× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

المجال العام في حلب: من الطائفة إلى المواطنة

عقل بارد - على الطاولة 10-10-2026

لا تبدو حلب، على المستوى الاجتماعي اليومي، مدينةً منغلقةً أو مفككةً بالكامل، فالتفاعل في أماكن العمل وبعض الفضاءات المدنية لا يزال ممكناً، لكنه يتراجع كلما انتقلنا إلى المجال العام الأوسع، فتتكثف شعارات دينية تعبّر عن مرجعية ثقافية ودينية واحدة، لا بوصفها أدوات إقصاء متعمّد، بل باعتبارها تعبيراً غير شامل لا يعكس التعدد الديني، ما يحوّل المجال العام إلى فضاء لا يشعر فيه الجميع بالتمثيل المتكافئ

تشهد المُدن السورية منذ سقوط النظام السابق نشاطاً مدنياً غير مسبوق يتركز بشكل أساسي في دمشق، لكونها العاصمة، وكذلك في مدينة حلب، بعدما أصبح الحديث عن مستقبل سوري جديد أكثر واقعية من ذي قبل. فمنذ الأشهر الأولى التي تلت سقوط النظام، بدأت المدن تسجّل حراكاً لافتاً تمثّل في تجمعات عامة وفعاليات مجتمعية وجلسات حوارية ناقشت قضايا مرتبطة بالمرحلة الانتقالية، مثل العدالة والمساءلة وإعادة بناء الثقة والمشاركة في المجال العام. غير أن هذا الحراك، على الرغم من تنوّعه الظاهري، يكشف عن إشكالية بنيويّة، إذ بدا أحياناً وكأنه يسعى إلى ضمان الشمول والتنوع، لكنه قد يعيد، في الواقع، إنتاج مقاربة الهويّات الفرعيّة على حساب مبدأ المواطنة، الذي يمكّن الأفراد من تمثيل رؤى ومواقف سياسية ومدنية متنوعة بوصفهم مواطنين ومواطنات سوريين وسوريات بالدرجة الأولى.

ضمن هذا السياق، تبرز تجربة المكوّن المسيحي في حلب بوصفها نموذجاً محدداً يساعد في فهم هذه الإشكالية ذات النطاق الأوسع بالضرورة. فالدعوات إلى المشاركة في الجلسات الحوارية واللقاءات التشاورية والأنشطة ذات الطابع الوطني أو المجتمعي تُوجَّه غالباً إلى شخصيات مسيحية من جهات مختلفة، رسمية ومدنية، بوصفها ممثلة للمكوّن المسيحي، وليس انطلاقاً من أدوارها المدنية أو السياسية بالضرورة، بل استناداً إلى هويتها الدينية أولاً. ويضعنا ذلك أمام سؤال مركزي في مرحلة ما بعد سقوط النظام: كيف يمكن الانتقال من تمثيل رمزي محدود أصلاً، مبني على الهويات الفرعية، إلى مشاركة شاملة وفاعلة ترتكز إلى مبدأ المواطنة؟

تشكّلت علاقة المكوّن المسيحي مع الدولة تاريخياً ضمن معادلة غير متوازنة، قوامها الحماية مقابل الانسحاب من المجال العام. وتخلص ورقة بحثية حول مسيحيي حلب ما بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، إلى أن هذا النمط أسهم في «تديين الخوف» وخصخصة السياسة، بحيث بات الانخراط في الشأن العام يُنظر إليه بوصفه تهديداً للسلطة أكثر من كونه حقاً من حقوق المواطنة.

وتُظهر قراءة تحليلية لمسار المكوّن المسيحي في حلب، كما يقدمها الباحث السوري روجيه أصفر في دراسته حول تاريخ المسيحيين في المدينة، أن الانتقال من موقع الجماعة المحمية إلى موقع المواطنة لم يكن مساراً سلساً أو تصاعدياً بصورة خطية. فعلى الرغم من فترات شهدت اتساعاً نسبياً في هامش المشاركة السياسية والإدارية، ظلّ القلق عنصراً حاضراً في العلاقة مع المجال العام، تغذّيه فتن متقطعة وذاكرة جماعية تميل إلى استحضار الخطر أكثر من استدعاء لحظات التضامن. ومع تراكم هذه الخبرات التاريخية، تحوّل هذا القلق إلى نمط دفاعي جماعي يعيد إنتاج الانكفاء كلما بدا المجال العام هشّاً أو غير مضمون.

لا تبدو حلب، على المستوى الاجتماعي اليومي، مدينةً منغلقةً أو مفككةً بالكامل، فالتفاعل في أماكن العمل وبعض الفضاءات المدنية لا يزال ممكناً. إلا أن هذا التفاعل يتراجع كلما انتقلنا إلى المجال العام الأوسع، حيث تتكثف شعارات دينية تعبّر عن مرجعية ثقافية ودينية واحدة، لا بوصفها أدوات إقصاء متعمّد، بل باعتبارها تعبيراً غير شامل لا يعكس التعدد الديني، ما يحوّل المجال العام إلى فضاء لا يشعر فيه الجميع بالتمثيل المتكافئ. يصف الناشط التربوي والمجتمعي جورج دايخ هذا التناقض بقوله إن «الشعارات الدينية في الفعاليات العامة تمنع كثيراً من المسيحيين من المشاركة، ليس رفضاً للآخر، بل خوفاً من الوصم أو الاستهداف داخل مجتمعاتهم». وهكذا يتحوّل المجال العام من فضاء يُفترض أن يضمن التعبير المتساوي إلى مساحة اختبار غير معلن، تُقاس فيها المواطنة بمدى التكيّف مع خطاب سائد، لا بمدى الالتزام بالقانون أو بالمصلحة العامّة.

تُظهر قراءة تحليلية لمسار المكوّن المسيحي في حلب، كما يقدمها الباحث السوري روجيه أصفر في دراسته حول تاريخ المسيحيين في المدينة، أن الانتقال من موقع الجماعة المحمية إلى موقع المواطنة لم يكن مساراً سلساً أو تصاعدياً بصورة خطية

لا يقتصر هذا الواقع على المسيحيين والمسيحيات فقط، بل يدل على خلل أوسع في علاقة أهالي المدينة بعضهم ببعض، وفي قدرة المجال العام على احتواء الاختلاف وإدارة التنوع من دون تحويله إلى مصدر ريبة أو تصنيف. فحين تُختزل المشاركة في الرموز، ويُنظر إلى الاختلاف بوصفه تهديداً محتملاً، تصبح الثقة عنصراً مفقوداً لا يمكن تعويضه بالدعوات إلى التعايش أو الانفتاح الشكلي، الذي قد يخفي توترات مؤجلة لا تجد طريقها إلى النقاش أو المعالجة.

ضمن هذا الإطار، يكتسب حديث الناشط في السلم الأهلي مجيب خطاب، الذي عاد إلى حلب بعد سقوط النظام، معناه الأعمق، حين يشير إلى أن «السنوات الماضية لم تُنتج قطيعة بقدر ما كشفت هشاشة العلاقات بين أبناء المدينة، وضرورة إعادة بناء المساحات المشتركة التي غابت طويلاً». ويرى أن النشاط المدني يلعب دوراً مهماً في تعزيز الثقة، لافتاً إلى دعم الحكومة السورية الجديدة لهذا المسار من خلال الحوارات المنظمة والأنشطة ذات الطابعين المحلي والوطني، بما يضمن مشاركة مختلف مكونات المجتمع. ومع ذلك، لا يكفي لإعادة بناء المجال العام تنظيم فعاليات أو توسيع دعوات فقط، إذ تتطلب مساراً طويلاً لإعادة إنتاج الثقة، تُختبر فيه المواطنة بوصفها حقاً مكفولاً لا عبئاً يُخشى ثمنه.

وهنا، لا يمكن إغفال البعد الجندري في الحديث عن التمثيل في المجال العام، الذي يبدو ظاهرياً متاحاً للمشاركة، إلا أن هذه المشاركة لا تزال منقوصة في معظم الأحيان. إذ تُقوَّض قدرة النساء على التأثير الفعلي في صنع القرار، وغالباً ما يبقى حضورهن محكوماً بمنطق الاستعراض لا الشراكة المؤثرة. وبحسب الناشطة المجتمعية سيلفارت سلوم، فإن تطبيق مبدأ الكوتا بحد ذاته يشكل إقصاءً ويؤكد محدودية الفضاء العام في احتضان التنوع والمشاركة الفاعلة: «في ظل غياب بدائل فعلية، نعترف بمبدأ الكوتا بوصفه خياراً اضطرارياً في لحظة انسداد، لا تعبيراً عن قناعة بعدالته، لأنه لا ينتج مشاركة حقيقية ولا تغييراً في موازين القوة.»

وعلى مستوى المكوّن الواحد، تشير سلوم إلى أن آليات التمثيل قد تتحول إلى أدوات تعيد إنتاج أنماط السلطة التقليدية، فتقول: «إن اختزال صوت المجتمع المسيحي ضمن أطر تمثيلية ضيقة يعيد تكريس دور الوسيط، بما يحد من حضور الفاعلين المدنيين ويهمّش تنوع الأصوات داخله».

لا تبدو حلب، على المستوى الاجتماعي اليومي، مدينةً منغلقةً أو مفككةً بالكامل، فالتفاعل في أماكن العمل وبعض الفضاءات المدنية لا يزال ممكناً. لكنه يتراجع كلما انتقلنا إلى المجال العام الأوسع

في المقابل، لا ترى الكنيسة نفسها ممثلاً سياسياً لمكوّن محدد، بل فاعلاً إنسانياً يسعى إلى حماية كرامة الإنسان. ويشدّد الخوري أنطوان فريج، المنسق العام للجنة الكاثوليكية للتنشئة الوطنية في حلب، على هذا التمايز بقوله إن الكنيسة «لا تتعاطى بالعمل السياسي، بل بما يضمن كرامة وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية… وأحياناً تضطر الكنيسة للتدخل لحماية أبنائها، لكن هذا لا يعني تمثيلهم سياسياً». غير أن هذا الفصل بين الإنساني والسياسي يترك عملياً مساحة رمادية تُملأ غالباً بالوساطة بدل التمثيل، وبالحماية بدل المواطنة.

في ضوء ذلك، تطرح العدالة الانتقالية إطاراً سياسياً واجتماعياً لإعادة بناء الثقة والمواطنة، لا مجرد مسار قانوني للمحاسبة. وتؤكد خبيرة العدالة الانتقالية ديما الموسى أن العدالة الانتقالية «لا تُختزل في المحاكم أو التعويضات، بل هي عملية مجتمعية طويلة تعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، وتفكك البُنى التي أعادت إنتاج الإقصاء باسم الاستقرار أو الحماية»، كما تحذّر من أن تجاهل هذا البعد المجتمعي «سيُبقي الجراح مفتوحة، حتى لو أُغلقت الملفات قانونياً.»

غير أن تحويل هذا الإطار المفاهيمي إلى ممارسة فعلية يبقى مرهوناً بوجود مؤسسات قادرة على ترجمته إلى ضمانات ملموسة. ويشير المستشار القانوني محمود حمّام إلى أن العدالة الانتقالية مشروع وطني لإعادة هندسة العلاقة بين الفرد والدولة، قائلاً: «العدالة الانتقالية ليست مجرد محاسبة المجرمين؛ إنها تشمل التعويض عن الضرر وجبره قدر الإمكان، وتعزيز ثقافة المواطنة المتساوية، بعيداً عن أي تمييز أو محاسبة انتقائية». ويشدّد على أنه من دون مؤسسات قانونية، وقضاء مستقل، ونظام أمني خاضع للقانون ومُشبع بثقافة حقوق الإنسان، «لن نتمكّن من تجاوز الماضي المؤلم أو الحفاظ على تاريخ مشترك، ولن نستطيع الانطلاق نحو مستقبل يضمن العدالة والكرامة للجميع». ويؤكد أن بناء هذه المؤسسات ليس ترفاً، بل شرطاً لبقاء المجتمعات الممزقة، إذ لا يمكن التعويل على «النيّات الحسنة» وحدها لإعادة بناء الثقة ما لم تُرافقها ضمانات قانونية حقيقيّة.

في مدينة مثل حلب، حيث تداخلت الحرب مع هشاشة العلاقات بين المكوّنات، تكتسب هذه المقاربة أهمية مضاعفة، فالعدالة الانتقالية لا تقتصر على محاسبة الماضي، بل تفتح المجال لإعادة طرح أسئلة جوهرية حول من يملك حق المشاركة في القرار العام، وكيف يُعاد تعريف التمثيل، وكيف يمكن تجاوز منطق المكوّنات نحو فضاء عام يقوم على المواطنة المتساوية. وتكشف تجربة المكوّن المسيحي أن تحقيق المواطنة الفاعلة والمتساوية عملية معقّدة، تتداخل فيها عوامل تاريخية وبنيوية وسياسية واقتصادية وجندرية، ما يجعل العدالة الانتقالية محاولة حتمية لاستعادة العمل المدني والسياسي بوصفه حقاً لا خطراً، وتجاوز أنماط الحماية التي تحوّلت إلى أدوات إقصاء غير معلنة.

وفي هذا الإطار، تبقى المسؤولية الحكومية مركزية في تحويل المواطنة من خطاب معلن إلى ممارسة فعلية، عبر إصلاحات قانونية ودستورية تضمن علاقة مباشرة بين الفرد والدولة، وتحدّ من إعادة إنتاج منطق الحماية والوساطة باسم الاستقرار أو الخصوصية. ويظل نجاح هذا المسار مرهوناً بقدرة السوريين والسوريات على تحويل الاعتراف بالتنوع إلى إدارة له استناداً إلى مبدأ المواطنة، وبناء مشاركة فعلية تسدّ الثغرات بدلاً من إعادة إنتاج التمثيل الصوري.

أُنتج هذا المقال ضمن مشروع «دور الإعلام السوري في العدالة الانتقالية من منظور نسوي» في إطار الشراكة مع السفارة الفرنسية في سوريا
ويُنشر بالتعاون بين مؤسسة شبكة الصحفيات السوريات و صوت سوري
العدالة_الانتقالية_في_سوريا المجال_العام_في_حلب المسيحيون_في_سوريا

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0