تُظهر متابعة الخطاب الإعلامي السوري خلال المرحلة الماضية أن الإعلام الرسمي ما زال يتحرك ضمن الإطار التقليدي نفسه، بوصفه امتداداً للسلطة التنفيذية.
في ورقة بحثية أصدرتها شبكة الصحفيات السوريات في آذار/ مارس 2025 بعنوان: «خطاب الكراهية في مواجهة المعلومات المضللة»، بعد رصد 66 مادة إعلامية بين 1 – 18 من الشهر نفسه، برزت ممارسات تمثلت في تغييب شهادات الضحايا، وتقديم جزء من الحقيقة وإخفاء جزء آخر، والتركيز على رواية واحدة تُقدَّم بوصفها الرواية الكاملة. مع ذلك، ترد هذه المقتطفات هنا لا بوصفها تقييماً للإعلام الرسمي، وإنما باعتبارها جزءاً من البيئة الإعلامية التي يتحرك ضمنها.
أمثلة من الإعلام الرسمي
لعلّ الاختبار الحقيقي لقدرة الإعلام الرسمي على استيعاب مفاهيم العدالة الانتقالية وتعددية الضحايا يكمن في كيفية تعاطيه مع الملفات الحساسة في المجتمع. وانطلاقاً من ذلك، رصدت معدّة التقرير إحدى حلقات البرنامج الحواري «على الطاولة»، الذي يُعرض على قناة «الإخبارية» السورية، وهي حلقة «قصص مختلقة.. إغراق الساحة السورية بسيل من الشائعات»، التي بُثت في السابع والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر 2025، وتناولت قضية المختطفات. لوحظ فيها أنماط من الخطاب الإقصائي، فبدلاً من التعامل مع بلاغات الفقدان بوصفها قضية حقوقية، إذ تبنى أحد ضيوف الحلقة - وهو يعمل في مجال الإعلام - خطاباً يصف المطالبين بكشف مصير المفقودات بـ «المدلسين» و«الفلول»، الذين اخترعوا الروايات لـ «النيل من الدولة». قد يسدّ هذا الربط بين وجع الأهالي والمؤامرة السياسية الطريق أمام أي إنصات منصف لشهادات الضحايا، ويحوّلهم إلى «أدوات تآمر»، بما ينسف أحد أسس العدالة، المتمثل في الاعتراف بالضحية أولاً.
بعدها، انتقل الخطاب إلى مستوى أكثر خطورة عبر استخدام العنف الجندري اللفظي، إذ فسّر الضيف نفسه غياب بعض النساء بادعاءات تطعن في سلوكهن الشخصي، مستخدماً مصطلحات مثل «البغاء» و«الهروب مع عشيق»، (بعض هذه «التفسيرات» سبق أن وردت على لسان المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا في مؤتمر صحفي رسمي). ورغم أن الاتهامات التي وردت ضمن الحلقة-النموذج جاءت على لسان الضيف الصحافي، فإن عدم تدخل مقدم البرنامج لضبط استخدام هذه الألفاظ المسيئة أو مساجلتها مهنياً، بل مجاراته للضيف في سياق النقاش، يجعل الشاشة الرسمية شريكاً حقيقياً في ترويج هذا الخطاب، ويوفر الغطاء المؤسسي له، وقد يؤدي ذلك إلى تخويف العائلات من المطالبة بالكشف عن مصير بناتها، إذ يقايَضُ الحق هنا بـ «السمعة المجتمعية». كما أن تسخيف المأساة عبر الطعن في شرف الضحية يمثل أحد أشكال خطاب الكراهية الذي يعيق الوصول إلى الحقيقة، ويُسهم في حماية الجناة من خلال تحميل الضحية مسؤولية ما تعرضت له.
لا يعكس الإعلام الرسمي تعددية الضحايا، ولا يأخذ في الاعتبار تعدد الجهات المسؤولة أو المتورطة في الانتهاكات، لأنه يقدّم سردية واحدة، هي سردية السلطة اليوم، رغم أنها كانت حتى الأمس القريب طرفاً من أطراف النزاع
كما يبرز في الخطاب الإعلامي الرسمي نمط آخر من التعميم الإقصائي، يتجاوز محاسبة المنتهكين ليتحول إلى وصم محافظة بأكملها. ففي نشرة «بتوقيت سوريا»، التي بُثت في الحادي والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر 2025، رُصد استخدام لغة وصم مكاني بحق محافظة السويداء، إذ وصفها مقدم النشرة بأنها ما تزال «تمثل إرث النظام البائد في تجارة المخدرات»، قبل أن ينتقل إلى الحديث عن ضبط شحنة مخدرات كانت في طريقها إلى الأردن، وعملية أمنية نفذها الأمن الداخلي في ريف دمشق. كما حملت النشرة عنوان: «بعد انسحاب الأمن منها.. السويداء تتحول إلى بؤرة لفلول النظام البائد وتجار المخدرات.». ويكمن الإشكال هنا في أن استخدام مصطلح «بؤرة» وربطه بهوية محافظة كاملة يمثل خطاباً قائماً على التعميم الجغرافي. وقد يفرغ هذا النمط من التغطية مبدأ المحاسبة من مضمونه القانوني، ويحوّله إلى شكل من أشكال العقاب الجماعي المعنوي، بما يغلق الباب أمام تعددية الأصوات داخل المكونات المحلية، ويمهد الطريق لشرعنة الحلول العسكرية على حساب الحلول الحقوقية والسياسيّة.
سردية واحدة في ملف متعدد الأطراف
يرى الصحفي السوري صهيب عنجريني أن الإعلام الرسمي في سوريا، ممثلاً بشكل رئيس بقناة «الإخبارية» ووكالة الأنباء الرسمية (سانا)، ما زال إعلاماً حكومياً وليس إعلاماً عاماً، وهو امتداد لما كان قائماً في زمن النظام السابق. ويعتبر أن هذا الخلط بين الإعلام الحكومي والإعلام العام ينعكس مباشرة على طريقة تعاطي الإعلام الرسمي مع ملف العدالة الانتقالية، إذ يتعامل معه بالطريقة نفسها التي يتعامل بها مع بقية الملفات: من زاوية تخص السلطات والحكومة.
يقول عنجريني: «لا يعكس الإعلام الرسمي تعددية الضحايا، ولا يأخذ في الاعتبار تعدد الجهات المسؤولة أو المتورطة في الانتهاكات، لأنه يقدّم سردية واحدة، هي سردية السلطة اليوم، رغم أنها كانت حتى الأمس القريب طرفاً من أطراف النزاع»، موضحاً أن هذا الإعلام لم ينقل، حتى اليوم، أي قصة عن عائلة لديها مختطفون في سجون إدلب مثلاً، كما تغيب عن هذه الوسائل أي إشارات إلى انتهاكات حصلت على امتداد سنوات طويلة، مثل مجازر عدرا العمالية ومخطوفي ريف اللاذقية الشمالي.
تتلاقى هذه الملاحظة مع ما رصدته الورقة البحثية من ميل إلى إبراز ضحايا جهة واحدة مقابل تغييب ضحايا جهات أخرى، وهو ما يخلق سردية غير مكتملة. يضيف عنجريني: «يمارس الإعلام الرسمي نوعاً من الانتقاء، فيبرز ضحايا وجرائم جهات معينة دون أخرى. صحيح أن الذاكرة الوطنية تقتضي توثيق جرائم النظام السابق، لكن هناك جرائم وانتهاكات أخرى وضحايا آخرين تتحمل المسؤولية عنهم أطراف متعددة، وبعض هذه الأطراف شريك في السلطة اليوم. وهذا يغيب عن كثير من وسائل الإعلام». ويتابع موضحاً: «لا يمكن الحديث عن عدالة انتقالية إذا كان الحديث يقتصر على مرحلة ما قبل سقوط النظام، لأن الانتهاكات والجرائم والقضايا المتعددة التي حصلت منذ 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 وحتى اليوم لا تقل خطورة، بل تحمل صبغة تجعلها أكثر إلحاحاً، لأنها تتعلق بشكل مباشر بالسلم الأهلي اليوم، الذي يعد الحفاظ عليه شرطاً أساسياً لنجاح العملية الانتقاليّة».
كذلك، انتقد عنجريني تبني الإعلام الرسمي سردية لا تعترف بالسياق الحقيقي لوقوع الضحايا، مشيراً إلى تكرار ذلك في السويداء، ثم في الجزيرة السورية. كما يلاحظ، بوضوح، وجود ازدواجية في استخدام المصطلحات، فمثلاً عند انهيار اتفاق العاشر من آذار/مارس بين دمشق وقوات «قسد»، استخدم الإعلام الرسمي مصطلحي «ميليشيا» و«انفصاليين» للإشارة إلى قوات سوريا الديمقراطية، أما خلال الاجتماعات التي عقدت لتنفيذ الاتفاق، فاختلفت التسميات، لتُسمى هذه القوات بتسميتها الحقيقية، معتبراً أن هذه التفاصيل تعكس نوعاً من البروباغندا التي تروج لسردية السلطة ومصطلحاتها.
ويحذر عنجريني من أثر الانحياز الإعلامي، قائلاً: «كل وسائل الإعلام المنحازة تساهم في تكريس التمييز بين الشرائح والفئات المجتمعية، وتسهم في توليد مظلوميات جديدة. والانحياز لمظلومية حقيقية لا يبرر إهمال مظلوميات أخرى مهما قل حجمها، لأن ذلك يؤدي إلى التشويش على العدالة الانتقالية والإضرار بها».
أصوات ضائعة
تُظهر الورقة البحثية حول خطاب الكراهية لشبكة الصحفيات السوريات أن تغييب الأصوات ليس حالة فردية، وإنما هو نمط متكرر في التغطيات، إذ تُبرز الروايات الرسمية أو شبه الرسمية، بينما تغيب شهادات الضحايا أو ذويهم. وينعكس هذا النمط بوضوح في قراءة الباحث جابر بكر، المسؤول عن ملف سوريا في مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية ضمن مؤسسة سمير قصير، إذ يشير إلى أن الإعلام الرسمي ما زال يرى نفسه إعلاماً مُكلّفاً بالدفاع عن الحكومة ومواقفها، أو يعتقد أن هذا دوره الطبيعي، وبالتالي لم يصل بعد إلى مرحلة يكون فيها إعلاماً عاماً يمثل وجهة نظر الشعب، لا وجهة نظر السياسيين الذين يديرون الدولة.
يرى بكر أن هذا التموضع يجعل التغطية محابية أو متجنبة للانتقاد، خصوصاً في الملفات الحساسة، ويقول: «هذا الملف من أكثر الملفات الشائكة، وهو يُدار بطريقة خاطئة من الحكومة ومن المجتمع المدني. هذه الجهات ليست كتلة واحدة، بل مجموعات متفرقة، بعضها شديد الوضوح، وبعضها شديد التمييع والتسويف، والإعلام يضيع بين كل هذه الأصوات، وغالباً ما يلجأ إلى ما يمكن تسميته "الحياد السلبي».
ويتابع بكر موضحاً: «جزء من العاملين في الإعلام الرسمي اليوم كانوا من الهاربين سابقاً من اضطهاد نظام الأسد، وكانوا يعملون في الإعلام البديل الذي كان يفتح النار على النظام وعلى أي فصيل يرتكب انتهاكات. فلماذا أصبحنا اليوم أمام إعلام منزوع الأظافر؟ إعلام لا ينجح ولا يفشل، لأنه ببساطة لا يقوم بدوره الحقيقي».
غياب الضحايا عن السرد الإعلامي
تتلاقى ملاحظات بكر مع ما وثّقته الورقة البحثية «خطاب الكراهية» حول تغييب شهادات الضحايا. ويقول: «وفق تعريفات هيئة العدالة الانتقالية، فإن الضحايا هنا هم ضحايا نظام الأسد حتى نهاية العام 2024، ومع ذلك فإن الأصوات الحاضرة هي فقط الأصوات المدرّبة على الكلام، أو التي تمتلك منصات ومساحات للظهور، بينما هناك مئات الأمهات والآباء والأخوات والزوجات والأبناء لم يسألهم أحد عن الضحايا الّذين يخصّونهم.»
الصحافة ليست بديلاً عن الدولة، وإذا أرادت أن تؤدي دوراً رقابيّاً، عليها أن تمتلك المعلومات، وأن تبني قواعد بيانات، وأن تعمل بجدية، وهذا غير موجود اليوم.
ويضيف: «الإعلام الرسمي كسول، يبحث عن الأشخاص الذين يعرفهم، بدلاً من أن يذهب للبحث عن أمّ معتقل في قرية بعيدة، أو عن زوجة مفقود لا تمتلك وسيلة للتواصل. وقد يبرر الصحفيون ذلك بضعف الإمكانات أو رفض الناس للحديث، لكن هذا ليس مبرراً كافياً»، محذراً من أن أثر هذا التغييب لا يقتصر على إعادة إنتاج العنف الرمزي، بل قد يمتد إلى إعادة إنتاج العنف الفعلي، لأن جزءاً كبيراً من معاناة أهالي الضحايا يتمثل في شعورهم بالعجز، وبأن لا أحد يسمعهم. وهذا العجز يولّد قهراً، والقهر يولّد غضباً، وقد يتحول الغضب إلى عنف.
فجوات المعرفة وضعف التخصص
ينتقد بكر غياب البيانات الدقيقة حول أعداد الضحايا والفئات الجندرية والطائفية والعرقية، وما ينعكس بدوره على التغطية الإعلامية، إذ يتحرك الإعلام بردّ فعل لا وفق خطة مبنية على المعرفة. ويضاف إلى ذلك أن الصحافة السورية، الرسمية وغير الرسمية، لا تمتلك صحفيين متخصصين في العدالة الانتقالية أو الإبادة أو التاريخ السياسي، وعليه فهناك من يتعامل مع ملف العدالة الانتقالية وكأنه فرصة للسبق الإعلامي أو لملء فراغ الحكومة، متسائلاً عن الجهة التي منحت هذه المؤسسات سلطة القيام بدور الحكومة. ويعتبر أن الصحافة ليست بديلاً عن الدولة، وإذا أرادت أن تقوم بدور رقابي، فعليها أن تمتلك المعلومات، وأن تبني قواعد بيانات، وأن تعمل بجدية، وهذا غير موجود اليوم.
إصلاح الإعلام… شرط للعدالة
يطرح بكر رؤيته لإصلاح الإعلام الرسمي بوصفه شرطاً أساسياً لبناء دولة العدالة، إذ يجب إلغاء الارتباط المباشر بين الإعلام والحكومة، وتحويله إلى إعلام عام يرتبط بمجلس الشعب أو بجهة مستقلة، كما في بعض التجارب الأوروبية، بحيث يُموَّل من المال العام لا من الحكومة، وتكون وظيفته خدمة المجتمع لا تلميع السلطة.
ويُنشر بالتعاون بين مؤسسة شبكة الصحفيات السوريات وصوت سوري