× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

صوتٌ محاصر، جسدٌ مستهدف: نساءُ سوريا بين المحو والمقاومة

حكاياتنا - شعوب وحروب 14-10-2026

لم يكن سقوط النظام نهاية لآلة القمع، بل بدايةً لإعادة تدويرها بأقنعةٍ جديدة تستهدف أجساد النساء وأصواتهن في الفضاء العام. بين العنف الرقمي الميسَّر تكنولوجياً، والمحو الرمزي من المشهد الرسمي، والاختطاف القسري، يقدم هذا المقال قراءةً سردية ونقدية لطبيعة الهجوم الممنهج الذي يواجه نساء سوريا اليوم، ويستكشف لماذا يظل التضامن والعمل الجماعي سبيلاً أخيراً للنجاة والوجود

أفزعتني الاتصالاتُ المتفرّقة من أبي وصديقاتي. الهاتف اشتعل، بينما كنت غارقةً في نومٍ ثقيلٍ بعد نهارٍ طويل. فتحتُ الموبايل على إشعارٍ من صديقٍ لم أتحدث معه منذ أشهر: «قفلي صفحتك، هاجمين عليكي».

لم يكن السؤالُ الأول الذي قفز إلى رأسي: «ماذا كتبتُ؟»، بل: «في أيّ فرعٍ أمنيٍّ سأستيقظ غداً؟». لوهلةٍ، نسيتُ أن الأسدَ سقط. جسدي استدعى، بلا إذن، ذاكرةَ الخوف القديمة: الخوف من الاختفاء القسري، على يدِ النظام الثقيلة التي ظلّت تفتك لعقود.

لكن سرعان ما اتّضح أن العدو لم يكن بقايا النظام، بل أولئك الذين يدّعون أنهم «أحرار» و«ثوّار»، ومن يدورون في فلك السلطة الجديدة ويتفقون معها أيديولوجياً. جاء الهجوم من جيشٍ إلكترونيٍّ مدجّجٍ بحساباتٍ بأسماءٍ حقيقيةٍ ووهمية، يكررون شعارات الثورة ظاهريّاً، لكنهم يعيدون إنتاج أكثر أساليب النظام قذارةً، بنسخةٍ طبق الأصل.

كل ما فعلته أنني كتبت على صفحتي الشخصية في «فايسبوك» منشوراً خلاصته أن حملة «السويداء منّا وفينا» الإلكترونية تتضمّن سخريةً واستفزازاً لمشاعر الضحايا والمهجّرين، فكيف نحتفل بقريةٍ لم يدفن أهلُها أولادَهم بعد، ونقيم الاحتفال في مكانٍ مقدّسٍ لهم؟ وشبّهتُ ما حصل بجولة بشار الأسد القديمة في بابا عمرو، بما فيها من استفزازٍ لأهلها المهجّرين قسراً.

انطلق الهجوم من صفحةٍ تدعم السلطات الانتقالية، ولا أشك بأن القائمين عليها يدركون تماماً إلى ماذا قد يؤدي هجومهم بذلك الأسلوب. خلال ساعاتٍ، صار جسدي الرقمي ساحةً مفتوحةً للعنف. لم يُناقش أحدٌ الفكرة، بل تحوّلت المسألة إلى محاكمةٍ شخصية: شتائم جنسية، صور شخصية مسروقة، وتهديدات.

ليست هذه الحملة الأولى، سبق أن تعرّضتُ لحملتين مختلفتين، إحداهما استُخدم فيها التكتيك الأخبث: تسليح البنية الأبوية ضدي، بإرسال رسائل إلى أبي: «شوف بنتك… تدافع عن فلول النظام». كان الهدف نقل المعركة من الفضاء العام إلى أقدس مساحةٍ خاصة، في محاولةٍ خبيثة لتحويل الأب من سندٍ إلى أداةِ ضغطٍ ورقابة.

في المرتين السابقتين قررتُ المقاومة والاستمرار، لكن بعد الحملة الثالثة، شعرتُ بالإرهاق يلتهمني. لم أعد أملك طاقةَ الردّ أو المواجهة. أغلقت صفحتي نهائياً، لأكتفي بنشر مقالاتي ونشاطي المدني بعيداً عن «السوشيال ميديا». لقد انتصر الاستنزاف الممنهج، وهذا الانتصار هو الهدفُ السياسيّ الفعليّ لهذه الحملات.

أنا بِتول، من بابا عمرو. أنتمي إلى عائلةٍ انتفضت منذ 2011 وصمدت حتى سقوط الأسد. صوتي مُزعِجٌ لهم، وإسكاته واجبٌ.

كراسي السلطة الجديدة

ما حدث معي ليس حادثةً فردية يمكن طيُّها في خانة الصدفة، بل هو نمطٌ متكرّر يمكن تتبّعه بسهولة بين أسماء ووجوه كثيرة: فرح يوسف، جود حمادة، وصديقات أعرفهنّ شخصياً. نساء انسحبن من الفضاء العام أو تحوّلت حساباتُهنّ إلى واجهاتٍ رماديةٍ بلا صور. في هذه الحروب الرقمية، لا تُستهدف الأفكار بقدر ما تُستهدف الأجساد، وبدل أن يكون السؤال: «ماذا قيل؟»، ينصب الاهتمام على «من هي التي قالت؟».

ليس الأفراد وحدهم في مرمى النيران، فبعد أحداث السويداء في تموز/يوليو 2025، بدأت قنواتُ تلغرام بنشر صورٍ شخصيةٍ لفتياتٍ من هناك. هذا ليس مجرّد تشهير، إنه هجومٌ سياسيٌّ على الجماعة بأكملها عبر أجساد نسائها، ورسالة إرهابٍ جماعيٍّ تقول بوضوح: كرامتكم يمكن دوسُها بفضح امرأةٍ واحدةٍ منكم.

الخلاصة القاسية واضحة: لم تكن النساء يوماً «هامشاً» للصراع، بل مسرحَه وحدوده وسلاحَه. كل سلطةٍ، قديمةً كانت أو مستجدّة، تحاول أن تُحكم قبضتها عبر أجساد النساء وأصواتهنّ ومساحات حضورهنّ

النمط يتكرّر مع ضحايا متعدّدات بأساليب تكاد تكون متطابقة: تشهير، سرقة صور، تهديدات جنسية، ورسائل إلى العائلة، وعميقاً تكمن غاية واحدة: إسكات المرأة أو دفعها للانسحاب من المشهد العام. غيابُ محاسبة المهاجمين يمنحهم حصانة، أما «الحاضنة الأبويةٌ» فتعطي الاعتداء شرعيةً اجتماعية، بينما يعلو خطابٌ فاشيٌّ يعيد إنتاج المرأة كرمزٍ مشحونٍ بالعار، لا بوصفها فاعلاً سياسيّاً.

تلتقي هذه الممارسات مع ما تسميه الأدبيات الحقوقية «العنف القائم على النوع الاجتماعي الميسَّر تكنولوجياً» (Technology-Facilitated Gender-Based Violence - TFGBV).
وبالانتقال من الاستهداف الرقمي المباشر إلى المشهد الرسمي، نجد أن محو النساء يمتد إلى كل واجهات الدولة الجديدة، فالحكومة لم تضمّ سوى وزيرة واحدة فقط، وحضورُ النساء في الاجتماعات واللقاءات الرسمية ضئيلٌ جداً، يكاد يختفي وسط بحر الرجال.

حضورُهنّ الرمزي يكرر الرسالة نفسها: النساء موجودات، لكن بلا قوة، بلا قرار، وبلا فعلٍ سياسيٍّ حقيقي. وكما كتبت منال السهوي في مقالها على موقع درج:
«كل هذه الممارسات لا يمكن قراءتها إلا باعتبارها جزءاً من مشروعٍ سلطويٍّ ذكوريٍّ يُقصي النساء عن الفضاء العام، ويكرّس أدواراً نمطيةً تجعلهنّ مجرد تابعات، يُستعان بهنّ فقط عند الحاجة لتحسين صورة النظام أمام المجتمع الدولي...».

من الشاشة إلى الواقع

تبلغ المعركة ذروتها حين ينتقل العنف من الشاشة الزرقاء إلى الواقع المادي، حيث يتحول الاختطاف والاعتداء إلى أدواتٍ مباشرةٍ لإخضاع الجماعة بالمرور فوق أجساد نسائها. وهذا ما نراه فعلاً في تزايد عدد المخطوفات السوريات من الطائفة العلوية، والفتيات المغيّبات اللواتي اختُطفن أثناء الأحداث الميدانية.

الاختطاف هنا ليس عشوائياً؛ هو فعلٌ ممنهج يوجّه صدمةً جماعيةً لكل النساء. فالنساء اللواتي ينجون يجدن أنفسهنّ محاصراتٍ بالخوف، يمارسن العنف الوقائي على أنفسهنّ: يقلّ ظهورُهنّ في الفضاء العام، تنسحب كثيراتٌ من الدراسة والعمل، ويصبح المنزل مأوىً وقلعةً في آنٍ واحد. ليصبح الخوف آليةَ تحكّم، وسلاحاً إضافياً لإخضاع المجتمع بأكمله، وسط صمت مزدوج: صمت الأجهزة الرسمية وغياب الحماية، وصمت كثير من المنظمات النسوية والمجتمعية التي ترددت في تحويل هذه الانتهاكات إلى قضية رأي عام أو إطلاق حملات مناصرة فعلية.

بالتأكيد، لا يقتصر «إسكات المختلفين» على النساء فقط، فأصواتٌ رجاليةٌ أيضاً تُكمّ، والاضطهاد السياسي عام في البلاد. لكن الفرق الجوهري أن العنف ضد النساء مضاعف، إذ يلتقي فيه إسكات الرأي السياسي مع الهجوم على الجسد والسمعة والوجود الاجتماعي، ما يجعله أداة بالغة القسوة لوقف المشاركة العامة للمرأة.

إنذارٌ مبكر لـ «الماكينة التي لا تتوقف»

الخلاصة القاسية واضحة: لم تكن النساء يوماً «هامشاً» للصراع، بل مسرحَه وحدوده وسلاحَه. كل سلطةٍ، قديمةً كانت أو مستجدّة، تحاول أن تُحكم قبضتها عبر أجساد النساء وأصواتهنّ ومساحات حضورهنّ.

هذا ليس استثناءً سورياً، إنه جزءٌ من مشهدٍ عالميٍّ وإقليميٍّ تعرفه معظم نساء الشرق الأوسط: السلطة تُعلن نفسها دائماً من بوابة الجسد المؤنث. نظام الأسد كان تجلياً فجّاً لهذه الحقيقة. وإذا كان هذا التضييق يتفشى اليوم بشكل أشبه باستراتيجية متكاملة لإخراج النساء من الشارع، فإن تتبع جغرافيا الألم يعود بنا إلى شمال غرب سوريا قبل سقوط الأسد، حين كانت المؤشرات والدراسات الحقوقية (مثل تقارير ACAPS والخوذ البيضاء وسوريون من أجل الحقيقة والعدالة) تشكل إنذاراً مبكراً يحذر من ماكينة قمعية متكاملة الأدوار، تتضافر فيها السلطات مع البنية المجتمعية والأبوية لتطويق النساء وإقصائهن، كما يوضح المخطط البصري التالي:

تلك الوقائع التي لخصها المخطط تُظهر الماكينة وهي تعمل بتواترٍ واحد، والتحذير اليوم بات واضحاً: الاستجابة يجب أن تحصل الآن، لا غداً. لا بد من حماية المنابر الرقمية والقانونية، وتحصين المنظمات من الابتزاز، وكسر تحالف «السلطة/المنبر/العائلة» الذي يعيد تدوير الصمت، وإلا رجعنا إلى المربع الذي نعرفه جيداً: شاشة زرقاء تمهِّد الطريق إلى قفصٍ أضيق.

لا انكسار مهما حصل

أعود إلى قصتي بكل زواياها المظلمة وآثارها النفسية والاجتماعية: خلال الحملات الإلكترونية الشرسة، شعرتُ لبعض الوقت بالإرهاق يلتهمني، ولم أعد أملك طاقة الردّ، فقررت إغلاق صفحتي الشخصية على «فايسبوك». لكن هذا الانسحاب من المنصات المفتوحة والمستنزفة لم يكن انكساراً أو استسلاماً، بل كان إعادة تموضعٍ ذكية: لقد نقلتُ معركتي وصوتي إلى مساحات أعمق وأكثر تحصيناً، محاولاتُ إسكاتي صقلت أدواتي وجعلتها أكثر صلابة. من بوستٍ عابر إلى مقالاتٍ على منصاتٍ فكرية هامة، ومن «ستوري» قصيرة إلى عمل مدني مؤثر، أواصل بناء قدرتي على المقاومة بالكلمة والفعل. قصتي مع الحرب، مع معارضة نظام الأسد، مع شهداء الحرية، تشكّل التزاماً أخلاقياً لا يمكنني التراجع عنه.

كل فقدان، كل تهديد، وكل لحظة خوف، صاغت في داخلي عزيمةً أعمق، وعلّمتني أن المقاومة ليست شعاراً بل فعلٌ مستمرّ، وفضاءٌ نُخلق فيه أدواتٍ للحياة والكرامة.

وهكذا، كما تعلّمت النسويةَ الفطرية من النساء حولي - من أمي، من الجارات، من نساء الشوارع المحاصرات بالقذائف اللواتي يرفعن الرضيعَ بيدٍ ويكفّنَّ جراحَ الذاكرة باليد الأخرى - أدركتُ أن المقاومة الحقيقية هي العملُ الجماعي: بناءُ شبكات دعمٍ وأمان، توثيقُ الواقع، ومشاركةُ القصص، واستمرارُ الحضور رغم كلّ القيود.

المقاومة لم تعد خياراً، إنها واجب، واجبُ الحفاظ على صوتنا، على وجودنا، وعلى قدرة الأجيال القادمة على أن تكون حرّة. نساءُ سوريا مقاومات، وبقوةِ صوتهنّ وفعلهنّ سنعيد صياغةَ المساحة العامة، ونصنع التاريخ من جديد، حتى في أصعب الظروف.

أُنتج هذا المقال ضمن مشروع «دور الإعلام السوري في العدالة الانتقالية من منظور نسوي» في إطار الشراكة مع السفارة الفرنسية في سوريا.
ويُنشر بالتعاون بين مؤسسة شبكة الصحفيات السوريات و صوت سوري
العدالة_الانتقالية_في_سوريا نساء_سوريا دور_النساء_في_المرحلة_الانتقالية

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0