× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

جرمانا 29 نيسان 2025 - امرأة وأطفالها يمرّون أمام مقاتلين موالين لدمشق عقب اشتباكات طائفية ليلاً © Getty Images

جرمانا تُصارع الخوف والتحريض: الحياة على قشرة هشة

حكاياتنا - خبز 15-08-2026

لم يكد غبار الانفجار الذي استهدف حافلة الركاب في جرمانا خلال آب الجاري ينجلي، حتى عادت الحركة إلى شوارعها المزدحمة بابتسامةٍ حذرة. هدوءٌ ظاهري تُتقنه المدينة، لكنه يُخفي تحته تراكماتٍ من الخوف الشديد، وشحن الجوار، والتجاذبات الأمنية والطائفية. بين محاولات التشبث بالسلام الأهلي وتصاعد التحريض الرقمي، تجد جرمانا نفسها مجدداً أمام امتحان النجاة من الانزلاق نحو صراعٍ أكثر تعقيداً

كان نهار 6 آب/أغسطس قد شارف على الانتهاء حين سمعت نور بخبر التفجير. ورغم أنها صحافية، لم تفكّر وقتذاك سوى بمصير زوجها الذي كان خارج المنزل. وبعد أن تمكنت من التواصل معه واطمأنت أنه بخير، التفتت إلى فهم تفاصيل ما جرى، لتتبيّن أن عبوة ناسفة قد انفجرت داخل حافلة ركاب، في مدينة جرمانا بريف دمشق، ما أسفر عن وقوع 14 إصابة، بينها حالات حرجة بحسب مصادر رسمية.

لم تتعامل نور مع الواقعة على أنها حادثة أمنية عابرة، إذ ارتفع منسوب الحذر والخوف لديها، وقررت في الأيام التالية ألا تمشي كثيراً في الشوارع وألا تقترب من التجمعات البشرية، لأن الهدوء في جرمانا «نسبي»، كما تصفه.

لكنّ ذلك لم يغيّر فكرة السيدة عن المدينة التي زُفّت إليها عروساً قبل نحو عام، ما زالت تراها «مكاناً جميلاً، فيه تماسك مجتمعي وحالة من السلام والتعايش تجعل الشخص مطمئناً». 

لا تنام جرمانا باكراً، وهي منذ عقود مركز تجاريّ مهم على مشارف العاصمة، تتشابك فيه مصالح السكان. محالها مفتوحة، شوارعها مزدحمة، والناس يتحركون فيها حتى وقت متأخر، تستطيع أن تعيش فيها من دون أن تشعر أن أحداً يراقب ملابسها أو يسألها عن خياراتها، غير أن هذا الهدوء كثيراً ما اخترقته خضّاتٌ تختبر قدرة المدينة على النجاة من الانزلاق نحو واقع أكثر تعقيداً وخوفاً.

الجمر تحت الرماد

مخاوف نور يختصرها ربيع منذر، الناشط المدني وعضو مجموعة العمل الأهلي في جرمانا، بعبارة: «جمرٌ تحت الرماد».

يرى ربيع أن الاستقرار الحالي هشّ لدرجة أن إشاعة أمنية بسيطة كفيلة بإعادة التوتر إلى الشوارع. ويربط هذا القلق التراكمي في أوساط السكان - ولا سيما الدروز منهم - بغياب إجراءات جادّة لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات التي لحقت أقاربهم وأهلهم في السويداء إبّان مجازر تموز/يوليو 2025، أو جبر ضرر الضحايا. كما يرى أن التعاطي مع المدينة بمنطق الإملاءات والتوازنات الضيقة قد يدفع نحو تصادمات داخلية حول إدارة المدينة وأمنها، وهذا سيزيد من عوامل التوتر التي تراكمت خلال الأشهر الماضية، وتبدّت بوضوح في الذكرى السنوية الأولى لأحداث السويداء.

يوضح منذر أن تداعيات ذلك ظهرت جلياً حين خرجت هتافات ومواقف سياسية من بعض الشبان في مجلس عزاء بالمدينة، وهاجموا لفظيّاً الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، وأعلنوا تأييدهم للشيخ حكمت الهجري، ما دفع السلطة إلى اشتراط تسليمهم والتبرؤ منهم مقابل عدم اقتحام المدينة بالقوة. هذا الأمر – وفق ربيع – جاء بطريقة لم تكن مقبولة لدى رجال الدين والوجهاء، حتى لو لم يكونوا موافقين على ما صدر عن الشبان.

ورغم أن المرجعيات الدينية والأهلية أصدرت لاحقاً قراراً بالحرم الاجتماعي والديني على الخارجيين عن القرار الجمعي، فإن الهدف الأساسي - بحسب ربيع - كان درء الفتنة وحماية جرمانا من مواجهة أمنية وشيكة، وليس معاقبة من يعارض السلطات.

ما يزيد الخوف تعقيداً، برأي نور، هو خطاب الكراهية والتحريض الطائفي عبر شبكات التواصل الاجتماعي، فهو كفيل بتحويل أي حادث فردي إلى وقود إضافي للتوتر، فضلاً عن النظرة النمطية والصور التعميمية الجارحة التي أضحت تلاحق سكان المدينة ونساءها.

خضّةٌ تلو الأخرى

لم يكن تفجير الحافلة إلا حلقة في سلسلة من الخضّات الأمنية والسياسية التي عاشتها جرمانا منذ سقوط نظام الأسد، في كانون الأول/ديسمبر 2024.

أول اختبار دموي عرفته المدينة كان في آذار/مارس 2025، حين اندلعت صدامات بسبب الخلاف حول السلاح والجهة التي تتولى حفظ الأمن، سقط قتلى وجرحى وأغلقت مداخل المدينة، وانكشفت هشاشة التفاهمات بين السلطة الجديدة والمجموعات المحلية المسلحة. وفي نيسان/أبريل، فاقم تسجيلٌ صوتي مفبرك من الاحتقان الطائفي، واندلعت موجة عنف شملت صحنايا وأشرفية صحنايا وجرمانا، وسقط خلالها قتلى وجرحى، قبل أن تهدأ الأزمة عبر مفاوضات أفضت إلى «اتفاق أيار بين السلطة ووجهاء المجتمع المحلي، ودخول قوات الأمن العام، وبدء ترتيبات أمنية جديدة. 

لكن الهدوء ظلّ هشاً، وتجددت الاشتباكات إثر مواجهة بين قوات الأمن العام ومجموعة اتهمتها السلطات بالارتباط بالجريمة المنظمة وتجارة المخدرات، لتنتقل المشكلة من الاحتقان الطائفي إلى قضية السلاح الذي بقي خارج السيطرة سواء في جرمانا أو في يد جيرانها الجاهزين دائماً لـ «الفزعة» وما تحمله هذه الكلمة من دلالات سوداء.

جرمانا: تحولات الجغرافيا والمجتمع

التسمية والنشأة: تُرجع مصادر تاريخية تسمية «جرمانا» إلى أصول آرامية تعني «الرمّان» أو «الأرض الخصبة»، إذ عُرفت تاريخياً بكونها واحدة من قرى الغوطة الشرقية الخضراء الغنية بآبارها وبساتينها القريبة من دمشق.

التحول الديموغرافي: شهدت المدينة تحولاً دراماتيكياً من بلدة صغيرة يغلب عليها المكونان الدرزي والمسيحي إلى تجمع سكاني ضخم، استقبلت موجات لجوء متتالية (فلسطينيون بعد 1948، وعراقيون بعد عام2003، ولبنانيون في2006)، فضلاً عن نازحين سوريين من مختلف المحافظات خلال سنوات الحرب، مما جعلها نموذجاً مكثفاً للتعدد والتنوع.

الضغط العمراني والخدمي: أدى هذا النزوح المتصاعد إلى حركة بناء عشوائي غير مسبوقة التهمت معظم الأراضي الزراعية والبساتين، وشكلت ضغطاً هائلاً على الشبكات الخدمية والبنية التحتية (كالكهرباء والماء والمجاري والطرقات) التي صُممت أساساً لبلدة صغيرة، ما انعكس على جودة الحياة اليومية للسكان.

مركز حيوي واقتصادي: رغم التحديات الخدمية والأمنية، باتت جرمانا من أكثر مناطق ريف دمشق نشاطاً وحيوية، وتمتاز بنشاط أسواقها التجارية التي تخدم حزاماً سكانياً واسعاً، وبحركة شوارعها التي لا تهدأ حتى ساعات متأخرة من الليل.

مع اندلاع أحداث السويداء في تموز/يوليو2025، وجدت جرمانا نفسها في قلب المشهد بحكم الروابط الاجتماعية والعمق الهوياتي، ومنذ ذلك الوقت راوحت الأوضاع بين التصعيد والهدوء القلق، واندلعت أحدث موجات التصعيد قبل أسابيع، مع الاعتداء على الناشط المقرّب من السلطة رائد الصادق.

بالنسبة لربيع منذر، فإن الخطورة لا تكمن في الحادثة ذاتها، بل في الشحن الإعلامي الذي يضخّم الأحداث ويوحي بأن جرمانا في خصومة مع محيطها. يقول منذر: «تتغير السلطات ويبقى الجيران، وأي خطاب يحول الجوار إلى خصوم هو الخطر الحقيقي على استقرار المدينة».

مدينةٌ لا تشبه نفسها

اشترى بشار (56 عاماً)، وهو أب لشابين، منزله في جرمانا قبل أكثر من ربع قرن. حينها، كانت المدينة ملاذاً هادئاً لبناء حياة مستقرة، لكنها اليوم - كما يقول - لم تعد تشبه نفسها.

يعزو بشار هذا التحول إلى التغيرات الجسيمة التي شهدتها المدينة منذ العام 2011، فضلاً عن عشوائية التوسع العمراني الذي التهم مساحاتها الخضراء. يضاف إلى ذلك تراجع الخدمات الأساسية، إذ تتراكم النفايات في الشوارع لأيام قبل أن تنقلها الجرافات، بالتوازي مع تردٍّ لواقع مياه الشرب وحالة الطرقات الرئيسية والفرعية.

يرى الرجل أن هذا التراجع الخَدَمي - الذي تفاقم عقب اضطراب الوضع الأمني في 2025 - يتجاوز حدود المعاناة اليومية، فحين تتراكم القمامة وتغيب الصيانة، يتحول الإهمال إلى شعور متجذر لدى السكان بأن مدينتهم تُركت لمصيرها. 

غير أن الأخطر بالنسبة له يبقى الخوف المكتوم الذي كَبُرَ بعد أحداث نيسان/أبريل 2025، خوفٌ من أن تتحول أي شرارة صغيرة إلى مواجهةٍ مفاجئة تجعل السكان عالقين داخلها دون أمل في معرفة كيف ستنتهي الأمور.

ذاكرة الملاذ المتعدّد

لم تكن جرمانا يوماً مجرد امتدادٍ عمراني للعاصمة، بل كانت ملتقىً للهويات، أرضاً خضراء احتضنت السوريين والفلسطينيين والعراقيين واللبنانيين من مختلف الطوائف والمكونات. غير أن التحولات كانت ثقيلة خلال الأعوام الأخيرة، لم تعد المدينة تكتفي بمحاولة التكيف مع ما تشهده البلاد من أحداث، صارت شوارعها مسرحاً للحدث، لتتزايد الأسئلة المصيرية حول حاضرها ومستقبلها.

بعد التفجير الأخير، أعادت المحال فتح أبوابها، واستأنف الناس الحركة في الشوارع كما يفعلون بعد كل أزمة. غير أن نور وبشار وربيع يدركون تماماً أن عودة الحركة لا تعني انتهاء الخوف، وأن هذا الهدوء الظاهري ليس إلا هدوءاً هشاً يحتاج - أكثر من أي وقت مضى - إلى ما يحميه.

تفجير_جرمانا أحداث_جرمانا مجازر_السويداء

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0