× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

هل يكرر أحمد الشرع خطأ حافظ الأسد في لبنان؟

عقل بارد - على الطاولة 01-08-2026

بعد نحو خمسين عاماً، يعود لبنان مجدداً إلى صدارة الحسابات الإقليمية، لكن في بيئة مختلفة تماماً. فمع تراجع قدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها، وتزايد الضغوط على «حزب الله»، تتردد تقديرات تفيد بأن الولايات المتحدة وبعض الدول العربية تفضل أن تضطلع دمشق بدور أكبر في ضبط الحدود وإعادة ترتيب المشهد الأمني اللبناني. ولا تبدو هذه الدول راغبة في الانخراط العسكري المباشر، لكنها تبحث عن جهة قادرة على تقليص نفوذ إيران وحلفائها.

منذ اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام1975، لم يكن لبنان بالنسبة إلى سوريا مجرد دولة مجاورة، بل شكّل إحدى أهم ساحات نفوذها الإقليمي. ومن هذا المنطلق، اتخذ الرئيس السوري آنذاك حافظ الأسد قرار إدخال الجيش السوري إلى لبنان في حزيران/ يونيو 1976، مستنداً إلى اعتبارات أمنية وإقليمية ودولية معقدة.

بحلول العام 1976، كان حافظ الأسد قد رسّخ أركان حكمه إلى حد كبير، إلا أن اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية فرض تحدياً أمنياً وإقليمياً جديداً. وسرعان ما انخرط في لبنان، تحت شعار «منع انتقال الفوضى إلى سوريا»، وبغاية الحفاظ على لبنان بوصفه عمقاً استراتيجياً لدمشق، والحد من استقلالية منظمة التحرير الفلسطينية خشية أن تتحول إلى قوة إقليمية تمتلك قراراً سياسياً وعسكرياً مستقلاً، بما يحد من النفوذ السوري ويعيد تشكيل موازين القوى.

وفي السياق ذاته، عمل على تكريس سوريا لاعباً رئيساً في أي تسوية تخص لبنان أو الصراع العربي الإسرائيلي، وإعادة رسم التوازنات اللبنانية بما يعزز نفوذ حلفائه ويضعف خصومه.

على المستوى الدولي، قدم النظام السوري نفسه للولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية بوصفه الطرف الأكثر قدرة على احتواء الفوضى اللبنانية. ولم يواجه دخول الجيش السوري اعتراضاً أميركياً مباشراً، بل حظي بقدر من القبول، بعدما رأت واشنطن فيه وسيلة للحد من احتمال انتصار الحركة الوطنية اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات.

لكن ما بدأ تدخلاً محدوداً تحول تدريجياً إلى وجود عسكري وسياسي استمر قرابة ثلاثة عقود، وانتهى بنتائج اختلفت كثيراً عن الأهداف المعلنة. ففي لبنان، عزز الوجود السوري الوصاية على القرار السياسي، وأضعف مؤسسات الدولة، وربط جانباً كبيراً من الحياة السياسية بالحسابات الأمنية لدمشق. كما تركت ممارسات بعض الأجهزة الأمنية والقوات السورية، من اعتقالات تعسّفيّة وابتزاز وإذلال، أثراً عميقاً في الذاكرة اللبنانية، وألحقت ضرراً كبيراً بصورة السوريين والعلاقة بين الشعبين.

أما سوريا، فدفعت هي الأخرى ثمناً باهظاً. فقد استنزف الملف اللبناني موارد الدولة، وربط مستقبل النظام بتطورات الساحة اللبنانية، قبل أن ينتهي ذلك بانسحاب القوات السورية في العام 2005 تحت ضغط داخلي ودولي، ليتحول ما اعتُبر يوماً إحدى أبرز أدوات النفوذ السوري إلى عبء سياسي واستراتيجي.

بعد نحو خمسين عاماً، يعود لبنان مجدداً إلى صدارة الحسابات الإقليمية، لكن في بيئة مختلفة تماماً. فمع تراجع قدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها، وتزايد الضغوط على «حزب الله»، تتردد تقديرات تفيد بأن الولايات المتحدة وبعض الدول العربية تفضل أن تضطلع دمشق بدور أكبر في ضبط الحدود وإعادة ترتيب المشهد الأمني اللبناني. ولا تبدو هذه الدول راغبة في الانخراط العسكري المباشر، لكنها تبحث عن جهة قادرة على تقليص نفوذ إيران وحلفائها.

السؤال الحقيقي، مع ذلك، ليس ما إذا كانت تلك الدول ترغب في دور سوري، بل ما إذا كان الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع يملك القدرة والمصلحة والرغبة في خوض تجربة مشابهة لما فعله حافظ الأسد.

حتى الآن، تبدو المعطيات بعيدة عن هذا الاحتمال. فسوريا ما تزال منهمكة في إعادة بناء مؤسساتها بعد سنوات الحرب، ويواجه اقتصادها تحديات كبيرة، فيما لا يزال جيشها في مرحلة إعادة التنظيم. وإضافة إلى ذلك، فإن أي تدخل عسكري مباشر في لبنان قد يفتح مواجهة مع إيران أو الفصائل العراقية الموالية لها، وربما يثير أيضاً تحفظات تركية، ترى أن الأولوية يجب أن تبقى لاستقرار الداخل السوري.

السؤال الحقيقي، ليس عن الرغبة الدولية بدور سوري في لبنان، بل عما إذا كان أحمد الشرع يملك القدرة والمصلحة والرغبة في خوض تجربة مشابهة لما فعله حافظ الأسد

لكن غياب التدخل العسكري لا يعني غياب النفوذ بالضرورة. فالسياسة في الشرق الأوسط لا تُدار دائماً عبر الجيوش النظامية، بل كثيراً ما تعتمد على أدوات أمنية واستخباراتية، أو على قوى محلية تتحرك بصورة غير مباشرة. وفي هذا السياق، يبرز احتمالٌ آخر يتمثل في أن تتغاضى دمشق عن انتقال بعض الجماعات المتشددة التي لا تتبع رسميّاً الجيش السوري الجديد، إلى لبنان لمواجهة «حزب الله». من الناحية النظرية، قد يحقق ذلك أكثر من مكسب في آن واحد، إذ يخفف العبء الأمني داخل سوريا، ويستنزف «حزب الله»، ويمنح دمشق فرصة لتقديم نفسها شريكاً في مواجهة التهديدات الأمنية، مع احتفاظ دمشق بإمكانية التنصل من المسؤولية المباشرة، باعتبار أن تلك الجماعات لا تتحرك بأوامر رسمية من الدولة.

إلا أن مثل هذا السيناريو، إذا تحقق، قد لا يكون أقل خطورة من التدخل العسكري المباشر. فمن شأنه أن يفتح الباب أمام موجة جديدة من العنف في لبنان، وأن ترتد تداعياته على سوريا، فضلاً عن احتمال رد إيراني، أو من الفصائل العراقية الموالية لها، عبر تصعيد مضاد، باعتبار أي استهداف لحزب الله مساساً بمصالحها الإقليميّة.

ولا يقتصر التعقيد على احتمال رد إيران أو حلفائها، بل يشمل أيضاً الحسابات الإسرائيلية. فمن ناحية، قد ترى «إسرائيل» أن أي دور سوري يفضي إلى إضعاف حزب الله يخدم أحد أهدافها الأمنية. غير أن هذه المكاسب قد تقابلها مخاوف من اتساع النفوذ التركي في لبنان، فدمشق تُعد حليفاً أساسياَ لأنقرة، التي باتت في سباق نفوذ متزايد مع «إسرائيل» في سوريا بعد سقوط نظام الأسد وتراجع الدور الإيراني. ومن هذا المنظور، قد تجد «إسرائيل» نفسها أمام معادلة معقدة، إضعاف خصمها التقليدي في لبنان مقابل احتمال صعود نفوذ إقليمي آخر لا تنظر إليه بارتياح، وهو ما قد يجعلها أقل حماسة لأي تمدد سوري يتجاوز حدود التنسيق الأمني المحدود.

يبقى الفارق الأساسي بين العامين 1976 و2026 هو اختلاف موازين القوى. فقد دخل حافظ الأسد لبنان وهو يقود دولة مستقرة نسبياً، وجيشاً من أكبر الجيوش العربية، ويتمتع بدعم سوفييتي، وبقدر من القبول الأميركي، ونفوذ إقليمي واسع. أما أحمد الشرع، فيقود دولة ما تزال في طور إعادة البناء، وجيشاً يُعاد تشكيله، واقتصاداً يرزح تحت أعباء ثقيلة، ما يجعل أي تدخل عسكري مباشر في لبنان خياراً بالغ الكلفة.

لذلك، لا ينبغي أن تقوم المقارنة بين الرجلين على تشابه الجغرافيا أو التحديات الأمنية وحدها، بل على اختلاف البيئة الإقليمية وموازين القوى. فتحرك حافظ الأسد في مرحلة كانت تسمح لسوريا بالسعي إلى الهيمنة على لبنان، بينما يجد أحمد الشرع نفسه أمام أولويات داخلية تجعل تثبيت الاستقرار داخل سوريا مقدمة لأي دور خارجي. لذلك، يبدو تكرار تجربة العام 1976، في الظروف الحالية، احتمالاً بعيداً أكثر منه خياراً واقعياً، حتى لو بقي لبنان جزءاً من الحسابات الأمنية والسياسية لدمشق.

التدخل_السوري_في_لبنان العلاقات_السورية_اللبنانية

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0