× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

التدخل السوري في لبنان: طور التراجع والانحسار

عقل بارد - أوراقنا 01-08-2026

شكّل العام 2000 نقطة محورية في الوجود السوري بلبنان والمزاج العام العالمي والمحلي، إذ بدأت تظهر في هذا العام معالم بدء تفكيك القبضة السورية. مجموعة من العوامل لعبت دوراً في انقلاب المواقف على سوريا، أبرزها وفاة حافظ الأسد، والانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، الأمر الذي أفرغ الوجود السوري من ذريعته

غيّرت وفاة الابن الأكبر لحافظ الأسد، باسل، ترتيبات الأسد الأب لخلافته في السلطة. فبعد أن كان يعدّ العدة لتوريث باسل، انتقل مشروع الخلافة إلى بشار الأسد.

وفي هذا السياق، سحب حافظ الأسد، قبل وفاته بعامين، الإشراف على الملف اللبناني من نائبه عبد الحليم خدّام وعهد به إلى ابنه بشار، الذي تولّى إدارة هذا الملف فيما اعتُبر تدريباً على الحكم، قبل أن يتسلّم السلطة العام 2000 عبر إجراءات صورية عاجلة، شملت ترفيعه من رتبة عقيد إلى فريق، وتعديل الدستور لخفض السن المطلوبة لرئاسة الجمهورية بما يتناسب مع عمره. وكانت المادة 83 من الدستور السوري تنص على ألا يقل عمر رئيس الجمهورية عن أربعين عاماً، في حين كان بشار الأسد يبلغ الرابعة والثلاثين فقط (مواليد 11 أيلول/سبتمبر 1965). لذلك اجتمع مجلس الشعب في 10 حزيران 2000 في جلسة استثنائية، وصوّت بالإجماع على تعديل المادة 83، ليصبح الحد الأدنى لعمر رئيس الجمهورية 34 عاماً بدلاً من 40 عاماً. وتسلّم بشار الأسد السلطة رسمياً في 17 تموز/يوليو 2000.

لا مجال للبقاء

مع وصول الأسد الابن إلى السلطة، شهدت الساحتان الإقليمية والدولية متغيرات عدة أسهمت في زيادة الضغوط على الوجود السوري في لبنان. بدأت هذه المتغيرات مع هجمات أيلول/سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، التي انتهزتها إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش لإعلان ما عُرف بـ «محور الشر». وفي خطابه أمام الكونغرس في 29 كانون الثاني/يونيو 2002، ذكر بوش أن المحور يضم العراق وإيران وكوريا الشماليّة.

لاحقاً، وفي 6 أيار/مايو 2002، ألقى جون بولتون، الذي كان يشغل منصب وكيل وزارة الخارجية الأميركية لشؤون الحد من التسلح والأمن الدولي، خطاباً بعنوان «ما وراء محور الشر»، أضاف فيه دولاً أخرى بينها سوريا وليبيا وكوبا، باعتبارها دولاً مرتبطة، وفق الرؤية الأميركية آنذاك، بتهديدات تتعلق بأسلحة الدمار الشامل ودعم الإرهاب، وذلك بسبب علاقة سوريا بإيران من جهة، ودعمها فصائل تصنفها واشنطن إرهابية من جهة أخرى، في إشارة إلى «حزب الله» في لبنان وحركات المقاومة الفلسطينية، ومنها حركة حماس.

بموازاة ذلك، أسهم السلوك العسكري والأمني السوري في لبنان في زيادة الأصوات المطالبة بخروج الجيش السوري، وسط اتهامات لعناصر وضباط سوريين بتنفيذ عمليات نهب واعتقال وتغييب قسري بحق شخصيات لبنانية على نطاق واسع.

منعطف غزو العراق

شكّل الغزو الأميركي للعراق في العام 2003 محطة مفصلية في تغيير شكل المنطقة. وكان بشار الأسد معارضاً لهذا الغزو، كما اتُّهمت دمشق بتسهيل انتقال مقاتلين جهاديين إلى العراق بصورة غير مباشرة للمشاركة في مواجهة الاحتلال الأميركي.

وفي نيسان/أبريل من العام نفسه، زار وزير الخارجية الأميركي كولن باول دمشق حاملاً مطالب أميركية، أبرزها وقف دعم «حزب الله»، وضبط الحدود مع العراق ومنع استمرار تدفق المقاتلين، والتعاون الكامل مع واشنطن. وقد ردّ بشار بنفي دعم إرسال مقاتلين إلى العراق، مشيراً إلى عدم قدرة بلاده على ضبط الحدود، مع تمسّكه بالعلاقة مع الفصائل الفلسطينية و«حزب الله».

في كانون الأول من العام ذاته، أصدر الرئيس الأميركي جورج بوش «قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان»، رابطاً بين الملفين العراقي واللبناني. وتضمّن القانون أربعة مطالب رئيسية: انسحاب القوات السورية من لبنان، ووقف دعم حزب الله والفصائل الفلسطينية، ووقف تطوير أسلحة الدمار الشامل، ومنع انتقال المقاتلين إلى العراق.

منح القانون الرئيس الأميركي صلاحية اختيار العقوبات التي يراها مناسبة، وفي أيار/مايو من العام 2004 أصدر بوش أمراً تنفيذياً تضمّن مجموعة من العقوبات، أبرزها حظر تصدير معظم السلع الأميركية إلى سوريا، باستثناء الغذاء والدواء وبعض المواد الإنسانية، ومنع الطائرات السورية، ولا سيما طائرات الخطوط الجوية السورية، من الإقلاع أو الهبوط في الولايات المتحدة إلا بموجب إذن خاص، إضافة إلى تجميد أصول أشخاص أو كيانات سورية تحددها الإدارة الأميركية، وفرض قيود مالية ومصرفية على الجهات المدرجة على قوائم العقوبات.

1559..

حافظت فرنسا، التي كان يرأسها جاك شيراك، على علاقة جيدة نسبياً مع بشار الأسد، بالتوازي مع العلاقات الوطيدة بين شيراك ورئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، الذي كانت تربطه ببشار الأسد، حينها، علاقة غير سيئة. غير أن هذه العلاقة بدأت بالتوتر في العام 2004، بعد انضمام باريس إلى الموقف الأميركي، الأمر الذي ساهم في إصدار مجلس الأمن القرار 1559 في 2 أيلول/ سبتمبر 2004، بدعم من باريس وواشنطن، والذي نص على انسحاب جميع القوات الأجنبية من لبنان، وحل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، وبسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، وإجراء انتخابات رئاسيّة.

ألبس الدور الجديد لسوريا باعتبارها «داعمة للمقاومة» بشار الأسد صورةً جديدة في المنطقة، فحاول استثمار الدور خلال حرب غزة 2008، وفتح أبواب سوريا أمام حركة حماس

لم يستجب بشار الأسد للقرار، واستمر بالضغط لتمديد ولاية الرئيس اللبناني إميل لحود ثلاث سنوات إضافية، وهو ما رفضه رفيق الحريري وقوى سياسية لبنانية أخرى.

استقال رفيق الحريري من رئاسة الحكومة في 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2004، بعد أزمة التمديد لإميل لحود، قبل أن يضيف اغتياله في شباط/ فبراير 2005 طبقة جديدة وغير مسبوقة من الضغوط على الوجود العسكري السوري في لبنان، في ظل اتهامات وجهت إلى دمشق و«حزب الله» بالوقوف وراء الاغتيال.

بعد اغتيال الحريري بنحو أسبوعين، أعلن بشار الأسد أمام مجلس الشعب، في آذار من العام 2005، بدء سحب الجيش السوري من لبنان. وأعاد سبب الانسحاب إلى تطبيق اتفاق الطائف، متجاهلاً، تداعيات قرار مجلس الأمن واغتيال الحريري.

في نيسان/أبريل من العام نفسه، خرج آخر جندي سوري من لبنان، غير أن التأثير السوري بقي مستمراً عبر العلاقات الوطيدة التي ربطت دمشق بقوى لبنانية مؤثرة، أبرزها حركة أمل وحزب الله، إضافة إلى أحزاب وقوى أخرى. في المقابل، اتخذت القوى المسيحية اليمينية موقفاً عدائياً معلناً تجاه دمشق.

هنا تظهر مفارقة أساسية في مسار الوجود السوري في لبنان، إذ بدأ التدخل العسكري بذريعة حماية هذه القوى ووقف انهيارها أمام تقدم الفصائل الفلسطينية، بينما ساهم اتهام دمشق بالوقوف وراء اغتيال الحريري في انقلاب واسع في موقف البيئة السنية اللبنانية، التي كانت من أشد المرحبين بالتدخل السوري في بداياته. وأدى ذلك إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي اللبناني، في ظل تداخل عوامل وتوازنات إقليمية ودولية دفعت إلى تراجع السطوة السورية وتحولها إلى عنصر من عناصر هذا التوازن.

حرب تموز وعودة السطوة

ساهمت حرب تموز في لبنان باستعادة سوريا جزءاً من سطوتها على المشهد اللبناني، في ظل الصعود الكبير لنفوذ «حزب الله»، حليف الأسد. ورغم عودة السطوة السورية، التي ظهرت باعتبارها «داعمة للمقاومة»، فإن هذه السطوة مثّلت، في حقيقة الأمر جسراً للسطوة الإيرانية التي تزايدت بشكل كبير في المنطقة، خصوصاً بعد الشقاق السوري – السعودي.

ألبس الدور الجديد لسوريا باعتبارها «داعمة للمقاومة» بشار الأسد صورةً جديدة في المنطقة، فحاول استثمار هذا الدور بشكل أوسع خلال حرب غزة في العام 2008، وفتح أبواب سوريا أمام حركة حماس، الأمر الذي زاد من تعقيدات المنطقة، ومهّد الأرض لتمدد إيراني أوسع عبر البوابة السورية التي أظهرت السنوات اللاحقة هشاشتها.

لبنان في الساحة السورية.. ومساعي ترامب

مع اندلاع الثورة السورية في العام 2011، تبدلت الأدوار بشكل كبير، إذ دخل «حزب الله» الساحة السورية لمساندة الأسد بذَرائع مختلفة، بينها «حماية طريق إمداد المقاومة» و«مساندة الحليف».

ومع توسّع الدور الإيراني ودور الحزب في الحرب السورية، تحولت الأحداث إلى ما يشبه الحرب الطائفية، تبعاً للخلفية المذهبية لإيران والحزب من جهة، والفصائل المعارضة للأسد من جهة أخرى. وثقت تقارير حقوقية وإعلامية تورط حزب الله وإيران والجيش السوري بارتكاب انتهاكات واسعة في سوريا، وفي مراحل عديدة، بدا الأسد تابعاً لطهران، قبل أن يحاول الابتعاد عنها بعد اعتقاده بتحقيق الانتصار في الحرب، عقب سيطرته على حلب في نهاية العام 2016 وما بعدها.

مع اندلاع أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 في غزة، دخلت المنطقة سلسلة من التطورات المتسارعة مهّدت الطريق أمام الفصائل المعارضة التي استفادت من التحولات الإقليمية والمحلية، ومن انهيار الجيش السوري وتراجع دور الميليشيات التي كانت تساند نظام الأسد، لتتمكن من إسقاط النظام في نهاية العام 2024.

شكّل ذلك مرحلة جديدة مختلفة جذرياً في سوريا، التي أصبحت تحت سيطرة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، وانضمت إلى الحلف الأميركي، الأمر الذي انعكس على العلاقات مع لبنان أيضاً، بعد توجه بعض القوى المسيحية اليمينية وبعض القوى السنية نحو دمشق. وفي هذا السياق، يريد دونالد ترامب إقحام سوريا مجدداً في لبنان لمواجهة حزب الله وسحب سلاحه بالقوة.

التدخل_السوري_في_لبنان العلاقات_السورية_اللبنانية

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0