× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

صانعات الذاكرة: النساء والإعلام في سردية العدالة الانتقالية السورية

حكاياتنا - خبز 12-10-2026

يسعى المقال إلى فهم أنماط التعاطي الإعلامي مع الشهادات النسوية، عبر رصد الإعلام الإلكتروني المكتوب، الرسمي والمستقل، من خلال اختيار عينة قصديّة اعتمدت على المواد الإعلامية الأكثر وصولاً وتفاعلاً من الجمهور، خلال الفترة الممتدة بين آذار وأيلول 2025. ويركّز التحليل النوعي على أنماط تمثيل النساء في بُعدها الكيفي، وتتبع مدى فاعلية حضورهن أو رمزيّته، ودور ذلك في صياغة الذاكرة الجماعية والتأثير في عمليات العدالة الانتقاليّة.

حملت النساء في سوريا عبء سنوات النزاع بكل أثقاله. ورغم أن آثار الحرب طالت مختلف فئات المجتمع، واجهت النساء طبقة إضافية من التحديات، تمثّلت في تصاعد التمييز والعنف القائم على النوع الاجتماعي في الفضاءين العام والخاص، إلى جانب الانتهاكات الجسيمة وجرائم الحرب القائمة على النوع الاجتماعي. كما واجهن آثار العنف غير المباشر، سواء كانت معنوية أو مادية أو عملية، ضمن بيئات متباينة فرضت تحديات أمنية واقتصادية واجتماعية مركّبة.

من الألم إلى السرد: هل تُعيد النساء كتابة ذاكرة النزاع السوري؟

في هذا السياق، يبرز دور الإعلام، ليس بوصفه مرآةً للواقع فحسب، بل فاعلاً أساسياً في التعامل مع تلك التحديات ضمن مسارات العدالة الانتقالية وإعادة بناء الذاكرة الجماعيّة. ففي حين يمتلك الإعلام القدرة على جعل التجربة الجندرية مرئيّة وقابلة للفهم والمعالجة، يمكنه، في المقابل، تهميشها أو اختزالها ضمن سرديات فضفاضة. ومن هنا، تصبح مراجعة هذا الإرث السردي في المرحلة الانتقالية الراهنة ضرورةً ملحّة، خاصة أن العدالة الانتقالية لا تقتصر على المسارات الرسمية والقانونية، بل تتكامل بوصفها عملية شاملة مع الجوانب الاجتماعية والثقافية والرمزية، بما يهدف إلى ترميم النسيج المجتمعي وتعزيز الاعتراف بالانتهاكات على اختلاف مواقع وتجارب ضحاياها. وفي هذا الإطار، يلعب الإعلام دوراً محورياً في تحقيق هذا التكامل.

تبرز الحاجة إلى تشكيل سردياتٍ إعلامية أكثر شمولاً، وإعادة توزيع القوة الرمزية بين الفاعلين والفاعلات في رواية ما بعد النزاع

تقول ديما الموسى، خبيرة في العدالة الانتقالية: «طريقة تصوير الجانب الإعلامي هي التي سترسم شكل المرحلة، أن يكون الإعلام مشاركاً وشريكاً لا ناقلاً فقط، وأن يخاطب الضحايا بلغة واضحة تخبرهنّ بأنهنّ كنَّ جزءاً مهماً من المرحلة السابقة، وأهم في المرحلة القادمة».

بناءً على ذلك، تبرز الحاجة إلى تشكيل سردياتٍ إعلامية أكثر شمولاً، وإعادة توزيع القوة الرمزية بين الفاعلين والفاعلات في رواية ما بعد النزاع. غير أن هذا التوجه ما يزال محدوداً في السياق السوري، إذ تُهمَّش الانتهاكات التي تعرّضت لها النساء، أو تُعرض في الإعلام بوصفها قصصاً إنسانية جانبية، لا جزءاً أساسياً من تصميم العدالة الانتقاليّة.

ولتوضيح ذلك، تقول نور مشهدي، مُعدّة ومقدّمة برامج في راديو روزنة: «قضايا النساء ليست قضية سيدة، بل سلسلة من الانتهاكات التي تتعرض لها النساء»، مشيرةً إلى أن دور الإعلام يتمثّل في تسليط الضوء على هذه السلسلة، سواء تعلّق الأمر بانتهاكات قانونية أو مهنية، أو بعنف إلكتروني، «فهي ليست قضية فردية، وإنما سلسلة من السلوكيات.»

إن التعامل مع الشهادة النسوية بوصفها أداةً لصناعة الذاكرة يحرّر الخطاب الإعلامي من اختزاليّته، عبر نقل الخبرة الفردية إلى المجال العام، لتصبح الشهادات جزءاً من الذاكرة الوطنية. كما يسهم ذلك في بناء وعي اجتماعي نقدي يضع تجارب النساء في سياقها التاريخي والسياسي، لا بوصفها حالات استثنائية أو معزولة. فشهادات النساء لا تقتصر على استعادة الألم، بل تنطوي على فعل سياسي يعيد تعريف مفاهيم العدالة والمساءلة من منظور نسوي، ويربط بين التجربة الشخصية والمطالبة العامة بالإنصاف وعدم التكرار.

أنماط التغطية الإعلامية: بين الرسمي والمستقل

أظهرت غالبية تغطيات الإعلام الرسمي إعادة إنتاج أنماط تمثيل تقليدية، إذ ظهرت النساء، غالباً، في صور هامشية أو ضمن أدوار سلبية، كضحايا أو أمهات ثكالى، مع غياب واضح لحضورهن بوصفهنّ فاعلات في المجال العام. وتشير الصحفية داليا عبد الكريم، في مقال بعنوان: «النساء في الخلف دائماً: نصف المجتمع خارج الصورة!»، المنشور على موقع سناك سوري، إلى أن «النساء غبن بشكل شبه كامل عن جميع فعاليات لقاء وجهاء وأعيان القرى» (في مناطق ريفية متعددة، مثل ريف اللاذقية وحمص وغيرها)، وأن «معظم الصور التُقطت من الخلف أو في الصفوف الأخيرة»، ما يعكس ترابطاً بين واقع الإقصاء والممارسة الإعلامية ذاتها.

وفي هذا الصدد، تلاحظ نور مشهدي أن النساء يُدعَين أحياناً إلى فعاليات سياسية من دون مراعاة ظروفهن المهنية والعائلية، إذ يُبلَّغن قبل وقت قصير لا يسمح لكثيرات منهن بالحضور، ما يؤدي عملياً إلى اقتصار المشاركة على الرجال. وينعكس هذا الخلل التنظيمي، حتى لو عُدّ «غير مقصود»، على غياب النساء من المشهد الإعلامي الرسمي، وبالتالي من رواية العدالة الانتقاليّة.

«عدم إحداث تغيير جذري في المنظومة القانونية، بما يشمل قانون العقوبات وقانون الأحوال الشخصية، ستكون له آثار سلبية مباشرة على سير العدالة الانتقالية»

وتربط ديما الموسى، من جهتها، بين ضرورة الإصلاح القانوني ونجاح مسارات العدالة الانتقالية، وتقول: «عدم إحداث تغيير جذري في المنظومة القانونية، بما يشمل قانون العقوبات وقانون الأحوال الشخصية، ستكون له آثار سلبية مباشرة على سير العدالة الانتقالية. من الضروري إعادة بناء هذه المنظومة على أسس عادلة، مع ضمان تمثيل نسائي قوي، خصوصاً في مواقع القضاء. فحتى لو وصلت نسبة مشاركة النساء إلى 10% فقط، هل يُعتبر ذلك كافياً؟ يجب أن تكون النسبة أعلى بكثير لضمان عدالة حقيقية تحمي حقوق النساء وتعكس دورهن في المجتمع».

في المقابل، لا يبدو أن الإعلام الرسمي يسعى إلى معالجة مشكلة ضعف إشراك النساء، بل لا يزال يعتمد إلى حد كبير على تصويرهن متلقياتٍ للأحداث، أو حصرهن في أدوار خدمية مساندة، كالرعاية والعمل الإنساني، من دون إبراز دورهن كفاعلات في صنع القرار أو صياغة السياسات.

بينما تُظهر التغطيات الإعلامية المستقلة أنماطاً أكثر إيجابية نسبياً، من حيث إتاحة مساحة أوسع للنساء لسرد تجاربهن ومبادراتهن، مع إبراز أبعاد إنسانية واجتماعية متنوعة تعكس مشاركتهن الفاعلة في العمل المجتمعي والسياسي. كما تعتمد هذه التغطيات لغة تمكينيّة، وتستخدم أشكالاً صحفية تحليلية واستقصائيّة تُظهر الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية لتجارب النساء، من دون حصرها في سرديات المعاناة.

كما أظهر التحليل أن وسائل الإعلام المستقلة أسهمت في كسر احتكار الإعلام الرسمي للسرد العام، ومنحت إمكانية الوصول إلى الأصوات المهمّشة، ما وسّع نطاق التمثيل الإعلامي، وأتاح تغطية قضايا اجتماعية واقتصادية ونسوية بصورة أكثر تنوعاً وحريّة

ومع ذلك، لا تخلو التغطيات المستقلة من بعض الثغرات، إذ لا يزال الربط بين التجربة الفرديّة للنساء ومفاهيم العدالة الانتقاليّة وصناعة الذاكرة محدوداً. كما أن تمثيل بعض الفئات النسائية الأكثر تهميشاً، مثل النساء ذوات الإعاقة أو النساء من المناطق المهمّشة، ما زال ضعيفاً، وهو ما يحد من شمولية التغطية ويغفل المنظور التقاطعي.

الإصلاح الجندري في الإعلام: من البنية إلى الثقافة

يتطلّب تحقيق عدالة انتقاليّة شاملة إصلاحاً عميقاً في المشهد الإعلامي، يبدأ من السياسات التحريرية ويمتد إلى البنية المؤسساتيّة والثقافة المجتمعيّة، أي إعادة النظر في القيم والأعراف والممارسات الاجتماعيّة التي تؤثر في كيفيّة تصوير النساء وتغطية قضاياهن. ولا يقتصر هذا الإصلاح على تعديل القوانين أو اللوائح، بل يشمل مراجعةً شاملةً للممارسات الإعلاميّة التي أسهمت في تغييب أصوات النساء.

تقول نور مشهدي: «هناك نقصٌ في التدريبات والأدوات المتخصّصة، وقليلةٌ جداً المساحات الإعلاميّة التي توفر تدريباتٍ حول كيفية إعداد تقارير بحساسيةٍ جندريّة. كما أن هناك ضعفاً في وجود النساء في غرف الأخبار وتمثيلهن في مواقع اتخاذ القرار، ما يؤثر في سرد قصص النساء وبناء الذاكرة. نحن بحاجة إلى دعمٍ مستمرٍ للضحايا، وتوفير آلياتٍ عالية الحساسية لضمان توثيق آمن ومؤثر للانتهاكات.»

ويُعد إشراك النساء في مواقع صنع القرار الإعلامي خطوةً محورية لضمان توازن الخطاب وتصحيح التمثيل التقليدي للنوع الاجتماعي، إلى جانب تكريس مبادئ الحماية والمساواة الجندرية وحرية التعبير على مستوى السياسات والممارسات المؤسسية. غير أن الإصلاح الأعمق يبقى ذاك الذي يمس البنية الثقافية، أي تحويل الإعلام إلى أداةٍ لإعادة تشكيل الوعي الجمعي بأدوار النساء وموقعهن في التاريخ والذاكرة.

في هذا السياق، تؤكد نور مشهدي أهمية توثيق الشهادات النسائية بوصفه ممارسة حساسة ومهنية، مشددةً على ضرورة: «إنشاء مساحاتٍ حقيقية للنساء ليحكين تجاربهن ويقدمن شهاداتهن، فهن صانعات الأمل اللواتي حملن الألم طوال السنوات الماضية. ومن الضروري تخصيص مشاريع مستمرة ومنهجية، وعدم الاقتصار على سرد القصة بصورة سريعة وعابرة». وتضيف: «يتحتّم على المجتمع المدني والحكومة العمل معاً لضمان الوصول إلى هؤلاء النساء، وتقديم الدعم اللازم، ومساندتهن في سرد تجاربهن والمشاركة الفاعلة في مسارات العدالة الانتقاليّة». وبهذه الطريقة، يصبح التوثيق الإعلامي الحساس للنوع الاجتماعي فعلاً سياسياً يعيد إلى النساء أصواتهن، ويضعهن في صلب عملية العدالة الانتقاليّة.

إن توثيق الشّهادات النسائيّة في الإعلام السوري ليس مجرد نشاط أرشيفي، بل ممارسة (عداليّة) تعيد رسم حدود الذاكرة الجمعية من منظور جندري، وتؤكد أن النساء لسن هوامش في التاريخ، بل فاعلات في صناعته. ولا تكتمل العدالة الانتقالية، في جوهرها، من دون عدالة إعلاميّة تضمن التمثيل المتوازن لجميع الأصوات، وتبرز مقاومة النساء بدلاً من اختزالهن في موقع الضحية، وتمنح الذاكرة السوريّة فرصةً لأن تُروى بعدالة، بعيون من عشنها، لا بعيون من رواها بالنيابة.

أُنتج هذا المقال ضمن مشروع «دور الإعلام السوري في العدالة الانتقالية من منظور نسوي» في إطار الشراكة مع السفارة الفرنسية في سوريا
ويُنشر بالتعاون بين مؤسسة شبكة الصحفيات السوريات و صوت سوري

العدالة_الانتقالية_في_سوريا نساء_سوريا دور_النساء_في_المرحلة_الانتقالية

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0