يقف الحاج عمر شيخموس، من أهالي ريف القامشلي، عاجزاً أمام ضيق حاله وشدة فقره، وفقاً لتعبيره. يقول: «أملك 400 دونم زراعية، زرعتها كلها الموسم الماضي بمحصول القمح، وخسرت نصفها بسبب الحريق الذي نشب، ولم تتمكن فرق الإطفاء من إخماده باكراً لشدة سرعة الرياح». يصمت لحظات، ثم يدعونا لدخول بيته، ويفتح أبواب خزائنه في المطبخ، قائلاً: «انظر إليها، إنها خاوية تماماً. لا عدس ولا برغل ولا شيء من مشتقات القمح».
يتحسر الحاج عمر على واقع حاله، هو الذي كان من ميسوري الحال مقارنة ببقية أبناء القرية، ويضيف: «احترق نصف موسمي، أما النصف الآخر فلم أتسلّم ثمنه (من الحكومة) بعد». ويختم: «صدقني، لقد تغيّرت موائدنا، وأصبحت أغلب الوجبات والمواد من الكماليات، بما فيها مشتقات الحليب. فالأغنام افتقدت المراعي بسبب كثرة الحرائق. وقلة مصادر الدخل تمنعنا من شراء العلف لها».
من حرائق المحاصيل إلى توقف صرف الفواتير
شهد الموسم الزراعي الماضي كارثة بشرية واقتصادية بحق أبناء محافظة الحسكة، إذ لم تكن النيران تخمد في مكان ما حتى تشتعل في مكان آخر. أشار المكتب الإعلامي في مديرية الزراعة بالحسكة إلى احتراق 24.144 دونماً من المحاصيل المروية والبعلية خلال ذلك الموسم، غالبيتها من القمح، فضلاً عن الأضرار التي طالت المعدات والتجهيزات الزراعية، والأشجار المثمرة، وشبكات الري والمرشّات الزراعية، والمساحات المزروعة بأشجار الزيتون والعنب. كما شملت الخسائر أكياس تبن وحصّادة زراعية من نوع 975 في بلدة كرباوي بريف القامشلي، ومحاصيل أخرى، وكلها ستتطلب نفقات إضافية لإعادة ترميم ما تضرر منها.
وكأن النيران التي أنهت طموحات مئات الأسر ومشاريعها لم تكن كافية لتغيير الواقع الاقتصادي في الحسكة، حتى بدأت بعدها معضلة جديدة لا تقل سوءاً عن الحرائق نفسها. فلم تُصرف فواتير الأهالي، ورغم كثرة الاجتماعات وتكرار الوعود بصرف المستحقات، استمر الانتظار قرابة أربعة أشهر منذ تسليم محاصيل الحبوب في حزيران/ يونيو الماضي. وتزامن ذلك مع نقص حاد في السيولة وتأخر دفع معظم الفواتير المستحقة، إذ لم تتجاوز نسبة الفواتير المصروفة اثنين في المئة من إجمالي الفواتير.
«أمضيت أكثر من أربع ساعات لصرف الفاتورة، علماً أن لي في ذمة الدولة 70 مليون ليرة لم أتسلمها بعد.. فعلاً، البطن الشبعان لا يشعر بالبطن الجوعان»
تكمن الأزمة الحقيقية في أن القمح يُصنّف محصولاً إستراتيجياً، وتُحظر تجارته خارج الأطر الحكومية الرسمية، إذ تفرض القوانين على المزارعين تسليم كامل محصولهم للمؤسسة السورية للحبوب، ما يحرمهم من خيار بيع أجزاء منه في السوق الحر للحصول على سيولة مالية عاجلة. ونتيجة لهذا الاحتكار الحكومي، يجد الفلاح نفسه رهينة لدوامة الفواتير المؤجلة وتوافر السيولة في المصرف الزراعي، فلا هو قادر على استرداد أمواله لشراء مستلزمات الموسم الجديد، ولا هو قادر على التصرف بمحصوله لمنح أسرته الأمان الغذائي المعيشي.
هكذا، يشكّل تأخر دفع المستحقات مشكلة مركبة. يتمثل طرفها الأول في افتقار الأهالي إلى المدخرات اللازمة لتغطية نفقات معيشتهم، بدءاً من تجهيز مؤونة الشتاء، مروراً بمصاريف المدارس والجامعات، وصولاً إلى النفقات الأخرى التي ارتفعت بسبب التضخم وانخفاض قيمة الليرة السورية وارتفاع أسعار المواد. أما طرفها الثاني، فصعوبة تمويل المزارعين للموسم الجديد نتيجة التأخير، ما يهدد بتراجع المساحات المزروعة، وبالتالي انخفاض الإنتاج المحلي. وفي المحصلة، يُتوقع أن تشهد موائد الحسكة تغييرات كبيرة هذا العام، في ظل الأعباء الإضافية الناجمة عن ارتفاع أسعار المحروقات، إذ وصل سعر ليتر المازوت المخصص للزراعة إلى 11500 ليرة سوريّة.
في المصرف الزراعي بالحسكة، تحدثنا إلى الفلاح سعد الجرين، الذي قال بصوت أجش ومرتفع: «أين تذهب مستحقاتنا؟ أمس أمضيت أكثر من أربع ساعات حتى استكملت الإجراءات المتعلقة بصرف الفاتورة، وكان الوعد أن أحصل عليها اليوم، لكنهم قالوا لي إن السيولة اللازمة للصرف غير متوفرة». ووفقاً للجرين، «لم أحصل سوى على مليون ليرة سورية جديدة، علماً أن لي في ذمّة الدولة 70 مليون ليرة جديدة لم أتسلمها بعد». ويتابع: «لا أملك أي مورد مالي آخر، وأبنائي صغار، بين المدارس والجامعات، وأنا المعيل الوحيد لأسرتي. ويتوجب عليّ فلاحة الأرض للموسم الجديد، لكنني دفعت أكثر من 700 ألف من المليون الذي تسلمته لسداد ديون مختلفة. فعلاً، البطن الشبعان لا يشعر بالبطن الجوعان».
وخلال حديثه مع «صوت سوري»، قال أحد أعضاء اتحاد الفلاحين في الحسكة، طالباً عدم الكشف عن اسمه لعدم تخويله بالتصريح: «كل يوم تأخير في صرف المستحقات ينعكس سلباً على استمرار الزراعة، فالفلاحون جميعاً يعتمدون على الفواتير الزراعية في سداد الديون المتراكمة خلال الموسم وتمويل زراعة الموسم الجديد». وأكد العضو نفسه عدم جواز «إجبار الفلاح على اعتبار الديون مستحقات يمكن تأجيلها»، معللاً ذلك بسببين: «أولاً، هذا حق للفلاح والمزارع. وثانياً، ترتبط الفواتير بنفقات ضرورية تستوجب الدفع المباشر، مثل أجور العمال والحصاد والفلاحة والزراعة، وشراء الأسمدة والبذار، فضلاً عن الديون المتراكمة لأسباب مختلفة». وحذّر من استمرار الوضع قائلاً: «سيقود ذلك إلى نتائج كارثية، تتمثل في العزوف عن الزراعة والفلاحة أو تقليص المساحات المزروعة، ولا حلول سوى بصرف كامل المستحقات فوراً».
نقص الأغذية في يوم الأغذية العالمي
أقرّت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) في العام 1979 يوماً دولياً لرفع الوعي بالجوع وتعزيز الأمن الغذائي عالمياً، واتخذت لهذا العام شعار «ابتكار اليوم، غذاء الغد». وعند إسقاط هذه المناسبة على واقع الأمن الغذائي في محافظة الحسكة، نجد أن المآسي والمجاعات تنتظر الأهالي. فقد حصدوا محاصيلهم وباعوها للحكومة، لكنهم لم يقبضوا ثمنها بعد. وهذا يعني أن الدورة المالية البسيطة باتت مهددة، بدءاً من تراكم الديون، مروراً بعدم الاستفادة من الدفعات الجزئية وحالات الترقب والانتظار، وصولاً إلى تجزئة الفواتير وتأثير ذلك في الموسم الزراعي الجديد، وما يترتب عليه من تداعيات على الواقع المعيشي خلال العام الحالي والعام المقبل.
يتساءل المزارع شيروان ديوي، من مدينة عامودا: «ماذا أفعل؟ يجب أن أبدأ بشراء السماد والبذار والمازوت، ودفع أجور الحراثة، وليس لدي المال الكافي، ولن يقرضني أحد، لأنني لم أوفِّ الديون السابقة بعد، والفواتير القديمة تموّل المواسم الجديدة. هل فكّر المسؤولون في هذا؟».
تواصل مُعدّ التقرير مع جهات مختلفة معنية بالزراعة والري والبذار، لكن لا توجد إحصاءات واضحة أو بيانات مؤكدة تشير إلى حجم الأراضي التي ستُزرع أو المساحات التي ستتقلص زراعتها. غير أن الثابت هو أن أحداً لم يحصل على مستحقاته كاملةً، وأن أسعار المازوت مرتفعة جداً، إذ سيحتاج المزارع ما لا يقل عن 2700 دولار شهرياً إذا استهلك برميلاً واحداً من المازوت كل يومين. وهذه معادلة مستحيلة، إذ تحتاج المساحات المتوسطة والكبيرة ما بين برميل وثلاثة براميل يومياً لتشغيل محركات المازوت. وفي ظل ارتفاع أسعار ألواح الطاقة التي تقترب من 20 ألف دولار لتأمين الطاقة الكافية لتشغيل تلك المحركات، لا يبقى أمام المزارعين سوى الاعتماد على رحمة السماء. وربما يكون شعار الموسم الحالي، في ما يخص الحسكة، «ضعف اليوم فقر الغد».
.. والقطن أيضاً!
وبعيداً عن فواتير القمح وصرفها، ثمة مشكلة جديدة، وفقاً للمزارعين، تتمثل في تسعيرة القطن، فقد حددت إدارة دعم الإنتاج الزراعي سعر شراء القطن بـ 85 ليرة سورية جديدة للكيلوغرام الواحد، استناداً إلى دراسة لتكلفة إنتاج الكيلوغرام الواحد، البالغة نحو 71 ليرة سورية. وبلغت المساحة المخطط زراعتها بالقطن للموسم الحالي قرابة 50 ألف هكتار، مع توقع إنتاج يقارب 150 ألف طن. في المقابل، اعترض المزارعون على هذه التسعيرة، إذ أكد حميد خالد، من أهالي الدرباسية، أن تكلفة زراعة الدونم الواحد من القطن تبلغ نحو 180 دولاراً، تشمل المستلزمات والخدمات والأسمدة والبذار والفلاحة والأدوية والمبيدات وأجور القطاف والنقل والمازوت.
«تحتكر الدولة شراء المحاصيل الاستراتيجية كالقمح، ما يمنع المزارع من تصريف محصوله في السوق الحر، ويجعله رهينة لدورة فواتير معطلة وسيولة غائبة»
ومع ارتفاع أسعار المازوت وكافة المستلزمات اليومية للزراعة، ارتفعت أسعار بذار القمح والشعير والكمون تدريجياً وبشكل ملحوظ. وقال التاجر عهد الشمري لصوت سوري: «بالتزامن مع بدء موسم البذار وزيادة الطلب على الحبوب، ارتفع سعر طن الشعير من نحو 210 دولارات إلى ما بين 250 و260 دولاراً، فيما صعد سعر طن القمح من 275 إلى 360 دولاراً، وارتفع سعر طن الكمون من 1800 إلى 2500 دولار».
أين تكمن المشكلة بالضبط؟
تتراجع كمية الإنتاج سنوياً، إذ حوّل مالكو الأراضي مساحات كبيرة جداً إلى مقاسم، وباعوها أو حوّلوها إلى مزارع وفلل وشقق سكنية. ولا توجد إحصاءات رسمية لهذه المساحات، رغم أنها باتت واضحة للعيان. وتأتي الحرائق على آلاف الهكتارات سنوياً، فيما تتكرر أسبابها من دون حلول. ويعيش الفلاح والمزارع كل عام أزمة توفير السيولة اللازمة للزراعة ومستلزماتها، في ظل تأخر صرف الفواتير أو تدني أسعار الشراء، والارتفاع المستمر لأسعار المازوت أو عدم توافره. والواضح من واقع الزراعة في الحسكة أننا أمام أزمة أمن غذائي تعمّقها السياسات الغذائية والزراعية، وأن غياب الحلول الجذرية والخطط المحكمة سيقود إلى مجاعات، وفقدان أبسط مقومات المائدة والمعيشة في المحافظة.
هل يكفي إنتاج المحاصيل الزراعية، على اختلاف أنواعها، للقول إننا بخير؟ هل تأمين الغذاء يوماً بيوم فقط يعدّ مؤشراً للقدرة على الاستمرار في الزراعة؟ أم أنّه الدليل على أننا نسير نحو أزمة غذائية كارثية؟