× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

زيتون بانياس بعد الجفاف: أغصانٌ تورق وفواتير تكبر

حكاياتنا - خبز 29-10-2026

أعادت أمطار الموسم الحياة إلى أشجار الزيتون في ريف بانياس، لكن ارتفاع كلفة الحراثة والتسميد والمكافحة يدفع المزارعين إلى تقليص العناية ببساتينهم، ويهدد نصيبهم من المحصول المنتظر.

في قرية تعنيتا بريف بانياس، تقف ميساء بين خمسين شجرة زيتون تعتني بها منذ خمسة عشر عاماً، وتراقب عمالاً يزيلون الأعشاب من حولها. بعد عامين من ضعف المحصول والجفاف، عادت الأغصان الجديدة إلى الظهور هذا الموسم، حاملة معها أملاً بمحصول أفضل. لكن إزالة الأعشاب وحدها كلّفت ميساء 15 ألف ليرة سورية بالعملة الجديدة، ما يعادل 1.5 مليون ليرة قديمة. ولم تسمح لها أوضاعها المادية بشراء السماد أو المبيدات، لذلك ستترك الأشجار تكمل موسمها بما وفرته الأمطار، من دون معالجة كيميائيّة. تصف توقعاتها للمحصول بأنها «بين الجيد والمتوسط». وهو تقدير يختصر حال مزارعين كثيرين في ريف بانياس. الأمطار حسّنت نمو الأشجار بعد موسم قاسٍ، لكن ارتفاع كلفة العناية بها قد يحرم المزارعين من الاستفادة الكاملة من هذا التحسن.

أشجار تستعيد عافيتها

تُعد محافظة طرطوس إحدى أبرز مناطق إنتاج الزيتون في سوريا، وتحوي أكثر من 11 مليون شجرة. وتتركز مساحات واسعة منها في الأرياف الجبلية والساحلية، حيث تعتمد عائلات كثيرة على الزيت والزيتون مصدراً للدخل ومؤونة سنوية للمنزل. يقول المهندس الزراعي وسيم ميهوب، من قرية ابتلة، إن شجرة الزيتون عوملت عقوداً باعتبارها شجرة بعلية لا تحتاج إلى عناية كبيرة، إذ كان المزارعون يكتفون بتقليمها وحراثة الأرض وانتظار المطر. لكن ارتفاع أسعار زيت الطعام وتراجع مصادر الدخل الأخرى دفعا أصحاب الأراضي إلى الاهتمام بالأشجار بوصفها مورداً اقتصادياً. ومع هذا الاهتمام، أصبحت مشكلات الآفات والتسميد وتراجع الإنتاج أكثر حضوراً في حساباتهم.

ساعدت أمطار الموسم الحالي الأشجار على استعادة جزء من نموها بعد عامين من الانحباس المطري. وفي تقرير للمديرية العامة للأرصاد الجوية عن الفترة الممتدة من مطلع أيلول/ سبتمبر من العام 2025 إلى 17 آذار/ مارس من العام 2026، بلغت كمية الهطول المسجلة في محطة بانياس ما بين 85 - 90 في المئة من معدلها السنوي. ورغم أن النسبة بقيت، في ذلك التاريخ، دون المعدل السنوي الكامل، فإن توزع الأمطار واستمرارها خلال مراحل مهمة من نمو الأشجار انعكسا إيجاباً على عدد من البساتين.

تقول هيام، وهي مزارعة من منطقة القدموس تعتني بنحو 120 شجرة: «الموسم أفضل من السنة السابقة. لا أستطيع وصفه بالممتاز، لكنه جيد جداً حتى الآن». أما ميساء، فاستدلت على تحسن حالة أشجارها من ظهور نموات جديدة، بعد الضعف الذي أصابها في الموسم السابق.

لكن تأثير الطقس لم يكن متساوياً في جميع المناطق. يقول وسيم إن الأمطار خدمت الأشجار خلال جزء مهم من الموسم، لكن استمرار الرطوبة وتقلبات الطقس في فترة الإزهار أثّرا في عقد الثمار داخل بعض المواقع. ويتفق ذلك مع ما أعلنه مدير زراعة طرطوس، محمد أحمد، عن تفاوت أثر الأمطار والبرد والرياح بحسب ارتفاع المنطقة عن سطح البحر وتوقيت إزهار الأشجار. فقد استفادت مناطق من الهطولات، بينما تضررت مواقع أخرى كانت أشجارها في ذروة الإزهار عند اشتداد البرد والرياح.

موسم مطري أفضل لا يعني محصولاً مضموناً

لا تكفي الأمطار وحدها لضمان محصول جيد. فبعد ظهور الأزهار وعقد الثمار، تحتاج الأشجار إلى التقليم والتسميد وتنظيف الأرض ومراقبة الآفات، وهي خدمات أصبحت كلفتها أكبر من قدرة بعض أصحاب الحيازات الصغيرة. يقول محسن حمدوش، وهو مزارع من قرية بستان الحمام يملك نحو عشر شجرات، إن إصابة أشجاره بذبابة ثمار الزيتون كانت محدودة، لذلك لم يحتج إلى معالجتها. لكنه لاحظ إصابات بمرضَي «عين الطاووس» و«سل الزيتون». أما هيام، فتقول إن ذبابة الزيتون تظهر في أرضها منذ سنوات، ولذلك استخدمت هذا الموسم مبيداً مخصصاً لها، ولم تلاحظ حتى الآن أضراراً كبيرة في الثمار. في المقابل، لم ترصد ميساء الحشرة في أشجارها هذا العام أو العام الماضي.  ويوضح مهندس زراعي من قرية بستان الحمام، فضّل عدم نشر اسمه، أن ذبابة ثمار الزيتون من الآفات المعروفة في المنطقة، وأن مكافحتها تحتاج إلى مراقبة مستمرة، واستخدام المصائد أو المبيدات عند وصول الإصابة إلى مستوى يهدد المحصول. أما «عين الطاووس»، فهو مرض فطري ينتشر في الظروف الرطبة والمعتدلة، وتظهر أعراضه على شكل بقع دائرية داكنة فوق الأوراق، وقد يؤدي اشتداد الإصابة إلى تساقطها وإضعاف الشجرة.

ويشير وسيم إلى وجود حشرة أخرى يراقبها مزارعو المنطقة، هي «بسيلا الزيتون»، التي تتغذى على عصارة النموات الحديثة، وقد تؤثر في الإزهار وعقد الثمار عندما ترتفع نسبة الإصابة. ويقول إن المزارع لا يستطيع الاعتماد على وصفة ثابتة كل عام، فالمرض الذي يظهر في بستان قد لا يظهر في آخر، كما تختلف الحاجة إلى الرش بحسب الرطوبة والحرارة ومرحلة نمو الشجرة ونسبة الإصابة.

خمسون ألف ليرة لخدمة 120 شجرة

تظهر كلفة الموسم بوضوح في حسابات هيام. فقد دفعت عشرة آلاف ليرة جديدة مقابل حراثة أرضها، و25 ألفاً ثمناً للسماد، وخمسة آلاف للمبيدات والبورون والزنك، وخمسة آلاف أجوراً للرش، وخمسة آلاف أخرى لتنظيف الأرض من الأعشاب. وبذلك بلغت كلفة خدمة أشجارها البالغ عددها 120 شجرة نحو 50 ألف ليرة جديدة، أي ما يعادل خمسة ملايين ليرة بالعملة القديمة، من دون احتساب أجور القطاف ونقل الثمار إلى المعصرة وعصرها. أما ميساء، فدفعت 15 ألف ليرة جديدة لتنظيف الأرض المحيطة للخمسين شجرة، لكنها لم تتمكن من شراء الأسمدة أو المبيدات. وتقول: «اهتممت بتنظيف الأرض لأن الأعشاب كانت كثيفة، لكنني لم أستطع دفع كلفة السماد والمعالجة. سأنتظر ما تعطيه الأشجار هذا العام».

على امتداد ريف بانياس تتكرر المعادلة بدرجات مختلفة: مطر أعاد الأمل بعد عامين من الجفاف، وآفات تحتاج إلى مراقبة، وخدمات زراعية ترتفع كلفتها، ودعم معلن لا يصل إلى الجميع

يعتقد وسيم أن تحسن النمو ووفرة الثمار لا يضمنان مردوداً جيداً إذا لم يستطع المزارعون استكمال خدمة الأشجار. فضعف القدرة على شراء السماد والمبيدات أو دفع أجور العمال قد يقلل الإنتاج أو يؤثر في جودة الثمار والزيت. ويقول المهندس الزراعي من بستان الحمام إن المبيدات والأسمدة متوفرة في الأسواق، لكن المشكلة في أسعارها، ولا سيما بالنسبة إلى أصحاب الحيازات الصغيرة الذين لا يملكون دخلاً ثابتاً خارج الموسم. ومع ارتفاع الكلفة، يؤجل بعض المزارعين الرش أو التسميد، أو يكتفون بالخدمات الأساسية، مثل إزالة الأعشاب، على أمل أن يعوض المطر جزءاً مما لم يستطيعوا تقديمه للأشجار.

ثمن الزيت لا يحسم الربح

رفع ضعف المحصول في الموسم الماضي أسعار زيت الزيتون محلياً. ويتذكر وسيم أن سعر الليتر تراوح بين 320 و450 ليرة سورية جديدة، مقارنة بسعر معتاد كان يدور بين 200 و300 ليرة. لكن ارتفاع سعر الزيت لا يعني بالضرورة أن المزارع يحقق ربحاً أكبر. فالمحصول الضعيف يقلل الكمية التي يستطيع بيعها، فيما تستمر تكاليف الحراثة والتقليم والمكافحة والقطاف والنقل والعصر في الارتفاع. كما أن كثيراً من أصحاب الحيازات الصغيرة يحتفظون بجزء من الزيت لاستهلاك أسرهم، ولا يبيعون إلا الفائض، لذلك لا يمكن قياس مردود الموسم اعتماداً على سعر الليتر وحده.

وفي محاولة لجذب المزارعين، باتت بعض معاصر المنطقة ترسل سيارات لجمع أكياس الزيتون من البساتين ونقلها مجاناً إلى المعصرة. ويقول وسيم إن هذه الخدمة توفر على المزارع جزءاً من أجرة النقل، لكنها لا تعوض بقية تكاليف الموسم.

في المقابل، أعلنت مديرية زراعة طرطوس تنفيذ حملات لمكافحة أمراض وآفات الزيتون في مواقع الإصابة. وقال مدير الزراعة محمد أحمد إن المديرية قدمت للمزارعين الراغبين في مكافحة مرض «عين الطاووس» الجرارات وآلات الرش والمحروقات مجاناً، ضمن حملتين خريفية وربيعيّة. كما أعلنت المديرية متابعة انتشار ذبابة ثمار الزيتون وتوجيه المزارعين إلى استخدام المصائد الجاذبة والمبيدات عند بلوغ الإصابة الحد الذي يستدعي التدخل. وفي 16 حزيران/ يونيو 2026، أجرى مدير الزراعة جولة في منطقة بانياس لمتابعة حملة مكافحة ذبابة الزيتون والاطلاع على واقع الحقول.

لكنّ شهادتي هيام وميساء تظهران أن إعلان الخدمات لا يعني وصولها إلى جميع المزارعين. يقول وسيم إن الإرشاديات الزراعية قدمت هذا الموسم إرشادات ومواد في بعض المناطق، لكنها لم تكن متاحة لجميع المزارعين بالمستوى نفسه. ويظهر التفاوت أيضاً بين من تلقى خدمة مباشرة، ومن حصل على إرشادات فقط، ومن لم يعرف أصلاً بوجود برنامج يمكنه الاستفادة منه.

المطر وحده لا يكفي

في تعنيتا، أنهى العمال إزالة الأعشاب من حول أشجار ميساء، وبقيت الأرض تنتظر ما ستكشف عنه الأشهر التي تسبق القطاف. تبدو الأشجار أفضل من الموسم السابق، لكن ميساء قررت تحمّل مخاطرة إكمال الموسم من دون سماد أو معالجة كيميائية بسبب ارتفاع الكلفة. لم يعد السؤال بالنسبة إليها ما إذا كانت الأمطار كافية لإنعاش الأشجار. فقد ظهرت النموات الجديدة بالفعل. السؤال هو ما إذا كانت تستطيع دفع ثمن الخدمات اللازمة لحماية الثمار حتى موعد القطاف.

وعلى امتداد ريف بانياس، تتكرر المعادلة نفسها بدرجات مختلفة: مطر أعاد الأمل بعد عامين من الجفاف، وآفات تحتاج إلى مراقبة، وخدمات زراعية ترتفع كلفتها، ودعم معلن لا يصل إلى كل صاحب أرض. لن تتضح النتيجة النهائية قبل انتهاء القطاف والعصر. لكن ميساء تعرف منذ الآن أن وفرة الثمار، إن تحققت، لن تكون وحدها ما يحدد نجاح الموسم. ففي الحساب الأخير، سيُقاس ما منحته السماء بما تبقى للمزارع بعد دفع فواتير الأرض.

الزيتون_السوري زراعة_الزيتون_في_الساحل_السوري زيتون_بانياس

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0