× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

مصدر الصورة: وكالة سانا

هل يشكل «الورق الفرنسي» طوق نجاة لمزارعي الساحل السوري؟

حكاياتنا - خبز 25-08-2026

من حقول صغار المزارعين إلى معامل الكونسروة، تحول ورق العنب الفرنسي في ريف الساحل السوري من زراعة هامشية إلى طوق نجاة اقتصادي أخير، إذ عوض تراجع جدوى الحمضيات والزيتون، ووفر بديلاً معيشياً آخذاً في التوسع لمئات العائلات والموظفين المسرّحين

«العريشة.. هي وظيفتي التي خسرتها» بهذه الكلمات يبدأ منذر (41 عاماً) ابن إحدى قرى ريف اللاذقية حديثه لـ«صوت سوري». 

يستيقظ منذر كل صباح، يقطف بضعة كيلوغرامات من عريشة العنب الفرنسي، تُنسقها زوجته داخل أكياس نايلون إلى جانب السلق والهندباء والبقدونس وما يجود به خقلهم الصغير المجاور للمنزل، تبعاً للموسم. «الناس تفضل شراء الورقيات من الحقل مباشرة لأنها أنظف» يقول.

بدأت زراعة ورق العنب الفرنسي في الساحل السوري أواخر القرن الماضي، في قرية المختارية بريف اللاذقية، لكنها شهدت قفزات متتالية، الأولى مع موجة الصقيع التي ضربت الحمضيات في 2004، ثم زرع السكان ملايين الغراس مع تراجع الجدوى الاقتصادية من الحمضيات، ومعاومة الزيتون (اختلاف إنتاج الشجرة بين عام وتاليه، فيكون وفيراً عاماً وشحيحاً في التالي)، فضلاً عن تسريح عشرات الآلاف من موظفين المؤسسات الحكومية ونسبة كبيرة منهم من أبناء الساحل.

في هذا السياق يوضح المهندس الزراعي علي عبد اللطيف أنّ «الساحل السوري شهد خلال السنوات الأخيرة تزايداً ملحوظاً في زراعة الورق العنب الفرنسي، لما يمتاز به من إنتاج وفير، وأوراق ذات مواصفات تسويقية جيدة».

زراعة ملائمة للمناخ الجبلي

في ريف اللاذقية، يعود المزارع عادل حداد بذاكرته أكثر من ثلاثين عاماً، مستذكراً كونه من أوائل من أدخلوا زراعة «الورق الفرنسي» إلى المنطقة.

يرى حداد أن هذه الزراعة «مربحة بشكل عام نظراً لطول فترة إنتاجها»، لكن هذه الربحية تصطدم بغلاء الأسمدة، التي يعتبرها العقبة الأهم بحكم زراعته مساحة واسعة. ويوضح أن العريشة الواحدة تتطلب سنويّاً مدخلاتٍ زراعية بقيمة نحو 25 دولاراً، ومع أن الاعتماد على الأسمدة العضوية الحيوانية يمنح إنتاجاً جيداً في البداية، سرعان ما يحتاج النبات (بعد شهرين) إلى مركبات إضافية كالأحماض الأمينية والحديد للحفاظ على وتيرة الإنتاج.

بدورها، تشير المزارعة عايدة (45 عاماً)، من ريف جبلة إلى أن زراعة هذا النوع من العرائش لا تواجه صعوبات تذكر، فهي تتأقلم بشكل ممتاز مع مناخ القرى الجبلي والبارد. وتشرح أن بعض هذه العرائش يمتد على الأرض لكونها لا تثمر، فيُعتمد عليها حصراً لإنتاج الورق، وتضيف «تتعدد أصناف هذه العرائش، منها نوع ينتج ثماراً صغيرة تشبه التوت الحامض بحجم الخرز، وآخر يُعرف باسم 'شرش مر' يتميز بضلعه الأحمر، أستخدمه كأصل للتطعيم بفضل مقاومته الشديدة للأمراض».

إضاءة علمية: الهوية الوراثية لـ«الورق الفرنسي»
التسمية: اسم زراعي وتجاري محلي شائع في الساحل السوري، وليس تصنيفاً علمياً مستقلاً. وتوثق دراسات وراثية سورية وجود تسميات صنفية مثل (French Halwani) و(French Compact Halwani) ضمن أصناف العنب المزروعة في محافظة طرطوس.
النوع النباتي: ترتبط هذه التسميات بأصناف من العنب (Vitis vinifera L)، لكن لا يمكن الجزم بأن كل ما يُتداول محليًا باسم «الفرنسي» يعود إلى تركيب وراثي واحد محدد.
الأصول: تربط رواية زراعية محلية بين الاسم المتداول «الفرنسي» والصنف (B99)، مع الإشارة إلى استخدامه كأصل للتطعيم، إلا أن هذه المعلومة تبقى في إطار الترجيح الميداني، ولا نجد دليلاً وراثياً منشوراً يؤكد أن «الفرنسي» هو B99 أو أن منشأه فرنسا.
الخصائص والتطبيق: يُزرع «الفرنسي» في اللاذقية على نطاق واسع بهدف إنتاج أوراق العنب، واكتسب أهمية اقتصادية بفضل الصفات المرغوبة في الورقة، ومنها المرونة وسهولة اللف وملاءمتها للحشو والطهي.
ملاحظة علمية: حسم الهوية الجينية الدقيقة للنباتات المتداولة محلياً باسم «الفرنسي» يتطلب مطابقة وراثية بين عينات ميدانية موثقة والعينات المرجعية المنشورة، ولا سيما العينات المصنفة في الدراسات السورية تحت أسماء مثل French Halwani.

بحسب مزارعين التقاهم «صوت سوري»، يحظى هذا النوع من ورق العنب بطلب عالٍ في الأسواق، والسر في ذلك، وفق عايدة، يعود إلى شكل ورقته الدائري الذي يجعل عملية «اللف» والطبخ أسهل بكثير. كما تمتاز العريشة بمرونة السقاية، فبرودة المناطق الجبلية تتيح زراعتها بعلاً اعتماداً على مياه الأمطار، بينما يعمد من تتوافر لديهم المياه إلى ريها دورياً كل 15 يوماً مع إضافة كميات معتدلة من سماد «يوريا آزوت» لزيادة الإنتاج، مع الحذر من أن العطش أو الإفراط في التسميد قد يسببان جفاف النبتة.

التجفيف يضاعف الأرباح

في ريف اللاذقية، يركب منذر دراجته النارية «قبل ما تحمى الشمس» ويجول بين القرى المجاورة محاولاً تصريف ما في جعبته. يقول: «الاعتماد الأكبر بالبيع هو على ورق العنب الفرنسي، يتجاوز سعر الكيلو 25 ألف ليرة سورية قديمة، لأنني أبيعه للمستهلك وليس للتاجر، في حين يبلغ سعر باقة البقدونس ألفي ليرة».

أمّا المزارع عادل حداد فلا يعتمد على بيع ورق العنب الأخضر، مشيراً إلى أن القيمة المضافة الحقيقية تكمن في التجفيف. ففي حين يبلغ سعر كيلو الورق الأخضر اليوم نحو دولار واحد للتجار، يقفز السعر إلى 4 دولارات للورق المجفف، مما يجعله «طوق النجاة لضمان هامش ربح معقول».

فيما تبيّن المزارعة عايدة أن الإنتاج يعتمد بالدرجة الأولى على حجم العريشة ومدى العناية بها، فيمكن لعريشة متوسطة الحجم أن تنتج 7 - 9 كيلوغرامات أسبوعياً. 

شهدت الأسعار تقلبات خلال الموسم الأخير، فبدأ سعر الكيلوغرام الواحد من ثلاثين ألف ليرة سورية، ليستقر حالياً عند خمسة عشر ألفاً. وتنشط حركة تجارية ملحوظة في مناطق ريف اللاذقية، فيقصدها التجار لنقل المحصول مباشرة إلى معامل الكونسروة، أو يحمله المزارعون إلى البازار أو سوق الهال، وبعضهم يبيعه للتجار والمحال الموجودة في المنطقة، ولكل نوع من الورق تسعيرته الخاصة.

الجدوى الاقتصادية بالأرقام

أظهرت دراسة بحثية ميدانية أُجريت في قرى اللاذقية خلال العامين 2020 و2021، كفاءة اقتصادية استثنائية، إذ بلغ إجمالي تكاليف إنتاج الدونم الواحد نحو مليون ليرة سورية (قديمة)، في حين بلغ صافي الربح 1.75مليون ليرة سورية، وقدرت فترة استرداد رأس المال بعام وشهرين تقريباً، مع تسجيل مؤشر كفاءة اقتصادية بلغ 2.7.

وسجلت الدراسة حينها مُعاملَ ربحية مرتفعاً بلغ 173% بالنسبة للتكاليف الإنتاجية، و76.9% مقارنة برأس المال المستثمر، وهو ما أثبت الاستغلال الأمثل لرأس المال بشقيه الثابت والمتغير، وجعل الدراسة توصي بالتوسع في هذه الزراعة لاستدامتها ودورها في تحسين دخل الأسرة.

بين التفاؤل الميداني والتحذير العلمي

تصف عايدة هذه العرائش بمقاومتها العالية للأمراض الفطرية وحبها للهواء، مما يقلل الحاجة للمبيدات ويقتصر على رش حشري لمكافحة الديدان في ساعات الصباح أو المساء، إذ تكون الحشرات تكون في ذروة نشاطها خلال هذه الفترات، ما يجعل الرش أكثر دقة وفاعلية، مع الالتزام التام بإيقاف القطاف أياماً بعد الرش لضمان زوال الأثر السمي.

لكن من الناحية العلمية، يضع المهندس الزراعي علي عبد اللطيف هذه الملاحظات في نصابها الدقيق موضحاً: «لا يمكن القول إن هذا الصنف مقاوم للأمراض الفطرية بشكل مطلق. بعض الأصناف المستوردة تمتلك درجة أعلى من التحمل تجاه أمراض كالبياض الدقيقي والزغبي مقارنة بالأصناف المحلية، لكنها ليست محصنة».

ويوضح أن «الإصابة بالأمراض الفطرية مرتبطة بعدة عوامل، أهمها الظروف المناخية، والرطوبة، وكثافة الزراعة، والتهوية، واتباع برامج المكافحة الوقائية»، ليختم مشدداً على أن نجاح الزراعة يعتمد على الإدارة الزراعية السليمة وبرامج الوقاية الدورية والتهوية، خاصة مع التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، ويدعو المزارعين إلى عدم الانجراف وراء فكرة المقاومة المطلقة، والالتزام ببرامج المكافحة المتكاملة لضمان إنتاج اقتصادي ومستدام.

الزراعة_في_سوريا الأمن_الغذائي_في_سوريا الزراعة_في_الساحل_السوري

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0