاقاً من وجودها في الجنوب اللبناني، الذي كان محظوراً على الجيش السوري دخوله، خصوصاً أن موسى الصدر، مؤسس الحركة، أبدى دعمه لدخول الجيش السوري إلى لبنان، قبل أن تتعزز هذه العلاقة بعد اختفاء الصدر والاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان في العام 1978.

ومع مرور الوقت، تراجعت قوة الفصائل الفلسطينية بشكل كبير، فيما أصبحت دمشق الحاكم الفعلي للبنان. وتحول ضباط الأمن والجيش السوري إلى مرجعية يلجأ إليها السياسيون اللبنانيون أملاً بالوصول إلى مناصب حكومية أو ضمان بقائهم فيها. وبموازاة ذلك، تمكنت دمشق عملياً من فرض وقف للأعمال القتالية بين الأطراف اللبنانية المتحاربة، وبسطت حالة من الهدوء على معظم الجبهات.

الاجتياح الإسرائيلي

حوّل الاجتياح الإسرائيلي للبنان سوريا من قوة مسيطرة على البلد إلى قوة وجدت نفسها أمام مواجهة مباشرة مع الكيان، خصوصاً بعدما ساهم الدور السوري في تقليص القوة الفلسطينية التي كانت، حتى وقت قريب، تمثّل عائقاً كبيراً أمام «إسرائيل». ولم يؤدِّ تقليص نفوذ الفلسطينيين إلى تجنيب لبنان الاعتداء الإسرائيلي فعلياً، وربما، في بعض المواقع، ساهم التدخل السوري وتقليص قوى المقاومة الفلسطينية في خلق ظروف أكثر ملاءمة لهذه الخطوة.

خاض الجيش السوري معارك عديدة ضد «إسرائيل»، سواء في البقاع وجبل الباروك، أو في السلطان يعقوب (بيادر العدس 10 و11 حزيران/ يونيو 1982)، حيث وقعت معركة عنيفة تمكن خلالها الجيش السوري من وقف تقدم القوات الإسرائيلية. استمرت المعركة نحو ست ساعات، وتمكنت القوات الإسرائيلية من الانسحاب تحت غطاء نيران مدفعية كثيفة، لكنها تكبدت خسائر في الدبابات والآليات، وفقدت عدداً من الجنود الذين أُسر بعضهم أو ظلوا في عداد المفقودين لسنوات. كذلك، استولى الجيش السوري عدداً من الدبابات الإسرائيلية التي تُركت في أرض المعركة، وفشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق هدفه بالسيطرة على منطقة السلطان يعقوب والوصول سريعاً إلى طريق بيروت–دمشق قبل سريان وقف إطلاق النار.

انتهى الاجتياح الإسرائيلي بتغيير جذري في المشهد اللبناني بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس، كما انتهى الغطاء العربي المتمثل بقوات الردع العربية مع عدم تجديد التفويض.

مهّد الاجتياح لظهور لاعب جديد في المشهد اللبناني هو «حزب الله»، الذي كانت ولادته نتيجة تداخل عوامل محلية وإقليمية، أبرزها الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982، وسقوط نظام الشاه في إيران التي تحولت إلى خصم معلن للكيان، وبدأت بدعم وتدريب قوى شيعية في لبنان، بتنسيق وقبول سوريين.

مع انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، تحولت دمشق إلى قبلة للسياسيين اللبنانيين، وتحول القرار السياسي والأمني اللبناني إلى قرار مرتبط بسوريا بشكل شبه مطلق

ورغم قبول حافظ الأسد الدور الإيراني الجديد في لبنان، وتوفير طرق إمداد له باعتباره «شريكاً ضد إسرائيل»، فضّل الأسد التعامل مع حركة أمل التي يعرفها جيداً، وحاول جاهداً منع تفرد إيران بهذا الملف، لدرجة وصلت في بعض المواقع إلى خوض مواجهات عسكرية مع «حزب الله»، أبرزها مواجهات ثكنة فتح الله في منطقة البسطة في بيروت في 25 شباط/ فبراير 1987، حيث قتل 23 عنصراً من «حزب الله». كما استمر التوتر اللاحق بين الأخير، وبين حركة أمل حتى العام 1990، في ما عُرف بـ «حرب الإخوة»، التي جسّدت صراعاً أعمق وغير مباشر بين دمشق التي دعمت حركة أمل، وإيران والحرس الثوري الذي دعم «حزب الله»، قبل أن تنتهي هذه المواجهات بتوافق سوري إيراني.

ساهم الدور الذي لعبته سوريا في لبنان، عبر منع أي طرف من تحقيق انتصار حاسم على الآخر، إلى جانب عوامل إقليمية ودولية أخرى، في تهيئة الظروف أمام اتفاق الطائف (22 تشرين الأول/ أكتوبر 1989، ثم مصادقة مجلس النواب اللبناني عليه في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1989)، الذي رعته السعودية بين أطراف الحرب الأهلية اللبنانية. قدّم الاتفاق إطاراً قانونياً جديداً للوجود العسكري السوري في لبنان، عبر بند نصّ على دور للقوات السورية في مساعدة السلطات اللبنانية على بسط سيطرتها، خلال مدة محددة أقصاها سنتان. غير أن إعادة الانتشار والانسحاب الكامل لم يحدثا ضمن المدة المحددة، واستمر الوجود العسكري والأمني السوري في لبنان حتى العام 2005.

مع انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، وفي ظل الوجود العسكري والأمني السوري، تحولت دمشق، أو من يمثلها من قادة عسكريين وأمنيين سوريين في لبنان، إلى قبلة للسياسيين اللبنانيين، وتحول القرار السياسي والأمني اللبناني إلى قرار مرتبط بسوريا بشكل شبه مطلق. وبعد انتهاء ولاية الرئيس اللبناني أمين الجميل في أيلول/سبتمبر 1988 من دون انتخاب خلف له، عيّن قائد الجيش العماد ميشال عون رئيساً لحكومة عسكرية انتقالية. في المقابل، بقيت حكومة سليم الحص تمارس أعمالها في بيروت الغربية بدعم سوري، فأصبح للبنان حكومتان متنافستان.

وفي 14 آذار/ مارس 1989، أعلن عون «حرب التحرير» بهدف إخراج القوات السورية من لبنان، معتبراً أن أي تسوية سياسية لا يمكن أن تسبق الانسحاب السوري. وردّت القوات السورية بقصف عنيف استهدف القصر الجمهوري في بعبدا ووزارة الدفاع في اليرزة ومناطق واسعة من شرق بيروت والمتن وكسروان. وبموازاة ذلك، اندلع صراع دموي بين الجيش اللبناني بقيادة عون والقوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع.

في هذه الأثناء، انضمت سوريا بقيادة حافظ الأسد إلى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لتحرير الكويت بعد غزو صدام حسين لها، الأمر الذي أدى إلى تقارب غير مسبوق بين دمشق وواشنطن، وأتاح للأسد هامشاً أوسع لإنهاء تمرد عون بالقوة. فقصف الطيران الحربي السوري في تشرين الأول/ أكتوبر 1990 مواقع الجيش اللبناني في بعبدا واليرزة، تبعه تقدم بري نحو بعبدا، ما دفع عون إلى اللجوء إلى السفارة الفرنسية في الحازمية، وأصدر بياناً أعلن فيه وقف إطلاق النار. بقي عون نحو عشرة أشهر في السفارة الفرنسية قبل نقله إلى فرنسا في آب/ أغسطس 1991. ومثّل إنهاء تمرد عون الفصل الأخير في مسار بسط السيطرة السورية على لبنان.

التدخل_السوري_في_لبنان العلاقات_السورية_اللبنانية

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0