× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

لغم وجرة غاز... وجهان لقصة عمرٍ مسروق

حكاياتنا - شعوب وحروب 12-10-2026

حتى الآن، لا توجد آليات أو سياسات واضحة مخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة في مسار العدالة الانتقالية، سواء من حيث ضمان الوصول إلى العدالة، أو التعويض المادي والمعنوي، أو تسهيل الإجراءات، أو المشاركة في تصميم العملية والرقابة عليها. هذا الملف يحتاج كثيراً من العمل، لأن المنظومة القانونية السورية، والثقافة السائدة عموماً، تفتقران إلى الحساسية اللازمة تجاه هذه الفئة، التي تضاعف حجمها خلال سنوات النزاع

«أنا ميت ميت، بس بدي ابني من بعدي يلاقي كسرة خبز ياكلها.» جملة يرددها أبو مروان وأنفاسه تحترق، خلاصة لقصة تحوّلت فيها الحقيقة، قسراً، إلى كذبة.

أمّا لسان الأم فيروي: 

في الليلة ما بعد الفاجعة، عاد الجميع إلى منازلهم لينالوا قسطاً من الراحة، أما أنا فعدت أجمع بقايا جلد ابني ولحمه عن الجدران. من يجمعها غيري؟ أنا أمه! بحثت عن أصابعه ودفنتها في الحديقة ذاتها. كنت أدفنها، لكن نار قلبي كانت تتقد بالانتقام.

بعد ساعات قليلة، طرق الجيران بابنا ليسألونا عما حدث. فما كان مني إلا أن نبشت المدفون، وذروت تراباً تشبّع بدماء طفلي، وقلت لهم: «تفضلوا، هاد يلي صار، ودمه يلي على الحيط رح يضل شاهد على كل شي». كنت أقول ذلك، ولا أستطيع أن أبوح بحقيقة الحكاية. كيف أقول لهم إن نصل الفرقة الرابعة على رقابنا؟ إما أن نعيش في جلباب كذبتهم، أو نختفي وراء الشمس، على حد تهديدهم.
يوميات ما حصل..

الأربعاء 28/7/2020 – الساعة 4:30 عصراً (لحظة الفاجعة)

كانت قوة الصوت المنبعث من الحديقة الداخلية للمنزل كفيلة بالإجابة عن التوجس والتوتر اللذين أكلا قلبي وروحي طوال اليوم، حتى إنني لم أستطع إعداد الغداء. هرعت إلى المكان لأكون الشاهدة الأولى والمكلومة الثانية.

كان ابني مضرجاً بالدماء، وصوته يسمعه الأموات من شدة الألم. علا صوتي مع صوته حتى انضم والده إلينا. حمله جارنا إلى سيارة الأجرة التي يعمل عليها والده، بينما أمسكني الجيران لأنني كنت حاملاً. أفلتُّ من كل الأذرع التي أحاطت بي، وصرخت أمومتي: هذا ولدي، دعوني وشأني.

لا أدرك أي قدرة إلهية أنزلت على روحي الصبر والاتزان لأحتضن طفلي، وهو غارق في الدماء، ينزف من كل مكان، وجسده ناقص الأجزاء. لم تكن له عينان واضحتان، ولا ملامح يمكن تمييزها. كانت كتلة من الدم تصرخ بين يدي. وأنا أناجي ربي: أنت وهبتني إياه، فيا رب، الطف به. وبين نيران صرخات ألمه، كان يقول: «ادفنوني جنب جدي!»

ما بين المعضمية ومشفى المواساة طريق خِلته رحلة لا تنتهي، وصحراء مقفرة لا يملؤها سوى الدم والألم.

في المشفى... يوم الفاجعة

ثماني ساعات تحت العمليات، وأنا أستذكر شريط الهجرة بعد أزمة المعضمية عام 2014، وذلّ العودة إلى بيت اغتصبته قذارة الفرقة الرابعة. تمنيت لو أننا لم نناضل لاستعادة حقنا في المنزل، ولو أننا لم ندفع ثمنه مرة أخرى على يد جد أولادي، صاحب العقار. ظننت لوهلة أن القضية انتهت، لكننا لم نكن نعلم أن الثمن الحقيقي كان ينتظرنا في مكان آخر.

ما أيقظني من دوامة اللوم والندم والتوتر هو خروج الطبيب طالباً منا الموافقة على بتر الساعدين. وهنا قُتلت مرة أخرى، لكنها لم تكن الأخيرة. كنت غارقة في دماء ابني أمام غرفة العمليات، وأخي يصبرني بقوله: «الله أعطاك إياه، والله بيتولاكم برحمته، قولي: الله.» وقبل أن أتجرع كأس الموت هذا، خرج ابني من العمليات مومياءً من الشاش، ليتبرأ منه المشفى قائلاً: خذوه إلى مشفى خاص، فلا مكان له هنا ولا في مشفى الأطفال.

أي مشفى خاص، يا هذا، ونحن لا نملك إلا قوت يومنا؟ وقبل أن تمضي نصف ساعة، كان أخي قد توسط لنا، ودفع ما دفع لندخله إلى العناية المشددة في مشفى الأطفال.

بعد مرور ثلاثة أشهر في المشفى

«يا الله... مشفى ببلاش، بس كل شي بمصاري!»، جملة تلخص رحلة ثلاثة أشهر قضيناها مع طفل فقد عينه اليسرى، ولم يبق من اليمنى سوى قدرة على الإبصار بنسبة 7%. أما جسده ووجهه، فقد نهشتهما الحروق والشظايا، وقضمت خصيةً وبعض أصابع القدم، ليُكتب على جبين ابني: ميتٌ بنبضٍ وروح.

كل شيء بمصاري. حتى ملاءة السرير المضرجة بالدم، أو الدواء، لم تكن تُغيَّر إلا بمقابل. ناهيك عن ثلاث إبر يومية كانت تُكلّف، حينها، 73 ألف ليرة، إضافة إلى تكاليف الشاش والمعقم والقطن.

بعين صناعية، وأطراف صناعية لم تعد تتناسب مع نموه، يحاول مروان أن يكمل حياته، ويكتب بما تبقى له من مفصل الكوع وبعض اللحم

تلصص الصيدلاني يوماً وأنا أشتري الإبر، ليقول لي هامساً: «تأكدوا أن الإبر تُحقن في السيروم. أنتم تشترونها صباحاً، والممرضات يبعنني إياها ليلاً». صفعة جديدة، ومتاهة أخرى، أنقذتني منها عائلة أخبرتني أن الجمعيات الخيرية هي السبيل والداعم. كل ذلك وأنا أسأل، والجنون يطرق أبواب وجودي: أي إنسانية جعلت من حماة الديار أولئك يرافقوننا على دراجاتهم النارية لحظة الحادث، في الوقت الذي لم يجرؤ فيه أحد من الجيران على اللحاق بنا؟ كانت دماء ولدي تُهدر، وهم يحيكون لنا رواية ما حدث. يقولون إنه انفجار جرة غاز، عوضاً عن الحقيقة: لغم من مخلفاتهم انفجر في منزلنا، رغم المبالغ الطائلة التي تقاضوها مقابل تمشيطه قبل عودتنا.

«جرة الغاز» الكذبة التي صدقناها بديلاً من الموت. وأي موت أشد من موتي هذا، أنا وابني؟ ثم انفجار آخر يهدد حياتنا، مع تكاليف تتضاعف يوماً بعد يوم، وحالٍ يقودنا إلى الشحاذة أو إلى ترك طفلنا على قارعة الموت.

الخميس 29/7/2020... اليوم التالي للفاجعة

في لقائنا الأول بعد العملية الأولى، قلت له: «مروان، عرفتني؟». قال: «إي ماما». قلت له: «كيف ذلك، والشاش يغطي عينيك؟». ليقتلني مجيباً: «ماما.. ريحتك وصوتك. ماما، مشان الله، ادفنوني جنب جدي!.»

أخبروني، أي صبرٍ ذلك الذي ينفعني؟ أي أمومة، وأي عواطف يتسع لها وجداني؟ أي جلدٍ تكلفته حين نادوني يوماً لأشهد تبديل الضماد الأول، فأجد أن مكان العينين بات زمردتين دمويتين فقط.

استصدرت ورقة من مدير المشفى، ووكلت والده بهذه المهمة، لأنني لم أعد أقدر على التحمل. حتى جنيني لم يحتمل أن يكمل مشقة الطريق، فأُجهض حملي في ثلثه الأخير، كما أُجهضت مشاعري وقبولي للحياة. ورغم أن صوت مروان، متألماً ومستغيثاً بالموت، كان يقتلني في كل لحظة، فإنني كنت أخاف أيضاً أن ينطفئ، ولو للحظة، لأنه كان الإشارة الوحيدة إلى بقائه. ذلك الصوت الذي سمعته كل الغرف، وعرف الجميع قصته.

بعد ثمانية أشهر على الواقعة

خرجنا من المشفى، لنعود إليه مجدداً بعد خمسة أشهر، لاستئصال العين الميتة. وهناك سُمح لي باستصدار تقرير طبي عن انفجار جرة الغاز وحالته الصحية، إذ كنا، قبل ذلك وخلال فترة العلاج، ممنوعين من أي نَفَس.

عدنا إلى العمليات، وإلى الترقيع الجسدي، وتغيير مواضع اللحم، حتى نعيد إلى بعض مناطق الجسم غطاءها البشري. عملية للعين الاصطناعية، وأخرى لا أدري لماذا. ومضى بنا الحال، وأنا قد دفنت مشاعري إلى جانب بقايا جسد ابني في حديقة منزلنا الداخلية.

ومع الأيام، تحولت إلى ممرضة تعقم وتضمد، وإلى معقبة معاملات تركض بين الجمعيات والدوائر. فتلك الجمعية تساعدنا مرة، وتتركنا للتسويف آلاف المرات. مساعدة تسبقها صور وفيديوهات لم ندرِ ما غايتها.

عام 2026... في بيت مروان

في حديث يطول حول تبعات الحادث، ومراحل العلاج، ونتائجه على الصعد الجسدية والنفسية والاجتماعية والدراسية، يجلس مروان في منزله متوارياً عن أصدقائه، ويقتصر خروجه على المسجد والمدرسة. وقد ترك مقاعد الدراسة في الفصل الثاني من الصف الثالث بعد الحادث، ثم عاد بعد عامين من الانقطاع إلى الصف نفسه بصفة طالب متسرب. كما خاض تجربة تعليمية جديدة باستخدام طريقة (برايل) في مدرسة المكفوفين في ضاحية قدسيا، ما حمّل الأسرة أعباء مادية وجسدية ونفسية إضافية، ولا سيما والدته التي كانت توصله إلى المزة، قبل أن تكمل حافلة المدرسة به الطريق.

لاحقاً، وبمساعدة إحدى المقربات، أُعيد فتح ملفه، وأُجريت له فحوص طبية جديدة، فعاد مروان إلى المدرسة العادية، وها هو اليوم يُكمل عامه الثالث في المدارس الحكومية، وهو في الصف السابع.

بعين صناعية، وأطراف صناعية لم تعد تتناسب مع نموه، يحاول مروان أن يكمل حياته، ويكتب بما تبقى له من مفصل الكوع وبعض اللحم. أما على الصعيد النفسي، فكانت والدته المعالج الأول ودرع الحماية من التنمر، الذي قاومته طويلاً، قبل أن تكبر معاناته مع تبدل الزملاء في المدرسة، وغياب التربية لدى بعضهم، ليجد نفسه اليوم جالساً وحيداً في المنزل، بينما يلعب إخوته خارجه.

أما الأعباء المادية التي ترهق الأسرة في منزل يفتقر إلى أساسيات الحياة، فمن الصعب وصفها أو الإحاطة بها. فالأب، الذي يعاني أمراض القلب والسكري وارتفاع ضغط الدم، يعمل ثلاثة أيام في الأسبوع على سيارة أجرة (سرفيس) يملكها شخص آخر. كما لا يخفي أفراد الأسرة قلقهم من ألا يحظى ابنهم بأي معونة أو راتب شهري أو تعويض عن العطل والضرر، لذلك يعلّقون آمالهم على الحصول على رخصة كشك تعين الأسرة على تجاوز ظروفها.

أما عن العدالة الانتقالية، فلم نلمس لدى الأسرة أي معرفة بمفهومها أو بآلياتها، ولا سعياً إلى البحث عنها، فهم ينتظرون معجزة تحمل عنهم عبء هذه القصة. وبعد البحث، تبيّن لنا أنه لم تُجرَ حتى الآن أي زيارة من أي لجنة، ولا حتى من المختار، لجمع بيانات أو معلومات عن الضحايا والناجين من الحرب في منطقتهم، على الأقل. وبينما تبقى الخطوة التالية مجهولة، يخيّم الخوف، ويستمر الصمت، تحت عباءة عبارة يرددونها: «هاد قدرنا.»

التبعات النفسية والاجتماعية لحالة مروان

تحمل الفاجعة التي حلّت بمروان وأسرته تبعات نفسية واجتماعية قد ترسم مساراً للوصمة الاجتماعية، بما يغيّر طبيعة العلاقات الاجتماعية. وفي هذا السياق، التقينا الدكتور طلال عبد المعطي مصطفى، الأكاديمي والباحث السوري المتخصص في العنف المجتمعي والتحولات الاجتماعية، لتحليل الأثر الاجتماعي للحادث.

يقول مصطفى: «تتسبب الإصابة بتغييرات جذرية في العلاقات، تبدأ من داخل الأسرة وصولاً إلى المجتمع الأوسع». ويوضح أنه على مستوى الأسرة «يحدث تغير في الأدوار، إذ يتحول الناجي أو الضحية من مُعيل إلى شخص يحتاج إلى الرعاية، ما يخلق ضغوطاً مالية ونفسية كبيرة، ويزيد إرهاق مقدمي الرعاية.»

أما على مستوى الأصدقاء والمحيط الاجتماعي، فيعاني الناجي أو الضحية من الانكفاء الاجتماعي وفقدان فرص المشاركة، «ما يقلّص دائرة الأصدقاء ويؤدي إلى تغير سلبي في هوية الفرد». ويؤكد أن التحدي الأكبر يتمثل في الوصمة الاجتماعية الناتجة عن الافتراضات المسبقة حول العجز والتمييز في فرص العمل، «إذ يُنظر إلى الناجي على أنه غير قادر تلقائياً، ويُحرم من فرص العمل».

حصر العدالة الانتقالية بجرائم النظام السابق ستكون له تداعيات على ضحايا الانتهاكات التي ارتكبتها أطراف أخرى في النزاع السوري

وبالحديث عن آليات بناء بيئة داعمة لتغيير هذه السلوكيات، يوضح مصطفى أن «هناك ضرورة ملحّة لبناء بيئة داعمة ترتكز إلى مبدأي التسامح والإدماج، والتركيز على قدرات الناجي لا على عجزه». ويضيف: «أما على مستوى المؤسسات والمدارس، فيجب ضمان تكامل الخدمات، وتدريب الكوادر، ولا سيما التدريسية منها، على التعامل مع التلاميذ المصابين، وتوسيع برامج التعليم الشامل، وإطلاق حملات توعية مدرسية للحد من التنمر والبلطجة.»

ويختتم مصطفى بمجموعة من الرسائل التي يراها أساسية: «يجب إطلاق حملات تُبرز قصص نجاح محلية، مع التأكيد على رسائل مثل: الناجي أو الضحية إنسان قادر ويستحق فرصة للعمل والمشاركة، والإعاقة ليست وصمة، بل جزء من واقعنا، والاحترام واجب.»

أين الاستجابة الرسمية؟ وأين خطط التوعية؟

على المستوى الرسمي، تابعت وكالة سانا للأنباء اجتماعاً تنسيقياً عقدته وزارة الطوارئ في 29 حزيران/يونيو، بمشاركة منظمات تابعة للأمم المتحدة، وتركز على مراجعة وإقرار الهيكلية النهائية للمركز الوطني لمكافحة الألغام في سوريا، في مسعى لتعزيز القدرات الوطنية ومواءمتها مع الممارسات الدولية.

وفي إطار الحد من المخاطر التي تواجه الفرق الميدانية، كشفت الوزارة عن إدخال تقنيات متقدمة للمسح الميداني لمخلفات الحرب. وأوضح معاون وزير الطوارئ، حسام حلاق، في تصريح تابعه موقع القناة الإخبارية السورية، أن هذه التجربة تمثل «خطوة نوعية» غير مسبوقة. كما أشار مدير المركز الوطني لإزالة الألغام، فادي الصالح، إلى أن التقنية الجديدة تتيح إنجاز مسح لنحو 10 آلاف متر مربع خلال 35 دقيقة فقط، ما يشكل فارقاً كبيراً في سرعة الاستجابة.

مبادرات أهلية سبقت المؤسسات

في موازاة هذه التحركات الرسمية، لم تنتظر المجتمعات المحلية اكتمال الهياكل الإدارية، فبرزت مبادرات أهلية في مناطق عدة، من بينها منطقة جديدة عرطوز. فبعد التحرير مباشرة، ومع عودة المدارس، وحتى لا تتكرر المأساة، سارعت فرق من المتطوعين المحليين – كنتُ من بينهم – إلى دخول المدارس، بمساعدة الجهات الأمنية المختصة في البلدة، حاملين على عاتقهم مهمة توعية الطلاب بمخاطر الأجسام الغريبة والألغام، في محاولة لسباق الزمن وحماية الأطفال من مصير يشبه مصير مروان، انطلاقاً من قناعة بأن الوعي المجتمعي هو خط الدفاع الأول قبل وصول فرق إزالة الألغام والتجهيزات التقنية.

العدالة الانتقالية... أين وصلت؟

وهنا برز سؤال مشروع: أين تقف العدالة الانتقالية اليوم في المشهد السوري؟ تجيب المحامية ديما موسى: «نص الإعلان الدستوري، الذي أُقر في آذار/مارس 2025، في المادة 49، على إحداث هيئة لتحقيق العدالة الانتقالية تعتمد آليات فاعلة وتشاورية، ترتكز إلى الضحايا، بهدف تحديد سبل المساءلة، وضمان الحق في معرفة الحقيقة، وإنصاف الضحايا والناجين، وتكريم الشهداء.» وتوضح أنه، استناداً إلى ذلك، شُكلت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، والهيئة الوطنية للمفقودين، بقرار رئاسي في أيار/مايو 2025، بوصفهما جهتين وطنيتين يُفترض أن تتمتعا بالاستقلالية في التعامل مع إرث الانتهاكات في سوريا.

وتضيف: «حتى الآن، أعدّت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية مسودة مشروع قانون، لأن المنظومة القانونية السورية الحالية غير كافية لمعالجة الانتهاكات والجرائم التي تندرج ضمن سياق العدالة الانتقالية، إلى جانب العقوبات والتدابير والإجراءات غير القضائية. ووفق المعلومات المتاحة، تجري الهيئة مشاورات مع منظمات المجتمع المدني وجهات سورية ودولية حول مسودة القانون، وهي خطوة إيجابية.». إلا أنها ترى أن الإشكالية الأساسية تتمثل في أن مجلس الشعب لم يكتمل تشكيله بعد، ما يعني غياب السلطة التشريعية القادرة على إصدار القانون. كما أن انطلاق عمل الهيئة ما يزال بطيئاً وغير واضح، وهو أمر يرتبط، إلى حد كبير، بعدم إقرار القانون حتى الآن. وتلفت إلى أن المرسوم الرئاسي نص على أن عملية العدالة الانتقالية تعنى بالجرائم التي ارتكبها نظام الأسد، إلا أن القانون وحده كفيل بتحديد نطاق ذلك، محذرة من أن حصر العدالة الانتقالية بجرائم النظام السابق ستكون له تداعيات على ضحايا الانتهاكات التي ارتكبتها أطراف أخرى في النزاع السوري.

ماذا عن الحالات المشابهة لمروان؟

وعن الحالات التي تشبه حالة مروان، تقول موسى: «حتى الآن، لا توجد آليات أو سياسات واضحة مخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة ضمن مسار العدالة الانتقالية، سواء من حيث ضمان الوصول إلى العدالة، أو التعويض المادي والمعنوي، أو تسهيل الإجراءات، أو المشاركة في تصميم العملية والرقابة عليها. وهذا الملف يحتاج إلى كثير من العمل، لأن المنظومة القانونية السورية، والثقافة السائدة عموماً، لا تزالان تفتقران إلى الحساسية اللازمة تجاه هذه الفئة، التي تضاعف حجمها خلال سنوات النزاع».

وتضيف أن البنية التحتية والخدمات الحالية لا تراعي احتياجات هذه الفئة، مؤكدة ضرورة أن يصبح ذلك من أولويات المرحلة المقبلة، بما يضمن قدرتها على الوصول إلى الخدمات، والمشاركة الفاعلة في مختلف جوانب الشأن العام، بما في ذلك مسار العدالة الانتقاليّة.

وحول وجود آليات واضحة لربط العدالة الانتقالية بقضايا الأشخاص ذوي الإعاقة، توضح موسى: «جزئياً فقط. فقد تناول الإعلان الدستوري هذه الفئات عندما أكد أن العدالة الانتقالية يجب أن ترتكز إلى الضحايا والناجين. كما أن الهيئتين الوطنيتين للعدالة الانتقالية والمفقودين ركزتا، في أدبياتهما وتصريحاتهما ومشاوراتهما، على هذه الفئات. لكن، على أرض الواقع، لا تزال آليات المشاركة المباشرة في العملية وتصميمها غير مكتملة أو غير واضحة. كذلك، تركز الأدبيات الحالية على الضحايا بصورة عامة، وعلى بعض الفئات مثل المفقودين والنساء، بينما لا يحظى الأشخاص ذوو الإعاقة بالاهتمام نفسه، وما تزال معظم المبادرات في هذا المجال مجتمعية وغير حكوميّة.»

التوعية... خط الدفاع الأول

وانطلاقاً من ذلك، كان لا بد من سؤال الدكتور طلال مصطفى عن التوصيات المنهجية للوقاية، فيؤكد أن «رفع مستوى المعرفة والسلوك الوقائي يقلل احتمال التعرض للأجسام المتفجرة». ويشدد على ضرورة أن تبدأ التوعية بمسح شامل لمناطق الألغام، يشمل إعداد خرائط للمخاطر، وإجراء دراسات حول المعرفة والمواقف والممارسات لدى الفئات المختلفة، مثل الأطفال والمزارعين. كما يدعو إلى تصميم رسائل توعوية بسيطة وواضحة، باستخدام لغة محلية، تجيب مباشرة عن سؤال: ماذا تفعل الآن؟ مثل: «توقف، ابتعد عشرة أمتار، أبلغ رقم الطوارئ، لا تلمس». ويؤكد أيضاً أهمية تنويع قنوات التوعية، من خلال إدماج وحدات قصيرة في المناهج المدرسية، والاستفادة من وسائل الإعلام المحلية والمنصات الرقميّة.

في النهاية

إن المأساة التي عاشها مروان وعائلته تذكير مؤلم بالثمن الباهظ لمخلفات الحرب، لكنها في الوقت نفسه حافز على عدم الاستسلام. فمروان لا يقف اليوم خلف نافذة منزله وحيداً فحسب، بل يقف خلف جدار سميك من الخذلان المركب. خذلته الأرض التي سكنها، فزرعت في جسده موتاً موقوتاً، وخذله النظام المخلوع الذي أجبر عائلته على اعتناق كذبة «جرة الغاز» ثمناً للبقاء، كما خذله مجتمع يرى في أطرافه المفقودة عجزاً، وفي عينه المطفأة وصمة.

إن قصة مروان اليوم مرآة لواقع سوري بات فيه مجرد البقاء على قيد الحياة ترفاً لا يقوى عليه كثيرون. ففي بلد يطحن الغلاء عظام أبنائه، وتتحول فيه لقمة العيش إلى معجزة يومية، كيف لعائلة أن تنهض وهي مثقلة بقلب أب عليل، وجسد طفل نُهشت أطرافه وأحلامه؟ لقد أصبح مروان ضحية انفجارين: انفجار اللغم الذي بتر جسده، وانفجار الواقع الاقتصادي الذي يبتر مستقبله كل يوم، حتى غدت الأطراف الصناعية والعمليات الجراحية أحلاماً بعيدة المنال في ظل فقر ينهش أساسيات الحياة.
إن بقاء مروان حبيس جدران منزله، وبقاء أسرته رهينة العوز، ليس مجرد مأساة شخصية، بل إدانة يومية لضميرنا الجمعي. فقضيته ليست مجرد ذكرى مؤلمة، وإنما اختبار حيّ لنا اليوم: هل نكتفي بقراءة قصته، أم نسهم في بناء بيئة تحتضن عودته إلى الحياة، وتكفل له ولغيره حقهم في العدالة والكرامة؟

وتبقى العدالة الانتقالية، في جوهرها، جزءاً من الإجابة عن هذا السؤال، بما تتيحه من مسارات للمساءلة، وجبر الضرر، وحفظ الذاكرة، وضمان عدم التكرار. كما يبقى الحفاظ على سياقات الأحداث وسرديات الضحايا كما عاشوها، لا كما فرضتها السلطة السابقة، شرطاً أساسياً لأي عدالة تستحق اسمها.

أُنتج هذا المقال ضمن مشروع «دور الإعلام السوري في العدالة الانتقالية من منظور نسوي» في إطار الشراكة مع السفارة الفرنسية في سوريا
ويُنشر بالتعاون بين مؤسسة شبكة الصحفيات السوريات و صوت سوري
العدالة_الانتقالية_في_سوريا حقوق_ذوي_الإعاقة_في_سوريا

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0