«ما ضل عندي ولاد، بكرا بس رجع على بلده رح ياخدن، وما يبقى عندي حدا». بهذه العبارة، وبلهجتها العامية، بدأت أم محمد حديثها وهي تبكي بعد انفصالها عن زوجها، الذي تصفه بأنه "جهادي مهاجر"، وتقول إنه حرمها من رؤية أطفالها.
تمثل قصة أم محمّد واحدة من مئات الحالات في سوريا، حيث أسفرت زيجات سوريات من رجال قدموا من الخارج، بدافع "الجهاد" أو العمل، عن ولادة أطفال لا يحمل كثير منهم وثائق ثبوتية، في ظل غياب عقود زواج موثقة أو تسجيل قانوني.
خلّفت هذه الظاهرة عشرات الزيجات والطلاقات والولادات التي لم تُسجَّل في دوائر الأحوال المدنية، إلى جانب مشكلات اجتماعية وقانونية بقي كثير منها بعيداً عن الأنظار خلال سنوات الثورة السّوريّة، فيما يُتوقع أن تظهر آثارها بصورة أوضح في السنوات المقبلة.
ينعكس غياب التسجيل الرسمي لهذه الولادات سلباً على مئات الأطفال الذين سيبقون دون قيود مدنية، ما يحرمهم من حقهم في الاسم والتعليم، إضافة إلى العديد من الحقوق والخدمات الأساسية الأخرى، فضلاً عن الوصمة الاجتماعية التي قد يواجهونها. وتنص المادة (28) من الفصل الرابع من قانون الأحوال المدنية السوري الصادر عام 2007 على أن تسجيل الزواج شرط لتسجيل ولدٍ مولود من زواج غير مسجل، في حين لا توجد سجلات رسمية لكثير من هذه الزيجات.
تواجه عملية توثيق هذه الزيجات عدة صعوبات، منها: عدم وجود أوراق ثبوتية للأب، إذ غالباً ما تُوقَّع العقود بهويات مزورة أو بأسماء مستعارة مثل "أبو كذا". إضافةً إلى ظروف الحرب والتهجير التي تعرض لها كثير من السوريين والسّوريّات، إلى جانب الخوف والفقر وانتشار البطالة، وهو ما دفع العديد من الأسر إلى تزويج بناتهن من رجالٍ مجهولي الهوية.
تقول المحامية سلاف رجب: «في كثير من الأحيان نواجه واقع عدم وجود الأوراق الثبوتية لتثبيت الزواج، والأهم، إثبات نَسَب هؤلاء الأولاد، فهم غير مسجلين ضمن القيود، لتبرز مشكلةٌ جديدة، وهي حرمان الأم من أطفالها في حال حصل انفصال»
وتشرح أن الأم تتمتع بحضانة الأولاد حتى سن الخامسة عشرة للذكور، ولغاية الزواج للبنات، وفق المادة 146 من قانون الأحوال الشخصية السوري، المعدل بالقانون رقم 4 لعام 2019. إلا أنه لم يرد نص يتعلق بحالة الأم المتزوجة من أجنبي أو مهاجر. ففي الحالات الطبيعيّة تبقى الولاية للأب حتى وإن كانت الحضانة للأم، ولا يمكنها الاحتفاظ بأطفالها إذا لم تكن لديها وثيقة قانونية تثبت أنها أمهم. أما في حالة النساء المتزوجات من أجانب، فتزداد الأمور صعوبة، لأن قانون الجنسية رقم (247) لا يمنح الأم السورية حق منح جنسيتها لأولادها، إذ تُحدد الجنسية على أساس جنسية الأب، فتُمنح الجنسيّة السّوريّة لمن يولد من أب سوري، بينما لا تُمنح تلقائياً لمن يولد لأم سورية من زوج أجنبي.
تختتم المحامية حديثها بالتأكيد على أن الأم التي لا تستطيع منح جنسيتها لأبنائها، لا تستطيع أيضاً تثبيت الزواج، وإنما يكون ذلك من قبل الزوج حسب قوانين بلاده أو عبر السفارة، إضافة إلى انعدام أي قوانين سورية تحمي الأمهات وأطفالهن. فالأب هو الولي، وإن كانت الحضانة للأم، ولا يمكنها السفر بالأطفال إلا بإذنه، كما لا تستطيع منعه من أخذهم في حال أراد ذلك. ويُجرد هؤلاء الأطفال من حقوقهم المدنية والتعليم وجنسية الأم. فإذا لم يُنفذ القانون الذي يتيح للأم منح جنسيتها لأطفالها، سيؤدي ذلك إلى ضياع حقوق كثير من الأطفال نتيجة عدم وجود الأوراق الثبوتية.
ينعكس غياب التسجيل الرسمي سلباً على مئات الأطفال الذين سيبقون دون قيود مدنية، ما يحرمهم من حقهم في الاسم والتعليم، إضافة إلى العديد من الحقوق والخدمات الأساسية
ظلت الدوائر الرسمية في سوريا، لفترات طويلة، لا تعترف بكل ما يصدر عن الدوائر التي كانت تعمل في المناطق الخارجة عن سيطرة دمشق، سواء ما يتعلق بإثبات غياب الزوج أو وفاته، ما جعل الحصول على هذه الأوراق أمراً بالغ الصعوبة، وفتح الباب أمام رحلة طويلة من الإجراءات القانونية التي قد لا تنجح في بعض الأحيان، الأمر الذي يؤدي إلى ضياع مستقبل هؤلاء الأطفال.
وتشير حالات كثيرة إلى أن الانفصال أو فقدان الأوراق الرسمية بسبب النزوح المتكرر، قد يضع الأمهات أمام صعوبات كبيرة في تثبيت أوضاع أطفالهن القانونية. ففي بعض الحالات، تتمكن الأم من منح طفلها صفة قانونية بعد تعاون أهل الزوج، بينما تفشل أخريات بسبب رفض أهل الزوج الاعتراف بالأطفال، ليبقوا من دون جنسية أو أوراق ثبوتية. وهي حكايات لا تحظى باهتمام كافٍ، وتجد فيها العديد من النساء أنفسهن وحيدات مع أطفالهن، عاجزات عن الحصول على أبسط الحقوق والخدمات.
دور المجتمع المدني
أُطلقت خلال السنوات الماضية حملات عدة ركزت على موضوع زواج السوريات من مهاجرين، من بينها حملة "مين زوجك" التي أطلقها ناشطون/ات، واستهدفت المجتمعات التي انتشرت فيها ظاهرة زواج السوريات من مهاجرين قدموا من خارج سوريا، ولا سيما ممن لا يملكون قيوداً أو بيانات سورية رسمية، وخاصة في منطقة الشمال السوري. ووثّق الناشطون/ات في الحملة (1735) حالة زواج، من بينها (1124) حالة لديها أولاد، بلغ عددهم (1826) طفلاً بلا هوية أو حقوق.
كما أُطلقت حملات مشابهة في عدد من الدول ركزت على القصور في قانون الأحوال الشخصية، من بينها حملة "جنسيتي من حقي" التي تطالب بحق الأم السورية منحَ الجنسية لأطفالها.
تقول حسناء عيسى، إحدى المشاركات في مبادرة «جنسيتي من حقكن» التي انطلقت عام 2017: «إن المبادرة جاءت نتيجة ازدياد أعداد الأطفال عديمي الجنسية بسبب زواج السوريات من مقاتلين أجانب، وبدأت الحملة برصد هذه الحالات».
وتوضح عيسى أن الأطفال عديمي الجنسية لا ينتجون فقط عن هذه الزيجات، بل أيضاً عن حالات أخرى، منها حالات الاغتصاب في السجون، إذ لم تكن هذه الحالات معترفاً بها من قبل نظام الأسد، ما جعل النساء غير قادرات على إثبات نسب أطفالهن وجنسيتهم. كما تشمل هذه الحالات نساء سوريات نزحن إلى دول اللجوء، مثل تركيا، وتزوجن زواجاً ثانياً من دون أوراق رسمية بسبب القيود القانونية هناك. وتبقى جميع هذه الحالات بحاجة إلى حل قانوني يضمن للأم السورية حق منح الجنسية لأطفالها.
وأطلقت الحملة بشكل علني عام 2020، من خلال أول دراسة لها حملت عنوان «بشر بلا حقوق»، حيث عُقدت العديد من جلسات النقاش والاستبيانات. وتتابع حسناء: «صادفنا حالات يكون فيها الأب فلسطينياً أو مصرياً أو يمنياً، وكان الأطفال يمارسون حياتهم اليومية، لكن ليس بصورة طبيعية فيما يتعلق بتجديد الإقامة أو العمل أو التعليم. فالخوف من الوصمة الاجتماعية وتهديد المجتمع لهم شكّل تحدياً في الوصول إلى هذه الحالات. واستطاعت الحملة توثيق أكثر من (800) حالة متضررة من عديمي الجنسية بشكل كامل أو ممن يحملون جنسيات غير سورية، إضافة إلى نحو (1000) طفل، والعمل معهم حتى حصولهم على أوراق شبه رسمية».
وتضيف أن الهدف بعيد المدى كان تعديل المرسوم التشريعي، مشيرةً إلى أن النظام السابق كان يرفض هذا الموضوع متذرعاً بموقع سوريا ومحاربة الإرهاب. وتؤكد أهمية إعادة طرح هذه القضية بعد زوال هذا النظام، لما لها من أثر مباشر على حقوق الأطفال ومستقبلهم.
حرمان الأطفال من الجنسية بسبب الهجرة
تواجه بعض النساء في بلاد المهجر تحديات كبيرة في إثبات نسب أطفالهن بسبب فقدان الوثائق الرسمية، وتعقيدات قوانين الأحوال الشخصية، وتضارب القوانين بين الدول. هذه الثغرات القانونية أدت إلى حرمان الأطفال من حقوق أساسية مثل الهوية، الجنسية، الميراث، والرعاية.
في معظم الدول الأوروبية تعطي المرأة الجنسية لزوجها ولأطفالها حتى لو كانوا من جنسيات أخرى. ويبقى السؤال الأهم: هل ستنصف قوانين الدولة الجديدة هؤلاء الأمهات أو الفئات من الأطفال؟ فالأمر يتطلب تغييراً جذرياً في القوانين، لتمتلك الأم حق منح الجنسية لأطفالها والحفاظ عليهم وتأمين مستقبلهم، وإلى الكثير من جلسات التوعية القانونية للنساء حول قانون الأحوال الشخصية وغيره من المسائل التي بات يتوجب على كثير من العائلات معرفتها في ظل ظروف الحرب والنزوح وفقدان الوثائق المدنية. وما هي الآثار التي ستترتب على هذا الحق من سلوكيات في المجتمع.
ويُنشر بالتعاون بين مؤسسة شبكة الصحفيات السوريات و صوت سوري