في قلب السجون السورية، التي ابتلعت آلاف السوريين والسوريات وحرمت عائلات كثيرة من معرفة مصائرهم/ن، لم تتوقف الحكايات عند حدود الألم. فقد وُلدت داخل تلك العتمة تجارب مقاومة للبقاء، تؤكد أن الإنسان قادر على التمسك بالأمل حتى في أكثر الأماكن قسوةً وظلماً.
إحدى هذه الحكايات يرويها معتقل سابق في سجن صيدنايا الذي أصبح رمزاً لأشد أنماط القمع والانتهاكات في سوريا خلال العقود الأخيرة. كان، مثل كثير من زملائه، يعيش أياماً متشابهة داخل السجن، دون أي يقين بإمكانية الخروج حياً. فما شاهده داخل المعتقل جعله يعتقد أن النجاة تحتاج إلى معجزة.
ولحسن حظه، جاءت تلك اللحظة حين ناداه السجّان ذات يوم ليخبره بوجود محامٍ يريد مقابلته للحصول على وكالة قانونية. ومن خلال ذلك المحامي، علم أن عائلته تمكنت، بعد محاولات عديدة، من الوصول إلى مكان اعتقاله. كانت تلك اللحظة نافذة أمل أعادت إليه احتمال الخروج من السجن، ولو عبر سلسلة من المحاكمات التي يصفها كثير من المعتقلين السابقين بأنها شكليّة.
وخلال كل مرة كان يُنقل فيها إلى المحكمة، لم يكن يحمل قضيته الشخصية فقط، بل حاول أن يحمل أصوات آخرين غابت أخبارهم. فقد كان يرسل رسائل إلى عائلاتهم ليطمئنهم، وينقل أرقام ذوي معتقلين آخرين أو أسماءهم ومناطق سكنهم، في محاولة لإيصال أي معلومة إلى عائلات فقدت الاتصال بأبنائها. ومن خلال هذه الجهود، تمكن من الوصول إلى ذوي اثنين من رفاقه المعتقلين، قبل أن يتمكن أهلهما لاحقاً من زيارتهم بعد توكيل محاميين.
تندرج هذه المحاولات ضمن سعي المعتقلين إلى البحث عن أي نافذة للنجاة، بعد تداول أخبار عن طرق غير قانونية مكّنت بعض المعتقلين من الخروج، عبر محامين لديهم علاقات مع مسؤولين داخل منظومة الاعتقال، مقابل مبالغ مالية كبيرة. وقد نجحت هذه الوسائل في بعض الحالات، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن شبكة استغلال لمعاناة المعتقلين وعائلاتهم.
وفي هذا السياق، يوضح الحقوقي محمود قدسي أن منظومة الاعتقال في سوريا لم تقم على إجراءات قضائية مستقلة، بل اعتمدت في كثير من الحالات على اتهامات صادرة عن الأجهزة الأمنية خارج إطار المحاكمة العادلة. ويشير إلى أن آلاف المعتقلين واجهوا تهماً عامة وفضفاضة، مثل الإرهاب أو «وهن عزيمة الأمة» أو محاربة الدولة، وهي تهم استُخدمت على نطاق واسع بحق معارضين ومواطنين خلال سنوات الصراع.
وبحسب قدسي، فإن ضباط الأمن، بحكم سيطرتهم على المعتقلين وملفات التحقيق، امتلكوا قدرة واسعة على التأثير في مسار القضايا ومصائر المعتقلين، ما فتح الباب أمام ممارسات فساد وابتزاز بالتعاون مع بعض المحامين المتواطئين. ويضيف أن هذه الآليات، روغم إسهامها في خروج بعض المعتقلين، قامت في كثير من الحالات على استغلال عائلاتهم، التي اضطرت إلى بيع ممتلكاتها أو استنزاف مدخراتها لتأمين الأموال المطلوبة، فيما وقع آخرون ضحية عمليات احتيال انتهت بخسارتهم أموالهم وبقاء أبنائهم خلف القضبان.
حكاية الصمود سبيل للسلم الأهلي
في داخل تلك الزنازين التي صُمِّمت لكسر الأفراد وعزلهم، وممارسة كل أشكال القسوة الممنهجة، نشأت بين المعتقلين علاقات تجاوزت حدود التعايش القسري، لتتحول تدريجياً إلى علاقات صداقة وأخوّة، وإلى أشكال من التنظيم الذاتي القائم على تقاسم الأدوار والمهمات. وقد جعل ذلك المعتقلين يتولون إدارة تفاصيل حياتهم اليومية، في تجربة تعكس قدرة لافتة على التعاون والانضباط تحت الضغط.
منظومة الاعتقال في سوريا لم تقم على إجراءات قضائية مستقلة، بل اعتمدت في كثير من الحالات على اتهامات صادرة عن الأجهزة الأمنية خارج إطار المحاكمة العادلة
يروي محمد، وهو معتقل سابق في سجن صيدنايا، كيف كان المرضى يجدون في زملائهم مصدر الدعم الوحيد. ويقول إن بعض المعتقلين كانوا أطباء أو ممرضين قبل اعتقالهم، ما جعلهم يسارعون إلى متابعة الحالات الصحية وتخفيف الألم، فيما تكفّل آخرون بتأمين الطعام أو تقديم المساعدة الجسدية لمن أنهكه المرض أو التعذيب.
ولم تقتصر مظاهر التضامن على الجوانب الصحية، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل المعتقل. فكثيراً ما تبادل السجناء خبراتهم المهنية السابقة، وتشاركوا حكاياتهم عن أعمالهم وحياتهم خارج السجن. أما في أيام الصوم، فيساع بعضهم بعضاً على الالتزام به دون لفت انتباه السجّانين، من خلال إخفاء الطعام أو التستّر على الصائمين.
يرى مختصون في الصحة النفسية أن هذه الممارسات لا يمكن النظر إليها بمعزل عن سياق القهر والظلم الذي كانوا يتعرضون له، إذ تمثل آليات دفاع جماعية طوّرها السجناء للحفاظ على توازنهم النفسي والإنساني. كما تؤكد هذه الممارسات قدرة المعتقلين على التنظيم وبناء الثقة وإدارة الخلافات داخل بيئة صعبة تتسم بالعنف الشديد، وهي مهارات أساسية لأي دور مستقبلي لهم في لجان المصالحة المجتمعية وإعادة ترميم النسيج الاجتماعي السوري.
تطرح هذه الخبرات، التي تشكلت في أكثر البيئات عنفاً وانقساماً، سؤالاً ملحاً اليوم: إذا كان المعتقلون السابقون قد تمكنوا، في ذروة القهر، من بناء روابط تعاون وتجاوزوا الاختلافات الدينية والعرقية والطائفية، فكيف يمكن تجاهل هذه القدرة اليوم في نقاشات السلم الأهلي؟
فالتجربة التي جمعتهم، رغم قسوتها، كانت اختباراً قاسياً لإعادة تعريف الأخوة والمسؤولية الاجتماعية. ومن هذا المنطلق، يرى مراقبون أنهم لا يحملون فقط ذاكرة الألم والقهر، بل أيضاً خبرة عملية في إدارة الاختلاف وبناء الثقة المجتمعية في ظروف صعبة، الأمر الذي يستدعي إشراكهم في مسارات المصالحة المجتمعية وإعادة ترميم النسيج الاجتماعي السوري، بما يؤكد الاعتراف بقدرتهم على المساهمة في مستقبل يحفظ كرامة الإنسان السوري ويعزز قبول اختلاف الآخر.
في موازاة ذلك، تحول المعتقلون المفرج عنهم إلى مصادر غير رسمية، لكنها موثوقة، لكشف مصير أشخاص انقطعت أخبارهم داخل السجون، في ظل غياب قنوات رسمية تكشف مصير المعتقلين. ففي بلد تخلّت فيه المؤسسات عن أبسط واجباتها تجاه مواطنيها، والمتمثلة في الإخبار عن مصير المفقودين وحماية الأهالي من الاستغلال، أصبح هؤلاء أشبه بأرشيف بشري للذاكرة المفقودة، ينقلون ما رأوه وعايشوه داخل الزنازين إلى عائلات أنهكها الانتظار.
تروي جميلة، وهي أم لخمسة أطفال، كيف عرفت مصير زوجها المفقود عن طريق أحد زملائه في السجن. فقد أكد لها المعتقل السابق أن زوجها توفي داخل أحد فروع الأمن العسكري، بعدما تدهورت حالته الصحية بشكل حاد نتيجة ظروف الاحتجاز القاسية، قبل أن يفارق الحياة بين يديه داخل الزنزانة.
وتؤكد جميلة أن هذه الشهادة أنهت سنوات من الانتظار القاسي، وفي الوقت نفسه أنقذتها من الوقوع ضحية ابتزاز. ففي رحلة البحث عن زوجها المفقود، أوهمها أحد الأشخاص بأنه لا يزال محتجزاً في فرع فلسطين، وأن بإمكانه الإفراج عنه مقابل مبلغ مالي عبر علاقته بأحد الضباط في الفرع. وكانت تنوي بيع منزلها لتأمين المبلغ، لولا المعلومات التي نقلها المعتقل المفرج عنه، لتُكشف زيف الرواية وتُحبَط محاولة الاستغلال، وبين شهادة السجين الذي نقل لها تفاصيل الأيام الأخيرة من حياة زوجها، وغياب أي مصدر رسمي للمعلومات، وجدت جميلة نفسها مضطرة إلى تقبّل الحقيقة، بعدما أدّت رواية إنسانية واحدة دوراً عجزت عنه مؤسسات كاملة.
بانتظار العدالة الانتقالية
تُعتبر سوريا من أكثر البلدان التي شهدت موجات اعتقال واسعة خلال حكم النظام السّابق، إلى حدّ أصبح فيه الاعتقال ظاهرة اعتيادية طالت مختلف مكونات المجتمع وطبقاته. فمجرد المرور على أحد الحواجز كان يحمل احتمال التعرض للاعتقال، حتى دون وجود تهمة واضحة. وهذه ليست افتراضات، بل وقائع وثّقتها العديد من التقارير الصادرة عن منظمات حقوقيّة.
إذا كان المعتقلون السابقون قد تمكنوا، في ذروة القهر، من بناء روابط تعاون وتجاوزوا الاختلافات الدينية والعرقية والطائفية، فكيف يمكن تجاهل هذه القدرة اليوم في نقاشات السلم الأهلي؟
تفيد بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، بأن أكثر من 112,414 سوريّاً وسورية، ممن تعرّضوا للاعتقال أو الإخفاء القسري منذ اندلاع الثورة في 2011 وحتى سقوط النظام في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، ما زالوا في عداد المفقودين، رغم إطلاق سراح آلاف المعتقلين خلال عمليات فتح السجون ومراكز الاحتجاز. وتشير الشبكة إلى أن العدد الإجمالي للمعتقلين والمختفين قسراً الموثّقين منذ 2011 يصل إلى نحو 136,614 شخصاً.
عند سؤال عدد من المعتقلين السابقين وذوي الضحايا عمّا ينتظرونه من العدالة الانتقالية، لم يطالب أحد بالانتقام، بل بشيء أعمق: الاعتراف. فمحمد، الذي نجا من سجن صيدنايا، لا يرى العدالة في المحاكم وحدها، بل في الاستماع إلى من عاشوا القهر والظلم، دون تحويل قصصهم إلى مادة للتهويل أو السبق الصحفي. ويؤكد أن إشراك المعتقلين السابقين في لجان المصالحة والسلم الأهلي ليس امتيازاً، بل حق طبيعي لمن عرف معنى التضامن والإنسانية والعيش المشترك في ظل غياب العدالة.
أما جميلة، فلا تطلب أكثر من حق انتظرته طويلاً: أن يُوثّق اسم زوجها بين الضحايا، وأن يُعترف به شهيداً، وأن يحصل أبناؤه على تعويض معنوي ومادي من الدولة.
وبين مطلب الاعتراف بالشهادة، وحق التعويض، والرغبة في المشاركة في صياغة المستقبل، تتقاطع أصوات الناجين وأهالي الضحايا عند نقطة واحدة، لا عدالة انتقالية دون إشراك من دفعوا الثمن الأكبر. فهؤلاء ليسوا مجرد دليل على حجم الألم الذي عاشه المجتمع السوري، بل شركاء في بناء المرحلة القادمة، وخبراء نجاة يحملون معرفة متراكمة لا يمكن تجاهلها إذا كان الهدف بناء دولة تحترم كرامة الإنسان وتعترف بتضحياته، ولا تعيد إنتاج المأساة.
ويُنشر بالتعاون بين مؤسسة شبكة الصحفيات السوريات و صوت سوري