قبل مُدّة، انتشرت على منصات إعلامية سورية وعربية مواد ترويجية تتحدث عن «وثائق جديدة» مرتبطة بملف المعتقلين/ات. لم تكن المشكلة في نشر الوثائق بحد ذاتها، بل في أسلوب الترويج الذي اعتمد على الإثارة واستخدام صور شديدة الحساسية، من بينها صور لوثائق أو بيانات وفاة، من دون أي تحذير مسبق أو سياق يفسّر دلالاتها. وبرّرت بعض هذه المنصات بأن «من حق الجمهور الاطلاع على الحقيقة كاملة»، فيما اعتبر آخرون أن نشر الصور الصادمة يدخل في إطار السبق الصحفي الذي لا ينبغي تفويته. غير أن هذه التبريرات تعيد إنتاج الإشكالية نفسها، إذ تحوّل الألم إلى مادة للاستهلاك الإعلامي، بدلاً من التعامل معه بوصفه جزءاً من ذاكرة جماعية حساسة تتطلب قدراً أكبر من المسؤولية والتحرير الأخلاقي.
عام من التغطية... ثلاث مشكلات أساسية
عند مراجعة التغطية الإعلامية للملف خلال العام الماضي، يمكن رصد ثلاث مشكلات مترابطة شكّلت جوهر النقاش العام. تتمثل الأولى في اللغة التشويقية التي لا تراعي حساسية الملف. إذ أشارت تقارير حقوقية مراراً إلى أن نشر الوثائق من دون سياق أو تحذير قد يسهم في إعادة تفعيل الصدمة، ومع ذلك واصلت بعض الوسائل استخدام عناوين من قبيل: «وثائق لم تُكشف من قبل» أو «غداً نعرف الحقيقة». وهي صياغات لا تنسجم مع طبيعة هذا الملف ولا مع أثره النفسي على العائلات.
أما المشكلة الثانية، فتتمثل في غياب صوت الأهالي. فبعد فتح السجون، لم تتلقَّ آلاف العائلات أي معلومات رسمية عن مصير أبنائها وبناتها، واضطر كثيرون إلى معرفة ما حدث لهم عبر صور ووثائق نُشرت في وسائل الإعلام. وفي عدد كبير من التغطيات، بدا حضور الأهالي هامشياً مقارنة بالتركيز على الوثائق أو التحليلات السياسية، وهو ما أثار انتقادات من منظمات حقوقية. وفي المقابل، سعت بعض المبادرات الرسمية، مثل الهيئة الوطنية للمفقودين، إلى وضع الأهالي في صلب العملية من خلال عقد لقاءات دورية معهم داخل سوريا وفي بلدان اللجوء، للاستماع إلى مطالبهم وشرح آليات العمل المستقبلية. إلا أن هذه الجهود، على أهميتها، تبقى محدودة الأثر ما لم يواكبها إعلام مسؤول يمنح الأهالي مساحة حقيقية في السردية العامة.
الوثيقة وحدها لا تكفي لفهم الحقيقة، بل تحتاج إلى إطار يشرح دلالتها ويضعها في سياقها القانوني والإنساني
وتتمثل المشكلة الثالثة في التعامل مع الوثائق بوصفها مادة خاماً للنشر، من دون تقديم ما يكفي من التحليل أو التفسير. فقد أشار تقرير للشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن نشر هذه الوثائق بمعزل عن تفسيرها القانوني أو التاريخي يسهم في خلق فوضى معلوماتية، ويضع الجمهور أمام معلومات شديدة الحساسية من دون إطار يساعد على فهمها، بما يفاقم ارتباك الأهالي بدلاً من التخفيف من معاناتهم.
أم تبحث عن قبر
في أحد أحياء حلب، التقى معد التقرير بالسيدة يسرى، أم أحمد، وهي والدة لمعتقل مجهول المصير لم تتلقَّ أي خبر عن ابنها منذ اعتقاله قبل عشر سنوات. تقول: «عندما فتحوا السجون، لم يصلني أي جواب. كل ما أريده هو أن أعرف أين دُفن ابني، وفي أي عام مات. أريد أن آخذه وأدفنه قرب البيت. أريد قبراً أزوره».
لا تمثل هذه الشهادة حالة فردية، إذ تشير تقارير حقوقية إلى أن آلاف العائلات ما زالت تبحث عن معلومات أساسية حول مصير أبنائها وبناتها، من تاريخ الوفاة ومكان الدفن، إلى الحصول على تأكيد رسمي يضع حداً لحالة الانتظار المفتوحة. إلا أن التغطيات الإعلامية، بدلاً من أن تسهم في تنظيم هذه المعلومات وتقديمها ضمن سياق مسؤول، ساهمت أحياناً في زيادة الفوضى والارتباك لدى العائلات.
الإعلام بين الرقابة وحفظ الذاكرة
في حديثها عن التغطية الإعلامية لملف المعتقلين/ات، تشدّد الصحافية والعضوة السابقة في الهيئة الوطنية للمفقودين زينة شهلا على أن التعامل مع هذا الملف يحتاج إلى حساسية ومهنية عالية، لأن «كلمة واحدة أو عبارة غير مدروسة قد تكون مسيئة للأهالي»، وتضيف: «ما تابعناه سابقاً من تسريب وثائق، أثار جدلاً واسعاً، بين من اعتبره دوراً مشروعاً للإعلام في كشف الحقائق، وبين من رأى أن هذه الطريقة غير حساسة وتخلط بين دور الإعلام ودور القضاء.
«عندما فتحوا السجون، لم يصلني أي جواب. كل ما أريده هو أن أعرف أين دُفن ابني، وفي أي عام مات. أريد أن آخذه وأدفنه قرب البيت. أريد قبراً أزوره»
إحدى الجهات نشرت إعلاناً بعنوان: "ترقبونا غداً"، في إشارة إلى كشف ملفات المعتقلين، وكأنه إعلان لفيلم سينمائي، وهذا مسيء جداً للأهالي». وترى شهلا أن على الإعلاميين/ات إدراك حدود أدوارهم، وألا يتعاملوا مع هذا الملف على طريقة المحققين الجنائيين، مشيرةً إلى ممارسات إعلامية مسيئة حدثت في هذا السياق، من بينها تصوير إعلاميين وهم يحملون عظاماً من مقابر جماعية، وهو ما يمسّ الكرامة الإنسانية ويعيد إنتاج الألم بدلاً من المساهمة في تخفيفه. «الإعلامي/ة يجب أن يكون واعياً لتعقيدات الملف، وقادراً على نشر الوعي وتفكيك الصورة المعقدة. دوره رقابي بالدرجة الأولى، وعليه أن يضيء على أي إساءة أو عبث بمراكز الاحتجاز التي تحولت إلى مواقع تصوير لمسلسلات، وهذا انتهاك صارخ لملف المحاسبة»، كما تؤكد شهلا أن الإعلام يؤدي دوراً أساسياً في حفظ الذاكرة وأرشفة السرديات، معتبرةً أن منصات توثيق ذكريات الشهداء والمعتقلين تشكل جزءاً من مسار العدالة وجبر الضرر المعنوي.
تختم شهلا: «العدالة في سوريا لا تتوقف عند تاريخ سقوط النظام، بل يجب أن تشمل الجرائم السابقة واللاحقة أيضاً. الإعلام مسؤول عن تفكيك السردية وشرح ما حدث في عهد الأسد وما يحدث اليوم، ليبيّن للناس لماذا نحن بحاجة إلى مسار للعدالة».
ما الذي يجب أن يتغير؟
تكمن الإجابة في إعادة التفكير بدور الإعلام نفسه. فالمطلوب أولاً تقديم المعلومات ضمن سياق واضح، لا عبر نشر وثائق مجتزأة تُترك من دون تفسير. فالوثيقة وحدها لا تكفي لفهم الحقيقة، بل تحتاج إلى إطار يشرح دلالتها ويضعها في سياقها القانوني والإنساني. ومن هنا تأتي الحاجة إلى منح الأهالي مساحة أكبر في السردية العامة، بوصفهم أصحاب الحق الأول في معرفة الحقيقة، لا مجرد متلقين صامتين لصور أو بيانات صادمة. فإعادة وضع أصواتهم في مركز القصة هي ما يمنح التغطية معناها الأخلاقي.
إلى جانب ذلك، يبرز مطلب أساسي يتمثل في إنشاء سجل وطني للمفقودين والمفقودات، يكون مرجعاً رسمياً وموثوقاً، بدلاً من بقاء المعلومات متناثرة بين تقارير حقوقية وصور مسرّبة. غير أن هذا السجل لا يمكن أن ينجح من دون دور إعلامي يطالب بإنشائه، ويراقب خطوات تطويره، ويضمن بقاء القضية حاضرة في المجال العام.
كما أن مسؤولية الإعلام لا تقتصر على نقل الحقائق، بل تشمل أيضاً تجنّب نشر الصور الصادمة من دون تحذير أو ضرورة مهنية واضحة، لأن إعادة إنتاج الألم لا تخدم العدالة ولا تسهم في حفظ الذاكرة. وفي المقابل، يبقى من الضروري التمييز بين التحقيق الصحفي الذي يفتح أفقاً للفهم والمساءلة، وبين نشر المواد الخام من دون تحليل أو سياق، بما يحوّل المأساة إلى مادة قابلة للاستهلاك.
بهذا المعنى، لا يرتبط التغيير المطلوب فقط بطريقة تغطية ملف المعتقلين والمعتقلات، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الإعلام والضحايا، وبين السردية والذاكرة، وبين كشف الحقيقة وحماية الكرامة الإنسانيّة. فهذا الملف ليس مادة للتشويق، والإعلام اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن يروي الحقيقة بمسؤولية وكرامة، أو أن يضاعف الألم الذي يفترض به أن يساعد في كشفه ومعالجته.
ويُنشر بالتعاون بين مؤسسة شبكة الصحفيات السوريات و صوت سوري