في صباح التاسع من أيار/ مايو 2026، تحوّل جزء من الطريق الدولي M4 قرب بلدة بسنقول في ريف إدلب إلى كتلة من اللهب. صهريجان محمّلان بالفيول العراقي فقدا السيطرة على المكابح ليصطدم أحدهما بالآخر ضمن رتل يضم أكثر من 130 صهريجاً، ما أدى إلى انفجار هائل امتدت أضراره إلى صهاريج ومركبات مدنية مجاورة، وأسفر عن وفاة شخصين وإصابة ثلاثة آخرين، وشلل مروري استمر نحو أربع ساعات.
لم تكن هذه الحادثة سوى جرس إنذار لواقع جديد تشهده الطرقات السورية. فمع تحول البلاد إلى ممر بري رئيسي يعبره نحو ألف صهريج نفط يومياً، يبرز سؤال محوري: هل البنية التحتية وإجراءات السلامة وخطط الطوارئ الحالية جاهزة بالفعل للتعامل مع هذه الحركة الكثيفة والمخاطر المرافقة لنقل المواد الخطرة؟
ممر النفط الجديد.. أرقام تكشف حجم الحركة
منذ ربيع العام 2026، أصبحت سوريا شرياناً برياً لنقل النفط والمواد النفطية العراقية عبر معبري التنف واليعربية باتجاه مصفاة بانياس ومنشآت التخزين والموانئ السورية على البحر الأبيض المتوسط.
ففي الأول من أيار/ مايو 2026، أعلنت هيئة المنافذ الحدودية العراقية بدء عبور صهاريج النفط الخام عبر منفذ ربيعة - اليعربية بقافلة أُولى ضمت 70 صهريجاً. وفي الثاني من حزيران/ يونيو، وافق مجلس الوزراء العراقي على تعاقد وزارة النفط مع الجانب السوري لنقل وخزن كميات من خام البصرة عبر ميناءَي بانياس وطرطوس، مع افتتاح مكتب تمثيلي للوزارة لإدارة عمليات التصدير عبر هذا المسار.
وعلى الجانب السوري، أعلنت الشركة السورية للبترول تنفيذ تعديلات فنية رفعت قدرة التفريغ اليومية في مصفاة بانياس إلى نحو 500 صهريج عراقي، بزيادة تقارب 30 في المئة.
غير أن الرقم الأكثر دلالة كشف عنه نائب رئيس الشركة السورية للبترول لشؤون النقل والتخزين، أحمد قبه جي، في أواخر حزيران/ يونيو، مؤكداً دخول ما بين 900 وألف صهريج نفط عراقي يومياً عبر معبري التنف واليعربيّة. وباحتساب متوسط يبلغ 950 صهريجاً يومياً، فإن ذلك يعني عبور نحو 28,500 صهريج شهرياً، وما يقارب 347 ألف صهريج سنوياً، إذا استمرت الوتيرة نفسها طوال العام.
تعني هذه الأرقام هجوماً مرورياً غير مسبوق على شبكة الطرق السورية التي تعاني أساساً، حيث تتداخل قوافل الوقود الشديدة الاشتعال مع حركة المركبات الخاصة وشاحنات البضائع وسط مناطق ومدن مأهولة بالسكان.

رصد ميداني.. قوافل متلاحقة وضغط على الطرق
أظهر رصد ميداني مباشر نفّذه معد التحقيق في التاسع من تموز/ يوليو 2026 على الطريق الدولي (حلب - اللاذقية) بالقرب من مدينة أريحا، مرور 45 صهريج نفط خلال ساعة واحدة فقط. وتبيّن أن الصهاريج لا تتحرك بوتيرة منتظمة، بل ضمن قوافل متلاحقة ومجموعات متراصة تمر متتالية قبل أن تنقطع لفترة وتعود مجدداً.
وتوثق صور ومقاطع فيديو اطّلع عليها معد التحقيق تشكُّلَ اختناقات مرورية حادة على الطرق الدولية، إلى جانب توثيقه بشكل مباشر آثارَ حوادث وتسربات نفطية على امتداد هذا المسار.
تتطابق هذه المشاهدات مع شهادات ميدانية لسائقين يعايشون هذا الخطر يومياً. يقول وسيم ديب، سائق نقل داخلي في مدينة بانياس: «تغيرت حركة السير بصورة واضحة. في أوقات الذروة، تتشكل طوابير طويلة من الصهاريج عند مداخل المدينة وعلى الطرق المؤدية إلى المصفاة، ما ينعكس على حركة السيارات ويزيد زمن التنقل».
أما سعيد المحمود، وهو سائق يعمل على خطوط النقل بين الحسكة وحلب وطرطوس، فيقول: «غالباً ما تسير الصهاريج بأعداد كبيرة ومتقاربة، ما يجعل تجاوزها صعباً ويؤدي إلى تباطؤ حركة السير لمسافات طويلة. كما أن عدم ترك مسافات أمان كافية يزيد احتمال وقوع حوادث متسلسلة عند أي توقف مفاجئ».
غير أن كثافة الحركة ليست التحدي الوحيد، فقد سُجلت، بالتزامن مع تشغيل مسار النقل، حوادث تصادم وانقلاب وحرائق وتسرب للمواد النفطية، ما يفتح أسئلة حول سلامة الطرق وجاهزية فرق الطوارئ للتعامل مع حوادث المواد الخطرة.

حوادث متكررة.. تسرب ونيران وضحايا
راجع مُعد التحقيق الأخبار والبيانات الصادرة عن الجهات الحكومية ووسائل الإعلام، إلى جانب الرصد الميداني والمواد البصرية، وأعدّ حصراً أولياً للحوادث المرتبطة بصهاريج النفط خلال الفترة التي يغطيها التحقيق. أظهرت المراجعة أن الحوادث التي أمكن توثيقها وقعت على طرق دولية تشهد حركة كثيفة للشاحنات، ولا سيما المحاور المؤدية إلى الساحل السوري.
في التاسع من أيار/ مايو 2026، شهد الطريق الدولي M4 قرب بلدة بسنقول في ريف إدلب أحد أبرز الحوادث المسجلة على هذا المسار، بعدما فقد صهريجان يسيران ضمن رتل يضم أكثر من 130 صهريجاً السيطرة على المكابح واصطدما. ووفق وكالة «سانا»، أدى الحادث إلى انفجار أحد الصهاريج واندلاع حريق طالت أضراره أربع ناقلات فيول وسيارتين مدنيتين. وأسفر الحادث عن وفاة شخصين، أحدهما عراقي الجنسية، وإصابة ثلاثة سائقين آخرين. ويظهر الحادث أن آثار التصادم بين صهاريج المواد القابلة للاشتعال قد تمتد سريعاً إلى المركبات القريبة، ولا سيما على الطرق الدولية ذات الحركة المرورية الكثيفة.
ولم تقتصر الحوادث على التصادمات، بل شملت أيضاً انقلاب صهاريج وتسرب كميات من المواد النفطية إلى الطريق. ففي حادث وقع قرب بلدة محمبل في ريف إدلب، أدى انقلاب صهريج محمّل بالفيول إلى تسرب المادة على جزء من الطريق.
وأظهرت معاينة ميدانية أجراها معدّ التحقيق أن فرق أمن الطرق استخدمت الرمل والتراب لامتصاص الفيول، ووضعت إشارات تحذيرية لتنظيم حركة السير والحد من خطر انزلاق المركبات. ورغم انتهاء عمليات الطوارئ، بقيت آثار الفيول واضحة على الإسفلت لأسابيع، وفق ما وثقه معدّ التحقيق، ما يشير إلى أن آثار بعض الحوادث قد تستمر بعد مغادرة فرق الإنقاذ.
وفي السادس من تموز/ يوليو 2026، انقلب صهريج محمّل بالفيول على طريق حمص - طرطوس بعد اصطدامه بالمنصف، ما أدى إلى تسرب حمولته واندلاع حريق واسع وقطع الطريق أمام حركة المرور. ووفق وكالة «سانا»، أدى الحادث إلى وفاة شخصين، فيما شاركت أربعة فرق في عمليات الإخماد وتأمين الموقع، التي استمرت نحو ساعتين.
وفي 15 تموز/ يوليو، تعرّض صهريج نفط عراقي لحادث سير قرب جسر حديدة في ريف حمص الغربي، واقتصرت الأضرار، وفق المعلومات المنشورة، على الخسائر المادية من دون تسجيل إصابات.
هل تكفي الاستجابة؟
رغم تباين نتائج هذه الحوادث، فإن وقوعها خلال مدة زمنية قصيرة وعلى مسارات تستخدمها صهاريج النفط يسلط الضوء على المخاطر الملازمة لحركة أعداد كبيرة من المركبات المحمّلة بمواد شديدة الاشتعال.
لا يتوقف التعامل مع حوادث صهاريج النفط عند إخماد الحرائق، بل يشمل تأمين موقع الحادث، واحتواء التسربات النفطية، ومنع امتداد النيران، وتنظيم حركة المرور وإعادة فتح الطريق. وهي مهمّات تتطلب فرقاً مدرّبة وتجهيزات مناسبة للتعامل مع المواد الخطرة. وتشير الوقائع التي راجعها التحقيق إلى اختلاف زمن عمليات الاستجابة بحسب موقع الحادث وحجمه. ففي حادث طريق حمص - طرطوس، استمرت عمليات الإخماد وتأمين الموقع نحو ساعتين، بينما تسبب حادث بسنقول بإغلاق الطريق نحو أربع ساعات.
لكن هذه الوقائع وحدها لا تكفي لتقييم سرعة الاستجابة أو مدى كفاءة فرق الطوارئ، في ظل غياب بيانات معلنة عن زمن تلقي البلاغ ووصول الفرق، والمسافة التي قطعتها، ونوع التجهيزات المستخدمة.

فجوة البيانات
لم يتمكن معدّ التحقيق من الحصول على بيانات رسمية توضح متوسط زمن استجابة فرق الطوارئ، أو عدد المراكز والآليات والفرق المدرّبة على التعامل مع المواد الخطرة والموزعة على امتداد مسارات نقل النفط. وتواصل معدّ التحقيق مع وزارة النقل وإدارة المرور والدفاع المدني والشركة السورية للبترول للحصول على معلومات عن عدد الحوادث وخطط الطوارئ وإجراءات السلامة المعتمدة، لكنه لم يتلقَّ رداً رسمياً حتى موعد نشر التحقيق.
ويُضعف غياب هذه البيانات، إلى جانب عدم وجود قاعدة معلنة تتضمن إحصاءات دورية عن حوادث صهاريج الوقود في سوريا، قدرة الباحثين ووسائل الإعلام على قياس المخاطر وتقييم مدى جاهزية منظومة السلامة.
مؤشرات مقلقة وأسئلة مفتوحة
لا يجزم هذا التحقيق بوجود علاقة سببية مباشرة بين زيادة حركة النفط وارتفاع معدل الحوادث، نظراً لغياب قاعدة بيانات رسمية تقارن بين الفترتين. لكن المعلومات المتاحة ترسم صورة تستدعي التوقف عندها، فمع دخول نحو 1000 صهريج يومياً إلى الأراضي السورية، وتكرار حوادث التصادم والانقلاب والحرائق التي وقعت خلال أشهر قليلة، لا تزال المعلومات الأساسية اللازمة لتقييم مستوى الخطر غائبة، فلا بيانات معلنة عن عدد الحوادث، أو متوسط زمن استجابة فرق الطوارئ، أو توزيع الفرق والتجهيزات المتخصصة على امتداد الطرق. كما لم تكشف الجهات العامة حتى الآن عن إجراءات الرقابة المطبقة على الصهاريج وسائقيها، أو عن خططها المعتمدة لتطوير البنية التحتية لتتحمل هذا العبء الهائل.
تضع هذه المعطيات الجهات المسؤولة أمام سؤال ملحّ: هل تملك سوريا بالفعل شبكة أمان مرورية وفنية تتناسب مع تحول طرقها إلى شريان نفطي إقليمي؟
وتبقى الإجابة مرهونة بمدى شفافية المؤسسات الرسمية وإفصاحها عن خطط الطوارئ وإحصاءات السلامة. وإلى أن يتحقق ذلك، ستظل مئات الصهاريج تعبر يومياً طرقاً مزدحمة، فيما يواصل مستخدمو هذه الطرق رحلاتهم دون أن يعرفوا ما إذا كانت منظومة السلامة حامية لهم أم أنها تتخلف عن ركب الخطر المتسارع.
