في قرية سنجوان، على أطراف مدينة اللاذقية، ما زال اسم عجل واحد يتردد على ألسنة مربي الأبقار: «الغضنفر». وُلد العجل قبل سنوات نتيجة تلقيح بين ذكر ألماني من سلالة الهولشتاين وأنثى محلية، وتميّز بكتلة عضلية استثنائية ووزن قارب الطنين، ما جعل صاحبه، محمد درويش، الملقب بـ «محمد الفحل»، اسماً معروفاً بين مربي الأبقار في المنطقة.
تقول الأسرة إن مئات عمليات التلقيح اللاحقة لم تنتج عجلاً يحمل صفات الغضنفر نفسها. لكن الحكاية التي ما زالت العائلة ترويها باعتزاز تنتمي اليوم إلى زمن مختلف، إذ لم يعد حفيدا محمد الفحل، حيدر وعلي درويش، يبحثان عن تكرار تجربة العجل الاستثنائي، بل يحاولان الحفاظ على المزرعة التي ورثاها في ظل ارتفاع تكاليف التربية وصعوبة تأمين مستلزماتها.
يملك علي مزرعة تضم ثماني بقرات وعجلين من سلالة الهولشتاين. وبالنسبة إلى مزرعة بهذا الحجم، يمكن لأي ارتفاع في سعر العلف أو دواء بيطري أن يلتهم جزءاً كبيراً من دخلها، ويجعل الاستمرار في تربيتها أكثر صعوبة.
لا تتوقف المشكلة عند حدود المزرعة. فعندما يحاول علي إخراج أبقاره إلى الأراضي التي يسمح له أصحابها بالرعي فيها، يجد نفسه أمام قطعان أخرى تدخل إلى بساتين خاصة، وسط نزاع متصاعد بين أصحاب الأراضي ومجموعات من الرعاة استقرت بالقرب من القرية.
أعلاف مرتفعة وخدمات بعيدة
تمثّل أسعار الأعلاف العبء الأكبر على المزرعة، بسبب ارتباط معظم مكوناتها المستوردة أو المتداولة في السوق بسعر صرف الدولار، في حين لا ترتفع أسعار الحليب ومشتقاته بالوتيرة نفسها، بحسب ما يقوله علي: «تتمثل المشكلات الاقتصادية في تقلب أسعار الأعلاف، لارتباطها إلى حد كبير بسعر صرف الدولار، إضافة إلى صعوبة الوصول إلى الخدمات البيطرية في المنطقة، وعدم حصول المربين على الدعم الكافي من مديرية الزراعة».
يحتاج مربو الأبقار إلى خدمات بيطرية منتظمة، لا تقتصر على علاج الحيوانات بعد مرضها، بل تشمل اللقاحات ومتابعة الحمل والولادة والتغذية والكشف المبكر عن الأمراض المعدية، ولا سيما في المزارع الصغيرة التي قد يشكّل نفوق بقرة واحدة خسارة كبيرة لأصحابها.
علف يزداد غلاءً، وخدمة بيطرية يصعب الوصول إليها، وأراضٍ تتنازع عليها القطعان
في نيسان/ أبريل من العام 2026، أعلنت دائرة الصحة والإنتاج الحيواني في مديرية زراعة اللاذقية أن حملة التحصين الوقائية ضد الحمى القلاعية تستهدف نحو 28 ألف رأس من الأبقار في مختلف مناطق المحافظة. لكن علي يقول إن الوصول إلى طبيب بيطري عند الحاجة ما زال صعباً في منطقته، وإن كلفة الأدوية والأعلاف تضع المزارع الصغيرة أمام خيارين، كلاهما قاسٍ، إمّا تحمّل مزيد من الخسائر، أو تقليص أعداد الأبقار وبيع بعضها.
وتزداد صعوبة عمل علي بسبب تأخر استعادته بطاقته الشخصية المدنية بعد إجرائه التسوية. فقد كان أمين مستودع في قطعة عسكرية تابعة للقوات البحرية في جبلة، وحصل بعد سقوط السّلطة السّابقة على بطاقة تسوية مؤقتة. ويقول إنه يضطر إلى استخدام إخراج قيد تُلصق عليه صورة شخصية حديثة ويُختم من مختار القرية، ويجدّده كل ثلاثة أشهر، لإنجاز بعض معاملاته والتنقل بين الريف والمدينة. وتحوّل هذه الإجراءات أي معاملة مرتبطة بشراء المستلزمات أو بيع المنتجات أو مراجعة المؤسسات إلى عبء إضافي، لكنها تبقى واحدة من الصعوبات المحيطة بالمزرعة، وليست المشكلة الأساسية التي تهدد استمرارها.
قطعان تدخل الأراضي الزراعية
إلى جانب غلاء الأعلاف وصعوبة الوصول إلى الخدمات البيطرية، يواجه علي ومزارعون آخرون في سنجوان مشكلة دخول قطعان ماشية إلى الأراضي الزراعية المحيطة بالقرية. وقد شهدت مناطق من ريف اللاذقية خلال العام 2025 وصول مجموعات من الرعاة الرحّل مع قطعانهم. وتمركز بعضها في المختارية والشير والبهلولية ومشقيتا وعرامو، إضافة إلى مناطق في ريف جبلة. وأدى دخول بعض القطعان إلى البساتين والأراضي الخاصة إلى توترات مع أصحابها، ولا سيما أن المنطقة تعتمد على زراعة الحمضيات وغيرها من الأشجار التي يمكن أن تتضرر بفعل الرعي المتكرّر.
يقول علي إن مجموعة من الرعاة تمركزت جنوب غربي سنجوان، بالقرب من مركز تعبئة الغاز التابع لشركة «سادكوب»، في أراضٍ زراعية يملكها أحد سكان القرية. ويضيف أن وجود القطعان لم يبقَ محصوراً في مكان الإقامة، بل امتد إلى أراضٍ وبساتين مجاورة. وكان تعميم صدر مطلع العام 2026 قد نص على منع الرعي في الأملاك الخاصة والأراضي الزراعية والحراجية والمتجددة طبيعياً، ومنح المخالفين مهلة سبعة أيام للإخلاء الطوعي.



مع ذلك، يؤكد علي أن القطعان ما زالت تدخل إلى أراضي القرية، من دون تنفيذ فعلي للتعميم. ويضيف: «تعرضتُ ثلاث مرات للتهديد أثناء وجودي في أراضٍ سمح لي أصحابها بالرعي فيها. أصبحنا نخشى أن يتحول أي اعتراض على دخول القطعان إلى مشكلة أكبر».
أما أبو عزيز، وهو صاحب قطعة أرض مجاورة لمكان تمركز الرعاة، فيقول إن القطعان ألحقت أضراراً ببستان حمضيات يملكه وتبلغ مساحته سبعة دونمات، مقدّراً خسائره بملايين الليرات السورية. يقول: «تضررت الأرض بسبب الرعي، ولا نملك القدرة على الاعتراض، خصوصاً أن بعض الرعاة يحملون السلاح. نخشى، بصفتنا مزارعين، أن يتحول الخلاف إلى نزاع مسلّح». في المقابل، ينفي الرعاة دخول قطعانهم إلى الأراضي من دون موافقة أصحابها. وظهر هذا الخلاف بوضوح عندما استدعى المزارعون الشرطة، إذ أكد أحد الرعاة أمام عناصرها أنهم لا يرعون في أي أرض إلا بإذن مالكها. وبين روايتي المزارعين والرعاة، تغيب آلية واضحة لتحديد حدود الأراضي ومسارات القطعان، وتوثيق الأضرار عند وقوعها، ومنع تحول الخلاف على الرعي إلى مواجهة بين الطرفين.
الشّكوى بين الشرطة ودائرة الحراج
يقول أبو عزيز إنه اتصل، رفقة مجموعة من المزارعين، بوحدة الشرطة للإبلاغ عن دخول القطعان إلى الأراضي الزراعية. وعندما وصل العناصر، خرج إليهم أحد الرعاة ونفى أن تكون قطعانهم تدخل إلى أي أرض من دون موافقة صاحبها. وبحسب أبي عزيز، أبلغ عناصر الشرطة المزارعين بأن الشكوى يجب أن تُقدّم إلى دائرة الحراج. وعندما توجهوا إليها، أخبرهم مدير الدائرة أن المشكلة تدخل ضمن اختصاص مخافر الشرطة، لكنه وعد بتنبيه الرعاة إلى ضرورة الابتعاد عن الأراضي الزراعيّة. عاد المزارعون من دون حل، فيما بقيت القطعان في المنطقة واستمرت مخاوفهم من تضرر مزيد من الأراضي.
يُظهر انتقال الشكاوى بين الوحدات الشرطية ودائرة الحراج تداخلاً إجرائياً يعكس تعقيداً في تحديد جهة الضابطة العدلية المختصة نوعياً ومكانياً. فبينما يمنح المرسوم التشريعي رقم 26 لعام 2024 عناصر الضابطة الحراجية صفة الضابطة العدلية المتخصصة حصراً بالمخالفات والتعديات الواقعة ضمن النطاق الحراجي، فإن حماية الملكيات الزراعية الخاصة تقع عاتقها على الضابطة العدلية العامة (سلك الشرطة) وفق القوانين الجزائية العامة. ويتقاطع هذا الدور مع القانون رقم 31 لعام 2012، الذي يوسّع نطاق الضابطة العدلية ليشمل رجال الضابطة المعينين بقرارات وزارية أو محليّة (على مستوى المحافظة) لضبط التعديات والرعي الجائر في أملاك الدولة والبادية والمراعي، مما يتطلب تنسيقاً إجرائياً دقيقاً لفك هذا التشابك وتحديد المسؤولية المباشرة عن حماية الأرض.
أصحاب الأراضي لا يطلبون إنهاء وجود الرعاة أو منعهم من العمل، بل تحديدَ أماكن واضحة لإقامتهم، وحماية البساتين والملكيات الخاصة، وإيجاد جهة تتحمل مسؤولية التدخل عندما يقع الضرر
لكن هذه التفاصيل الإدارية لا تعني الكثير بالنسبة إلى المزارع الذي يرى قطيعه أو بستانه مهددين، فما يحتاج إليه هو جهة واحدة تستقبل الشكوى، وتعاين الأرض، وتحدد المسؤولية، ثم تتخذ إجراءً يمنع تكرار الضرر.
كما أن منع الرعي وحده لا يحل المشكلة من جذورها، ما لم يترافق مع تحديد مناطق ومسارات يمكن للرعاة استخدامها من دون الإضرار بالأراضي المزروعة، وتنظيم وجودهم بالتنسيق مع أصحاب الأراضي والسلطات المحليّة.
المزرعة التي بقيت
تبدو حكاية الغضنفر اليوم ذكرى من مرحلةٍ كان فيها طموح أسرة درويش منصبّاً على تحسين سلالة أبقارها وزيادة إنتاجها. أمّا علي، فيتركز اهتمامه الآن على إبقاء الأبقار العشر التي ورثها عن أسرته داخل المزرعة، وتأمين ما تحتاج إليه من علف وعلاج. وخارج المزرعة، أصبحت الأرض التي يُفترض أن توفر للأبقار مساحة للرعي مصدراً لنزاع آخر. فالتعميم الذي يمنع دخول القطعان إلى الملكيات الخاصة لم يضع حدّاً للمشكلة، بينما تنقّلت شكاوى المزارعين بين الشرطة ودائرة الحراج من دون الوصول إلى نتيجة.
لا يطلب أصحاب الأراضي إنهاء وجود الرعاة أو منعهم من العمل، بل تحديد أماكن واضحة لإقامتهم ورعي قطعانهم، وحماية البساتين والملكيات الخاصة، وإيجاد جهة تتحمل مسؤولية التدخل عندما يقع الضرر.
وبين علف يزداد غلاءً، وخدمة بيطرية يصعب الوصول إليها، وأراضٍ تتنازع عليها القطعان، يحاول علي الحفاظ على ما بقي من مزرعة «محمد الفحل». لم يعد ينتظر ظهور غضنفر جديد، كل ما يريده أن تبقى الأبقار الموجودة لديه، وألّا تتحول تربيتها إلى عبء يدفعه في النهاية إلى بيعها والتخلي عن المهنة التي ورثها عن أبيه وجدّه.