ثمّة حكام يخافون الأزمات، وحكام يتعاملون معها بوصفها فرصة سياسية. وفي الأنظمة الاستبدادية، حيث لا توجد آليات حقيقية لتداول السلطة، ولا صحافة مستقلة قادرة على مساءلة الحاكم، ولا برلمان قادر على محاسبته، ولا انتخابات يستطيع من خلالها المواطن معاقبة المسؤول، تصبح إدارة صورة الحاكم جزءاً أساسياً من إدارة الحكم نفسه، ويغدو القرار السياسي مرتبطاً بمركز واحد. ومن هنا تظهر واحدة من أكثر الحيل السياسية خطورة، وهي خلق الأزمة أو السماح لها بالتفاقم، ثم التدخل في اللحظة المناسبة باعتبار الحاكم هو الشخص القادر على إنهائها وإنقاذ الناس من آثارها.
في مثل هذه الحالات، يمكن أن تسير العملية وفق سيناريو واضح: قرار يثير الغضب، وأزمة تتسع، واحتجاجات وضغط شعبي، ثم تدخّل الحاكم في اللحظة المناسبة لتعديل القرار أو إلغائه أو تخفيف آثاره. عندها ينتقل الاهتمام من السؤال عن أسباب الأزمة والمسؤول عنها إلى الاحتفاء بالشخص الذي تدخّل لمعالجتها. ويتحول الحاكم إلى منقذ من أزمة كان المواطن يتوقع منه أصلاً أن يمنعها أو يعالج أسبابها عبر مؤسسات الدولة.
لا يعني ذلك أن كل أزمة يجري اختلاقها عمداً، أو أن كل قرار مثير للغضب يخفي وراءه خطة سياسية. فكثير من القرارات الاقتصادية تكون لها أسباب حقيقية، وقد تكون ضرورية أحياناً، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول إدارة الأزمة إلى أداة لصناعة صورة الحاكم، أو عندما يصبح التراجع عن قرار خاطئ وسيلة للحصول على رصيد سياسي يفوق الرصيد الذي كان يمكن أن يحصل عليه الحاكم لو اتخذ القرار الصحيح منذ البداية.
الأزمة أولاً، ثم صناعة المنقذ
في السياسة، لا تُقاس آثار القرارات الاقتصادية بأرقامها فقط، بل بما تتركه من آثار اجتماعية وسياسية. فقرار يمسّ الوقود أو الغذاء أو الكهرباء أو النقل يمكن أن يتحول خلال ساعات إلى قضية سياسية، لأن المواطن يشعر به مباشرة في حياته اليومية. وعندما تتسع دائرة المتضررين، يصبح الغضب أكثر قابلية للتحول إلى احتجاج عام.
في هذه اللحظة تظهر قيمة التدخل من الأعلى. فإذا صدر القرار عن حكومة أو وزارة، ثم تدخّل رأس السلطة لتعديله أو إلغائه، يمكن أن تنتقل المسؤولية السياسية عن القرار الأصلي إلى المسؤولين التنفيذيين، بينما يحصل رأس السلطة على الفضل في التراجع عنه. وهكذا يظهر الحاكم في موقع مختلف عن الحكومة التي يفترض أنها تعمل تحت سلطته. المفارقة أن التراجع عن قرار سيئ قد ينتج أحياناً مكسباً سياسياً أكبر من تجنّب القرار منذ البداية. فالمواطن الذي كان غاضباً من رفع الأسعار قد يتحوّل غضبه إلى ارتياح أو امتنان عندما يسمع أن الرئيس أمر بالتراجع عنها. وقد تتراجع الأسئلة الأهم إلى الخلف: من اتخذ القرار أولاً؟ ومن كان يملك القدرة على منعه؟ ولماذا وصل الأمر إلى الاحتجاج حتى جرى تصحيحه؟
هنا تكمن خطورة «سياسة المنقذ». فالحاكم الذي يظهر في كل أزمة بوصفه صاحب الحل الأخير يعزز تدريجياً الاعتقاد بأن الحلول لا تأتي من المؤسسات والقوانين والإجراءات الطبيعية، وإنما من تدخّله الشخصي. ومع تكرار هذا النمط، يصبح المواطن نفسه أكثر ميلاً إلى انتظار تدخّل رأس السلطة، بدلاً من المطالبة بمؤسسات قادرة على تصحيح أخطائها من تلقاء نفسها.
الأزمة وسيلة لصرف الانتباه
للأزمات وظيفة سياسية أخرى تتجاوز صناعة شعبية الحاكم. فهي تستطيع أن تصرف انتباه المجتمع عن قضايا استراتيجية تحتاج إلى نقاش طويل، مثل طبيعة النظام السياسي، واستقلال المؤسسات، والفساد، وتوزيع الثروة، والحريات العامة، وآليات اتخاذ القرار، ومسؤولية المسؤولين عن الإخفاقات.
عندما يعيش المجتمع تحت ضغط أزمة يومية، يصبح النقاش العام أكثر انفعالاً وأقل قدرة على التوجه إلى الأسئلة الكبرى. ويصبح المطلوب هو حلّ المشكلة العاجلة: سعر الوقود، أو نقص الكهرباء، أو ارتفاع أسعار الخبز، أو أزمة النقل. أما السؤال عن البنية التي أنتجت هذه الأزمات فلا يعود أولويّة. ولهذا يمكن للأزمة أن تكون أداة لإعادة ترتيب أولويات النقاش العام. وكلما ارتفع منسوب القلق، أصبح من الأسهل توجيه اهتمام الناس نحو الخطر المباشر، وإبعاد النقاش عن المسؤولية السياسية والمؤسسية الأوسع.
عندما يصبح العدو الخارجي جزءاً من إدارة الأزمة
تأخذ آلية خلق الأزمة والاستفادة منها سياسيّاً شكلاً أكثر وضوحاً عندما يجري ربط المشكلات الداخلية بتهديد خارجي. فالسلطة تستطيع عندها نقل النقاش من سؤال «من المسؤول؟» إلى سؤال «من يتآمر علينا؟». وقد استخدمت أنظمة عديدة، في أوقات مختلفة، روايات التهديد الخارجي لتفسير أزمات اقتصادية أو سياسية أو أمنية، ولحشد الجمهور حول السلطة. فكما يمكن توظيف الأزمة الداخلية لصناعة صورة الحاكم المنقذ، يمكن توظيف الخطر الخارجي لصناعة صورة الحاكم الحامي. ولا يعني ذلك أن التهديدات الخارجية تكون دائماً مختلقة، أو أن الأزمات الداخلية لا تتأثر بالعوامل الدولية. لكن توظيف الخطر الخارجي سياسياً يمكن أن ينقل النقاش من مساءلة السلطة عن أدائها إلى الالتفاف حولها في مواجهة عدو مشترك.
الأزمات بوصفها فرصة للسلطة
تناول منظّرون مختلفون الكيفية التي يمكن أن تتحول بها الأزمات إلى مصدر للقوة السياسية، وإن لم يطرحوا جميعاً فكرة «صناعة المنقذ» بالمعنى نفسه.
- ميكافيللي، في الفصل العشرين من كتابه الشهير «الأمير»، يكتب ما مفاده أن «الأمراء، وخصوصاً الجدد منهم، يكتسبون مجداً عظيماً عندما يتغلبون على الصعاب والعقبات التي تعترض طريقهم... ولهذا يعتقد الكثيرون أن الأمير الحكيم يجب عليه، متى سنحت له الفرصة وبدهاء، أن يصطنع لنفسه بعض العداوات أو الخصومات، لكي يتسنى له سحقها فيرتفع شأنه وقدره أكثر فأكثر».
- كارل شميت رأى في «اللاهوت السياسي» أن «السيّد هو من يقرر بشأن الاستثناء»، لأن حالة الاستثناء تكشف من يملك القرار عندما تتعطل القواعد والإجراءات العادية.
- ميلتون فريدمان خلُص إلى أن الأزمات، الفعلية أو المتصوَّرة، تفتح نافذة لتمرير تغييرات يصعب تمريرها في الظروف الطبيعية، وهي الفكرة التي جعلتها نعومي كلاين محوراً في مفهوم «عقيدة الصدمة»، الذي يصف استغلال لحظات الصدمة لتمرير سياسات أو تغييرات جذرية.
- في علم السياسة، تصف أدبيات «الالتفاف حول القيادة» ظاهرة ارتفاع الدعم الشعبي للقيادة السياسية في بعض الأزمات، خصوصاً عندما يشعر الجمهور بوجود تهديد خارجي أو خطر مشترك. لكن هذا الأثر ليس آلياً، ويتوقف على طبيعة الأزمة وطريقة إدارتها.
من حماية النظام إلى حماية صورة الحاكم
في سوريا، أخذت العلاقة بين السلطة والأزمة أشكالاً متعددة خلال عقود حكم حافظ الأسد ثم بشار الأسد. فقد ارتبطت صورة الحاكم طويلاً بفكرة الاستقرار وحماية الدولة ومواجهة الأخطار الداخلية والخارجية. ومع اندلاع الاحتجاجات في العام 2011، أصبحت رواية المؤامرة والتدخل الخارجي والإرهاب جزءاً أساسياً من الخطاب الرسمي الذي قدّم الحراك الشعبي بوصفه استهدافاً للدولة السوريّة. ومع العسكرة، ثم استمرار الحرب، اتسعت هذه الرواية لتشمل مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية. وأصبح النظام يقدم نفسه على أنه الطرف الذي يحمي الدولة من الانهيار، حتى في الوقت الذي كانت فيه مؤسسات الدولة والخدمات والاقتصاد تتعرض لتدهور واسع.
هنا يظهر وجه آخر من وجوه إدارة الأزمات في الأنظمة الشخصية: كلما ارتبطت صورة الدولة بصورة الحاكم، أصبح من السهل تقديم الحاكم باعتباره الضامن الوحيد للاستقرار، وتحميل مستويات أدنى من السلطة مسؤولية الإخفاقات اليوميّة.
أحمد الشرع وسوريا الجديدة
صدر في سوريا، منتصفَ الشهر الحالي قرار برفع أسعار المحروقات، شمل زيادة سعر المازوت بنسبة 40% وأسعار البنزين بنسب وصلت نحو 28%، ما أدى إلى احتجاجات واسعة تخلّلها قطع طرق وإحراق إطارات في مناطق مختلفة من البلاد. برّرت وزارة الطاقة القرار بارتفاع تكاليف الاستيراد والاعتماد الكبير على المشتقات النفطية المستوردة، إلى جانب توقف مصفاة بانياس مؤقتاً، وعوامل مرتبطة باضطراب أسواق النفط العالميّة. لكن في بلد يعاني من ضغوط اقتصادية شديدة، لا يمكن التعامل مع ارتفاع أسعار المحروقات بوصفه رقماً في جدول الأسعار. فتأثيره ينتقل سريعاً إلى النقل والإنتاج والأسواق وكلفة المعيشة، ولذلك كان من الطبيعي أن يتحول القرار إلى قضية سياسية واجتماعيّة.
لا نملك دليلاً يثبت أن قرار رفع أسعار المحروقات صُمّم بهدف إثارة الغضب الشعبي ثم منح الرئيس الانتقالي أحمد الشرع فرصة للتدخل والظهور بمظهر المنقذ. ومن الضروري التمسك بهذا الحد الفاصل، فوجود آلية سياسية محتملة لا يعني إثبات وجود نية مبيّتة وراء قرارٍ محدد.
ورغم التعديل الجزئي في سياسة تسعير المازوت، بعدما أعلنت الحكومة أسعاراً مدعومة للتدفئة والزراعة وبعض القطاعات، لكن السعر الأساسي للمازوت بقي عند مستواه الجديد. ما يعني استمراراً لأزمة قد تشكّل طريقة إدارتها اختباراً لطبيعة العلاقة بين السّلطة والمجتمع والمؤسسات.
لا يعني استحضار تجارب الأسد أن السلطة السورية الجديدة تمثل امتداداً للنموذج السابق، فالسياقات السياسية مختلفة، والمرحلة الحالية انتقالية، والبلاد تخرج من حرب وانهيار اقتصادي ومؤسساتي عميق. والمقارنة هنا تتعلق بآلية سياسية يمكن أن تظهر في أنظمة مختلفة: كيف تتحوّل الأزمة من مشكلة تحتاج إلى معالجة مؤسسية إلى فرصة لتعزيز صورة رأس السلطة.
السؤال الحقيقي هنا، لا يتعلق فقط بما إذا كان قرار رفع أسعار المحروقات صحيحاً أو خاطئاً. بل يتعلق أيضاً بكيفية اتخاذ القرار، ومدى شفافية أسبابه، وقدرة المؤسسات على شرحه ومراجعته، وما إذا كان تصحيحه يجري عبر الآليات الحكومية الطبيعية أم ينتظر تدخلاً شخصياً من رأس السلطة. فإذا ارتفعت الأسعار بسبب ظروف اقتصادية حقيقية، يكون شرح هذه الأسباب بشفافية وتحمّل المسؤولية عنها جزءاً من الحكم الرشيد. وإذا تبيّن أن القرار كان خاطئاً، فإن تصحيحه عبر المؤسسات علامة قوة للدولة. أما تحويل التراجع إلى مناسبة لاحتفال شخصي بالحاكم بوصفه المنقذ، فيعيدنا إلى المشكلة التي يناقشها المقال.
من الحاكم القوي إلى الدولة القوية
الرئيس القوي في الدولة الحديثة هو الذي يقوّي المؤسسات، ويمنحها القدرة على العمل والمحاسبة والتصحيح. أما الحاكم الذي يتدخل في كل أزمة، ويظهر في كل مرة على أنه صاحب الحل الأخير، فينتهي الأمر معه إلى دولة تعتمد على شخصه أكثر مما تعتمد على مؤسساتها. وهنا تظهر مشكلةٌ أعمق من شعبية الحاكم. فإذا اعتاد المجتمع أن يأتي الحل دائماً من القصر الرئاسي، ستضعف ثقته تدريجياً بقدرة الحكومة والبرلمان والإدارات والهيئات المستقلة على أداء وظائفها. ويصبح المسؤول التنفيذي منشغلاً بإرضاء رأس السلطة أكثر من اهتمامه ببناء سياسة عامة قابلة للدفاع عنها أمام المواطنين. هذا النمط يخلق علاقة سياسية غير صحية: المواطن ينتظر تدخّل الحاكم، والحاكم يحصل على رصيد سياسي من تدخله، بينما تتراجع المؤسسات خطوة إضافية إلى الخلف. والدولة التي تريد الخروج من إرث الاستبداد تحتاج إلى كسر هذه الحلقة. فقوة السلطة التنفيذية لا تُقاس بعدد المرات التي يتدخل فيها الرئيس لحل الأزمات، وإنما بقدرة المؤسسات التي تعمل تحت سلطته على اكتشاف الخطأ وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة عامّة.
الاختبار الحقيقي
قد يكون التراجع عن قرار سيئ خبراً جيداً للمواطن. لكن الخبر الأفضل هو أن يعرف المواطن لماذا صدر القرار، ومن اتخذه، وما المعايير التي استند إليها، ومن يراجعه، ولماذا جرى التراجع عنه. بهذه الطريقة تتحول الأزمة إلى درس مؤسسي، بدلاً من أن تتحول إلى مناسبة جديدة لصناعة صورة الحاكم المنقذ. وإذا تكررت دورةٌ من هذا النوع: قرار صادم، وغضب شعبي، واحتجاجات، وتدخّل رئاسي، وتراجع عن القرار، ثم احتفاء بالحاكم بوصفه حامياً للمواطنين، فإن الأمر يستحق التوقف عنده. فتكرار الدورة قد يحولها من استجابة طارئة إلى أسلوب في إدارة الحكم. المشكلة عندها لا تقتصر على قرار رفع سعر الوقود أو خفضه، وإنما تشمل الطريقة التي تُدار بها الدولة نفسها.
لهذا، ينبغي ألا يكون السؤال بعد كل أزمة: ماذا فعل الرئيس لإنقاذنا؟ ينبغي أن يضاف إليه سؤال آخر: لماذا وصلنا إلى هذه الأزمة أصلاً؟ ومن اتخذ القرار؟ وهل كانت هناك مؤسسة قادرة على تصحيحه قبل أن يصل الغضب إلى الشارع؟
تلك الأسئلة هي التي تفصل بين دولة تقوم على المؤسسات ودولة تقوم على الأشخاص. وهي أيضاً التي تحدد ما إذا كانت سوريا الجديدة تتجه فعلاً نحو بناء دولة حديثة، أم أنها ستعيد إنتاج علاقة قديمة بين المواطن والحاكم تقوم على انتظار المنقذ، ولكن بصورٍ مختلفة.
الدولة القوية هي التي لا يحتاج المواطن فيها إلى انتظار ظهور المنقذ كلما وقعت أزمة، لأن المؤسسات تكون قادرة على معالجة الخطأ ومحاسبة المسؤول وتصحيح المسار. أما الحاكم الذي يصبح بطلاً لأنه أوقف أزمة كان يمكن تجنبها، فيستحق أن يُسأل أولاً عن كيفية نشوئها.