× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

كيف تُنصف العدالة الانتقالية الغائبين وتُعيد الأمان للأحياء؟

حكاياتنا - خبز 12-10-2026

لزمنٍ طويل، بقي الحديث عن العدالة مؤجّلاً، محاصراً بالخوف ومُقصى من المجال العام. ثم جاءت لحظة سقوط النظام لتحوّل السؤال إلى استحقاق جدي وفعلي: كيف تُبنى عدالةٌ في مجتمع لا يزال كثير من أبنائه مفقودين ومفقودات، وثقته مكسورة، وذاكرته مثقلة بما لم يُكشف بعد؟

بين الفقدان الغامض وفقدان الثقة

يتسلّل الفقدان الغامض في سوريا إلى تفاصيل الحياة اليومية، ليحوّلها من روتينٍ مألوف إلى انتظارٍ غير مكتمل، انتظار يفتّش فيه الناس عن أثرٍ يرمّم يقينهم. ومع كل سنة تمرّ، يتّسع الشرخ بين العائلات والمؤسسات التي كان يُفترض أن تقدّم الحقيقة، لا الصمت. فالفقد هنا ليس حدثاً فرديّاً، بل تجربة جماعية تهزّ شعور السوريين والسوريات بالأمان والثقة والعدالة.

وجوه متعددة لانتظار واحد

لا يضرب الفقدان الغامض العائلات بطريقة واحدة، بل يتسلّل إلى أدوار مختلفة داخل الأسرة، وتتحمّل النساء العبء الأثقل منه. فالشقيقة، والأم، والزوجة، يعشن الفقد بأشكال متباينة، لكنهن يجتمعن في مساحة الصبر القسري والانتظار الطويل.

زينب الجمعة، التي فقدت شقيقها قبل ثلاثة عشر عاماً، تختصر هذا الوجع بقولها: «أقسى ما عشناه هو الأمل الزائف. سنوات نمشي وراء خيط واهٍ، لا نعرف إن كان حيّاً أو رحل، وكل ذكرى تجعلنا نستعيد الألم من البداية، وكأن الفقد حدث اليوم».

وكآلاف العائلات التي علّقت حياتها على خيط أملٍ هش، تعيش كل مناسبة، وكل عيد، وكل ذكرى أمام السؤال ذاته: هل ما زال هناك احتمال للعودة؟ وهذا حال جميلة التي تعيش وسط المسافة الموجعة بين الحضور والغياب، وبين الأمومة المعلّقة والأمومة التي تقاوم الانطفاء، إذ تقول: «أعيش بين أمّ لابن حي وأمّ لابن قد يكون راحلاً. لا أستطيع البكاء ولا الارتياح، كل ليلة أترك باب غرفته مفتوحاً كأنه سيعود، وهذا الانتظار يلتهم روحي».

وجع يرافق جميع النساء اللواتي ينتظرن الحقيقة منذ سنوات، فلا قلبَ يهدأ لأم، ولا عينَ تغفل لابنة، ولا الخوف يفارق زوجة فقدت معنى الشراكة الآمنة بين جدران منزل تحوّلت مساحته الدافئة إلى فضاء مزدحم بالأشباح. تصف سناء غياب زوجها: «غيابه سرق الأمان كله. صرت أخاف من الليل والرنين والطرق والأخبار، وحتى الحلم به صار وجعاً جديداً، فأصحو على جدار فارغ يعيدني إلى الحقيقة كل صباح».

تكشف هذه التجارب المتقاطعة أن النساء لسن فقط حاملات للوجع، بل فاعلات أساسيات في تحريك ملف المفقودين، وفي تحويل الصبر إلى فعل، والانتظار إلى مطالبة مستمرة بالحقيقة.

الفقدان بوصفه دافعاً للنشاط المدني

لم تكن الروابط مجرد تجمعات لأهالي المفقودين، بل كانت مساحةً لولادة جديدة للمعنى، إذ شدّت العائلات بعضها إلى بعض، ومنعت قصص الغياب من الغرق تحت ركام الخوف والصمت. يظهر صوت حسن عجم، رئيس مجلس إدارة «رابطة عائلات قيصر» في سوريا، الذي عاش تجربة الفقد بوصفها انقلاباً عائلياً كاملاً، فالأخ الأكبر، الذي كان ربّ الأسرة، اختفى، تاركاً فراغاً مضاعفاً ومسؤوليةً غير قابلة للتجاهل، ما دفعه إلى الانخراط في العمل الحقوقي في سبيل تحقيق العدالة المنشودة. يقول: «قضية المفقودين لا يمكن أن تُطوى. الروابط هي التي تحمي الذاكرة، وتطالب بالعدالة، وتراقب المؤسسات، وتمنع تسييس الألم، وتضمن بقاء صوت الضحايا حاضراً رغم كل محاولات التغييب».

في السياق السوري، لا يُطرح ملف المفقودين فقط ضمن فراغ قانوني أو سياسي، بل ضمن سياق صنعه النظام السّابق عبر سنوات من الانتهاكات الممنهجة، التي هدفت إلى تدمير ملف المفقودين، وطمس الأدلة، وتحويل الغياب إلى أداة رعب جماعي

وفي قلب هذه المساحات الجماعية، تحوّل الألم لدى كثير من النساء من عبء شخصي إلى مسؤولية عامة. وهذا ما حدث مع أمامة عبد الهادي، وهي عضوة في إحدى الروابط، انتقلت من الصدمة إلى الفعل، ثم إلى دور قيادي يعبّر عن أصوات العديد من النساء. تقول: «شعرت أن الوجع ليس ملكي وحدي، وأن عليّ تحويله إلى قوة. حين سمعت أوجاع العائلات أدركت أن دوري أن أكون يداً تسندهم وصوتاً لا يسمح للوجع أن يُدفن».

لقد أنتجت الروابط، من خلال هذا التنوّع في الأصوات، بيئة عمل جماعية تركّز على الحقيقة والذاكرة، وتدعم العائلات التي تُركت طويلاً في مواجهة فقدانٍ بلا مرجع.

حين يصبح الفقدان اختباراً للثقة بالعدالة

في السياق السوري، لا يُطرح ملف المفقودين فقط ضمن فراغ قانوني أو سياسي، بل ضمن سياق صنعه النظام السّابق عبر سنوات من الانتهاكات الممنهجة، التي هدفت إلى تدمير ملف المفقودين، وطمس الأدلة، وتحويل الغياب إلى أداة رعب جماعي، وتفكيك أي إمكانية للمساءلة. ضمن هذا الواقع القمعي، تشكّلت الروابط المجتمعية لعائلات المفقودين لتكون فعلَ مقاومة مباشراً في وجه الإنكار الرسمي، ووجدت نفسها مدفوعةً إلى التوحّد، وبناء أطر مستقلة تحفظ الذاكرة وتوثّق الانتهاكات.

في هذا الواقع الذي تفاقم خلال السنة الماضية، وخلق مساحات رمادية واسعة ضاعت فيها المسؤوليات ضمن فوضى أمنية تلت سقوط النظام، تداخلت الأدوار بين من يملك المعلومة ومن يحتكرها أو ينكرها، وبين من يريد مساعدة الضحايا ومن يحمل أجندات مختلفة. ومع غياب إطار وطني موحّد، تصبح العدالة مساراً هشّاً، ويغدو السؤال البسيط: أين هو؟ اختباراً قاسياً لقدرة الدولة والمجتمع معاً على بناء منظومة عدالة لا تقوم على الانتقام ولا على النسيان، بل على الحقيقة والمساءلة واستعادة الثقة المنهارة.

يشير المعتصم الكيلاني، المختص بالقانون الجنائي والدولي وحقوق الإنسان، إلى أن الفقدان الغامض ليس حدثاً فردياً، بل انتهاكاً قانونياً تتداعى آثاره على المجتمع بأسره، فيقول: «لا عدالة انتقالية دون كشف مصير المفقودين. فحق العائلة في المعرفة حق قانوني أصيل، وحرمانهم منه ينسف الثقة، لأن الحقيقة هي أساس الكرامة وأول شروط استعادة المجتمع لعافيته»

يُبرزُ هذا التصور حجمَ الشرخ الذي خلّفه الإنكار الرسمي والتعتيم، فالمؤسسات التي كان ينبغي أن تُسعف العائلات أصبحت بالنسبة إليهم مصدر ارتياب، ليس فقط نتيجة غياب المعلومة، بل نتيجة تراكم سنوات من الصمت الممنهج وتجاهل الملف. وهو ما جعل الثقة بالمؤسسات هشّة إلى حد الانهيار. وهذا ما يرويه أحمد الحويلي، الذي فقد أباه، فعاش الفقدان بوصفه مواجهة طويلة مع مؤسسات لا تقدم إجابات، فيقول: «تجاهل قضيتنا لسنوات خلق فجوة كبيرة. كنا نخاف من أي جهة رسمية، وحتى فاتورة الكهرباء كانت ترعبنا، ومع ذلك واصلنا البحث لأن صورة أحبابنا لم تفارقنا يوماً».

وما بين الخوف والبحث، يصبح كل تأخير في الكشف عن الحقيقة تراكماً لشعور أن الدولة بعيدة، والمجتمع مشغول، والعدالة مؤجلة إلى أجل غير مسمّى. في هذا المناخ المثقل بالانتظار، تصطدم الجهات العاملة على ملف المفقودين بتوقعات العائلات التي أنهكتها السنوات. يوضح الطبيب النفسي جلال نوفل، والاستشاري في هيئة المفقودين التي تأسست إبان سقوط النظام، طبيعة هذا التحدي قائلاً: «أهم تحدٍّ واجهناه هو اعتقاد الناس أن تشكيل الهيئة يعني فوراً تحديد مصائر أحبّتهم. الخطوة الأولى تتمثل في فرز الوثائق المؤكدة للمصير، أو بدء إجراءات الطب الشرعي اللازمة، مع ضمان إشراك الأهالي في كل تفصيل، والتواصل الدوري معهم لإطلاعهم على ما يجري في مسار الكشف عن المفقودين». ويصف نوفل الفقدان الغامض بوصفه حالة نفسية معلّقة تستنزف الإنسان من الداخل: «الفقدان الغامض يعلّق الإنسان بين حدّين لا يلتقيان، فلا يستطيع إعلان الحداد ولا إعلان الحياة. أما اليوم فيجب التعامل مع ملف المفقودين وأهاليهم كمحنة وطنية، لا كموضوع استغلال أو تجارة».

الإعلام شريك في العدالة

في ملف شديد الحساسية كملف المفقودين، يتحوّل الإعلام إلى فاعل مؤثر، فإما أن يدعم مسار الحقيقة أو يعمّق الجراح. فالعائلات التي تنتظر خبراً منذ سنوات لا تبحث عن سبق صحفي، بل عن معلومة دقيقة تحترم هشاشتها وحقها في المعرفة دون إيذاء. وتشير الصحفية حسناء عيسى إلى هذه الإشكالية بوضوح حين تقول: «ملف المفقودين يحتاج إعلاماً دقيقاً لا يخضع للترند. لأن نشر معلومة غير مؤكدة يفتح جروحاً جديدة، والتحقيقات الاستقصائية وحدها قادرة على إنصاف الحقيقة وحماية العائلات من الأذى».

الإعلام المطلوب في هذا السياق هو إعلام يتحقق قبل النشر، ويوازن بين حق الجمهور في المعرفة وحق العائلات في عدم التعرض لصدمة متجددة. ويُنتظر منه أن يلعب دوراً رقابياً مستمراً، عبر متابعة عمل الهيئات المعنية، ومساءلة الجهات الرسمية، ونقل صوت العائلات بوصفه صوتاً حقوقياً لا مادة عاطفية عابرة. فالتغطية غير المسؤولة لا تُربك الحقيقة فحسب، بل تُضعف الثقة العامة، وتمنح الصمت مساحةً إضافية للاستمرار.

لا يستقيم الحديث عن عدالة انتقالية في سوريا ما لم تُكشف الحقيقة كاملة وتُستعاد الثقة المفقودة. فمعرفة مصير الغائبين ليست مطلباً عاطفياً، بل شرط لعودة الأمان إلى الأحياء، ولقدرة المجتمع على الخروج من دائرة الخوف إلى مستقبل تُبنى فيه العدالة على الاعتراف، لا على الصمت.

أُنتج هذا المقال ضمن مشروع «دور الإعلام السوري في العدالة الانتقالية من منظور نسوي» في إطار الشراكة مع السفارة الفرنسية في سوريا
ويُنشر بالتعاون بين مؤسسة شبكة الصحفيات السوريات و صوت سوري
العدالة_الانتقالية_في_سوريا سجن_صيدنايا المعتقلون_في_سوريا الاختفاء_القسري_في_سوريا

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0