«بكينا من الفرح يوم التحرير. ظننا أننا لن نعيش هذه اللحظة أبداً»، تقول ناديا (اسم مستعار)، من دمشق، وهي خريجة كلية الاقتصاد ووالدة لطفل. في 2013 اضطرّت ناديا وزوجها للجوء في تركيا، إذ كانا معرضين لخطر الاعتقال بسبب نشاطهما السياسي والمدني المعارض للنظام السابق، وبعد سقوطه، عادت مع أسرتها للاستقرار في حي القابون.
تعاني ناديا من قصور في الغدة الدرقية، وحين اضطرت إلى استبدال دوائها التركي بآخر محلي، تدهورت حالتها الصحية. تقول: «أخبرتني الطبيبة أن جسمي اعتاد على المادة التركية.
عدتُ بالذاكرة.. حتى الدواء تغيّر، لم يعد يشبه نفسه»، ثم تصف مشهد العودة إلى منزلها في حي القابون: «حين عدنا، كانت الصدمة أكبر مما توقعت. تحوّل القابون إلى رماد وركام، بعدما قصف جيش النظام السابق المنازل، وفجّر ما تبقى منها بذريعة وجود أنفاق ومخلّفات للمعارضة، ثم عمل على ترحيل الأنقاض تمهيداً لمخطط تنظيمي كانت حكومة النظام السابق تنوي البدء بتنفيذه».
شهد حيّ القابون قصفاً متواصلاً، ووقعت فيه مجازر متكررة، وفُرض عليه حصار خانق في العام 2012، ما جعل العودة إلى المنازل مستحيلة. علاوة على شبح ضياع الملكيات في ظل استمرار العمل بقرارات أصدرها النظام السابق. وتعود كثير من الأسر إلى منازل مهدمة أو مسلوبة أو مباعة، فيما لا تزال تشريعات، مثل المرسوم التشريعي رقم 66 والقانون رقم 10، نافذة.
تقول ناديا: «يتقاعس قسم لا بأس به من أهالي القابون عن ترميم محالهم، فهناك مخاوف مستمرة من استكمال المخطط التنظيمي على غرار مشروع ماروتا سيتي، والمرسوم 66، والقانون رقم 10، بسبب صعوبات إثبات الملكية بالنسبة إلى المهجّرين/ات، وآلية تعويض أهالي الحي. أعطانا والداي منزلاً بصورة مؤقتة، بعد إخلائه من المستأجرين، ريثما نتدبر أمر سكننا، بسبب عرض المنزل الذي نقيم فيه حالياً للبيع. كما انخفض راتب زوجي من جهة عمله السابقة، بعد افتتاح مكتبهم في دمشق، إلى 55% مما كان يتقاضاه في تركيا. ثم جاءت الصدمة الثانية: الرواتب، مهما كانت، لا تكفي».
قصة ناديا ليست فريدة، فبحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عاد أكثر من مليون ومئتي ألف لاجئ سوري إلى سوريا منذ سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024. وذكرت المفوضية، في تقريرها الصادر في 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، أنها سجّلت عودة 1,208,802 لاجئ، معظمهم من تركيا، تليها لبنان والأردن، إضافة إلى أعداد أقل من دول أخرى.
«سقوط النظام حررني... لكن أين أسكن؟!»
«بعد التحرير، بتّ أستطيع السفر إلى سوريا قريباً، وأصبح حلمي برؤية والديّ حقيقة، خاصة بعد خروج قسد من منبج عقب سقوط النظام»، يقول أحمد، من ريف حلب، وهو ناشط إعلامي خلال الثورة، متزوج وأب. اضطر أحمد للهروب إلى تركيا عام 2014، بعد دخول تنظيم «داعش» المتطرف إلى منطقته، وعمل لصالح منظمة إغاثية. وبمجرد سقوط النظام، نقلت المنظمة مقرها إلى سوريا، فقرر العودة. إلا أن هذه العودة لم تكن بداية جديدة، بحسب وصفه. فمع حاجته إلى العمل بين دمشق وحلب، يواجه أحمد مشكلة السكن، يقول: «الإيجارات مرتفعة في العديد من المدن، ولا سيما المركزية منها، وتضاهي إيجارات المنازل في تركيا وأوروبا، رغم رداءة الخدمات وحاجة المباني إلى الترميم. كما أن الإيجار يُدفع مقدماً عن سنة كاملة، وأنا لا أملك هذا المبلغ لدفعه دفعة واحدة».
أما بالنسبة إلى الملكية، فيواجه أحمد، تقريباً، المشكلة نفسها التي تواجهها ناديا، لكنها تشكل تحدياً من نوع مختلف. «ضاعت الكثير من سندات الملكية تحت الركام. البعض وجد عقارات جديدة مبنية فوق أرضه، والبعض وجد منزله قد بيع مرات لأشخاص مختلفين». ويعدّ إثبات الملكية عنصراً أساسياً في ملف الحقيقة والتعويضات، وأحد أعمدة العدالة الانتقالية، بحسب أحمد، الذي يضيف: «من دون آلية شفافة، فإننا نخاطر بحرب جديدة على الملكيات».
ضاع الكثير من سندات الملكية تحت الركام. البعض وجد عقارات جديدة مبنية فوق أرضه، والبعض وجد منزله قد بيع مرات لأشخاص مختلفين
بالإضافة إلى ما سبق، يواجه العديد من السوريين/ات مشكلة الألغام والمخلّفات الحربية التي تمنع الزراعة والبناء، فضلاً عن السواتر الترابية التي أُنشئت على خطوط الجبهات السابقة. ويعلّق أحمد: «الكثير من العائدين مثلي لم يتمكنوا من زراعة أراضيهم أو البناء فيها بسبب وجود هذه المخلّفات والسواتر والألغام، ولا سيما في الأراضي التي كانت خطوط تماس بين النظام وداعش وقسد».
المدرسة التي لا تشبه الماضي
سجلت ناديا وزوجها طفلهما، بعد عودتهما إلى الوطن، في مدرسة حكومية في دمشق، إذ تعاني معظم المدارس الحكومية في ريف دمشق من تراجع في جودة التعليم، في حين تفوق كلفة المدارس الخاصة قدرتهما المادية. وتقول ناديا: «نتكبد مصاريف أجرة باص المدرسة من ريف دمشق إلى دمشق». كما تحتاج المدارس الحكومية في الريف إلى ترميم وتجهيزات، بينما تتمتع المدارس الخاصة بجودة تعليم مرتفعة، لكن أقساطها باهظة، مما يجعلها خياراً مستبعداً.
ويتحدث أحمد أيضاً عن تحدي التعليم في الوطن الأم، قائلاً: «جودة التعليم عائق حقيقي آخر في الوطن مقارنة بجودتها في بلد اللجوء. وعند انتقال العائلة بشكل كامل إلى سوريا، نحتاج إلى مدرسة جيدة».
تختم ناديا: «الوطن منهك مثلنا تماماً. تعمّد نظام الأسد تدمير كل شيء: بيوتنا، وأحلامنا، وذكرياتنا، وعُدنا اليوم لنُنقذ ما تبقّى منها. عزائي في العودة إلى الوطن هو لقاء العائلة والأهل، ولا سيما أبي وأمي عندما تستدعي الحالة وجودي إلى جانبهما. واكتشفت أن توافق الأفكار يكاد يكون مستحيلاً. فحافظت على الود، وابتعدت عن الخصام، وخفضت التواصل والتعاطي مع المحيط، فزادت عزلتي. أكثر ما صدمني هو الخذلان. كنت أنتظر الكثير من العطف والحب والمشاعر الجياشة في الوطن، لكنني لم أجدها. الحرب قضت على كل شيء، وغيّرته، وسرقته. عدتُ لأبحث عن ذاكرتي… لكن كل شيء تغيّر، أنا، والناس، والمكان».
يوافق أحمد ناديا قائلاً: «العودة ليست راحة، لكنها استقرار للروح. فرغم أنني أحمل جنسية أخرى، أشعر أنني أنام على أرض تفهمني. كان عزائي في بداية التحرير الفرحة بسقوط النظام، ثم تحرير المعتقلين. أما الآن، فمن أكثر ما يسعدني حرية الرأي لدى الناس. كما أن عدم وجود طيران يقصف المدن، وعودة المهجرين من المخيمات إلى مناطقهم، من أعظم ما يمكن أن أراه».
بيت بحاجة تحرير من الاعتقال!
عاد سعيد (اسم مستعار) بمفرده، تاركاً عائلته مؤقتاً في المملكة المتحدة، في انتظار إجابة أكبر عن سؤال الاستقرار الممكن. وسرعان ما اصطدم بإرث القمع الذي خلّفه النظام السابق، المتمثل في الحجز على ممتلكاته ومنزل العائلة بسبب نشاطه السياسي، سواء على أرض الواقع أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
يواجه كثير من العائدين والعائدات ارتباكاً عميقاً، وعدم وضوح في الهوية الشخصية والاجتماعية والدينية، ما يؤدي إلى القلق، وفقدان المعنى والهدف عند الشروع في بناء حياة جديدة في سوريا
يتحدث سعيد عن معاناته في رفع الحجز عن أملاكه، فيقول: «أملك وثائق تثبت ملكية منزلي، لكنني اضطررت إلى توكيل محامٍ لمخاطبة الجهات القانونية المعنية من أجل رفع هذه الحجوزات والقضايا المفبركة التي كان النظام يضطهدني بها. والحمد لله، رُفع الحجز». لكن سعيد يواجه أيضاً واقع الخدمات المنهكة، ما اضطره إلى استنزاف ما تبقى من مدخراته في مدينة أنهكها الغلاء وتراكم الأزمات، نتيجة التركة الثقيلة التي خلّفها النظام السابق.
حين تحمل الذاكرة والجسد ثقل ما بعد المنفى
تنتقل الشهادة من الحكايات الفردية إلى قراءة نفسية أوسع لما يعيشه العائدون/ات، عبر صوت مهني يضع هذه التجارب في سياقها العلاجي والاجتماعي.
تقول روجين شاويش، معالجة نفسية ومشرفة إكلينيكية في إحدى المنظمات: «إن انعدام الأمان والغموض اللذين تعيشهما سوريا اليوم لا ينعكسان فقط على مستوى المعيشة، بل يُنتجان حالة نفسية مركبة لدى العديد من العائدين/ات، تتجلى في مشاعر التوتر والخوف، وانخفاض المزاج، وضعف الثقة بالآخرين، والعزلة الاجتماعية، وصعوبة التكيف مع واقع يختلف جذرياً عن الأمان الذي اختبروه في بلدان اللجوء». وتوضح أن هذه الآثار لا تُختزن في الدماغ وحده، بل تنسحب على الجسد أيضاً، فتظهر على شكل آلام وأمراض مزمنة، ما يعني أن العودة لا تؤثر نفسياً فحسب، بل وجسدياً.
وتشير شاويش إلى أن كثيراً من العائدين والعائدات يواجهون ارتباكاً عميقاً، وعدم وضوح في الهوية الشخصية والاجتماعية والدينية، وهو ما يؤدي إلى القلق، وفقدان المعنى والهدف عند الشروع في بناء حياة جديدة في سوريا.
وتضيف: «الصدمات المتراكمة التي لم تُعالَج، والمخزنة في العقل والمكبوتة في اللاوعي، تشكل أحد أبرز عوائق التعافي. فالتعرض لأي محفز، سواء كان صوتاً أو مشهداً أو موقفاً، قد يعيد الشخص إلى لحظة الصدمة ويجعله يختبرها من جديد». وتوضح أن العقل لا يميز بين الماضي والحاضر، بل يتعامل مع الذكريات الصادمة بوصفها شظايا مؤلمة، تؤذي الفرد الذي اختبر الصدمات من دون معالجتها على نحو سليم، ما يفضي إلى حالة دائمة من انعدام الثقة بالمستقبل، ولا سيما لدى العائلات التي تحمل عبء القلق على مصير أطفالها.
ترى شاويش أن شعور الذل والإهانة، المرتبط بتجارب العديد من السوريين/ات السابقة والحياة الراهنة، يعمق الخوف من تكرار المأساة. في المقابل، منحت تجربة الاندماج في المجتمعات المضيفة كُثراً منظومة جديدة من القيم الشخصية والمهنية والاجتماعية، عززت الثقة بالنفس، والتقدير الذاتي، ورسخت الإحساس بالمعنى والهدف والقيمة الذاتية.
وعند العودة، ينشأ صراع داخلي بين ما اكتسبه الفرد في المنفى وما يواجهه في الوطن، وهو صراع ينعكس في عدم الاستقرار النفسي والاجتماعي، والتخبط في اتخاذ القرارات، وصعوبة التأقلم مع الواقع القائم. وتؤكد أن هذه المشاعر، على قسوتها، تبقى ردود فعل طبيعية لدى أشخاص تعرضوا لانتهاكات جسيمة واختبروا أحداثاً صادمة على مدى سنوات طويلة.
ويُنشر بالتعاون بين مؤسسة شبكة الصحفيات السوريات و صوت سوري