× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

«الدستورية» السورية: معبر إلزامي نحو مستقبل غامض!

عقل بارد - على الطاولة 04-09-2020

الحفاظ على مسار اللجنة الدستورية هو التوافق الوحيد المؤكد بين جميع الأطراف، لكنّ «اللافشل» الذي خلُصت إليه الجولة الأخيرة لن يكون كافياً إذا لم يُبنَ عليه سريعاً، والبناء عليه يعني أن جولة قريبة أخرى يجب أن تنعقد، وأن تشهد تقدماً ولو يسيراً

الصورة: (UN Geneva - فليكر)

انتهت قبل أيام جولة جديدة من جولات اللجنة الدستورية. جولة يصعب القول إنها نجحت، ولا يصحّ القول إنها فشلت! 
هذه ليست أحجية، بل هي أشبه بسمة ملازمة لكثير من تفاصيل الملف السوري، مثل معظم اتفاقات وقف إطلاق النار وخفض التصعيد.
في لغة الأرقام، هذه هي الجولة الرسمية الثالثة للجنة، بعد انعقاد أوّل ذي طابع شكلي بروتوكولي، وثانٍ انتهى بخلاف مُعلن علّق - بالتضافر مع أزمة كورونا - عمل اللجنة شهوراً طويلاً، ولو أن الجولة الأخيرة انعقدت في ظروف أخرى، لأمكن القول إنها ليست أكثر من جولة فاشلة أخرى. غير أن أي حكم أو تقييم لن يكون ممكناً من دون توسيع العدسة لتلحظ تفاصيل عديدة أخرى في مختلف جوانب الملف السوري. 
واكب اللاعبون الخارجيون الجولة الأخيرة، سواء في ذلك واشنطن عبر مبعوثها جيمس جيفري، أو موسكو منفردة، كما بوصفها أحد ضامني أستانة (روسيا، تركيا، إيران). كذلك لا يمكن فصل الجولة عن المحادثات التي أجراها جيفري في أنقرة قادماً إليها من جنيف، كما عن مباحثات أجراها المبعوث الروسي ألكسندر لافرنتييف في دمشق استباقاً لعقد الجولة الأخيرة، وأخرى أجراها وفد إيراني في دمشق، بالتزامن مع انعقاد جولة الدستورية.
وبرغم أن الوفود لم تتفق على موعد جديد لجولة مقبلة (بالأحرى الوفدين الممثلين لدمشق والمعارضة)، فإنّ المعطيات تؤكد أن هذا الانعقاد لن يطول انتظاره، وأنّ هناك توافقاً دوليّاً على السير خطوة أخرى في عمل اللجنة. 


لماذا لم تفشل الجولة؟
يمكن القول ببساطة إن الجولة لم تفشل بسبب انتفاء مصلحة أي من الأطراف المؤثرة، في هذه المرحلة بالتحديد. ولو أن طرفاً فاعلاً أراد أن يُفشلها  لكانت الذريعة جاهزة، ولعلها تحظى ببعض المنطقية أيضاً، وهي طبعاً إصابة عدد من أعضاء الوفود بفايروس كورونا. برغم ذلك، تم احتواء الموقف، وواصلت الجولة انعقادها بعد توقف مؤقت. 
ثمة تناغم روسي – أميركي، يحكم تفاصيل الملف السوري بأكمله منذ سنوات، حين يكون هذان اللاعبان متفقين على التهدئة تنجح التهدئة، والعكس بالعكس. ويبدو بديهياً أنّ الإدارة الأميركية الحالية لا تريد أي تصعيد في المنطقة، رغبة في التفرغ للمعركة الانتخابية الرئاسية، ويمكن تلمس انعكاسات ذلك بوضوح: من ليبيا، إلى ملف «الصراع العربي الإسرائيلي»، إلى لبنان، وسوريا والعراق. 

التسمية التي تتمسك بها دمشق حتى اليوم هي «لجنة تعديل الدستور»، وهي ليست مجرد مصطلح اخترعه الإعلام الرسمي، بل تسمية تستند إلى وثائق رسمية أممية!

بالنسبة إلى موسكو هذه فرصة لتشبيك المزيد من الخيوط، ولعلّ الاتفاق الذي وُقع أخيراً بين حزب الإرادة الشعبية، ومجلس سوريا الديمقراطية، أوضح الأمثلة في هذا السياق. 
أما اللاعبان الإقليميان الأشد تأثيراً (أنقرة وطهران) فمحكومان حتماً بتوافق موسكو وواشنطن، في ما يخص الملف السوري، كما أنّ كلّاً منهما محكوم بتطورات إقليمية كثيرة تضبط إيقاع سلوكه في سوريا. 
تدير طهران ملفاتها السياسية بالعموم بـ«منطقية». هل يجب التذكير هنا بتعاملها مع أحد أخطر ما تعرضت له في السنوات الأخيرة، وأعني اغتيال قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني؟ 
أنقرة أيضاً تلعب في الملف السوري بحذر رغم كل مغامراتها، وهي لم تُقدم في كل السنوات الماضية على خطوة تصعيدية من دون التنسيق على الأقل مع واحدٍ من اللاعبين الدوليين الكبيرين (الأميركي والروسي). 
 ماذا عن الأطراف السوريّة؟ لا يُتوقّع من وفد المجتمع المدني أن يُحدث منفرداً أي تأثير على سير أو تعطيل العملية، هو في هذا الإطار محكوم بتوافق الوفدين الرسميين، والفروقات التي قد يُحدثها تقتصر على التفاصيل في أثناء العمليّة. خاصة إذا ما أخذنا بالاعتبار تركيبة وفد المجتمع المدني (وتحديداً في اللجنة المصغرة)، وهي تركيبة قائمة إلى حد كبير على نظام المحاصصة.
الوفدان الرسميان متأثران - بشدّة طبعاً - بالتوافقات الخارجية. لا يعني هذا نفي قدرتهما على عرقلة المسار - تحديداً وفد دمشق - لكنّ هذه القدرة ليست مطلقة. كما أن مصلحة الطرفين في هذه المرحلة تستدعي تسجيل محطة إيجابية (أو على الأقل غير سلبية) في مسار الدستورية. 

بالنسبة إلى المعارضة، هذا المسار يكاد يكون مجال التأثير الوحيد المتاح في المرحلة الراهنة. (لا وجود لتأثير حقيقي للمعارضة السياسية على موازين القوى الميدانية). 
لدمشق أيضاً حدود لا يسهل تجاوزها في ما يخص الرغبات الروسية، لا سيما في ظل الانكماش الإيراني. ويبدو أن موسكو كانت حاسمة تماماً لجهة وجوب انعقاد الجولة، وعدم إفشالها. أحد المؤشرات على ذلك حرص ممثليها على مواكبة كل جلسات الجولة الأخيرة، في ما يشبه مراقبة لأدق التفاصيل.
ثمة معلومات عالية المصداقية تؤكد حدوث توافق عريض بين موسكو ودمشق قبل شهور، على إجراء انتخابات مجلس الشعب، ثمّ التزام وفد دمشق بأداء إيجابي في مسار اللجنة الدستورية، في مقابل دعم روسي للانتخابات الرئاسية السورية، التي تصرّ دمشق على إجرائها بين نيسان وأيار من العام المقبل. (منذ التوافق على تشكيل اللجنة الدستورية، قبل قرابة عام، نصّ الإطار العريض للتوجيهات التي زوّد بها ممثلو دمشق في اللجنة على أنّ أي اتفاق حقيقي لن يكون وارداً قبل انتخابات 2021!).

ماذا يعني كل ما تقدّم؟
يعني ببساطة أنّ الحفاظ على مسار اللجنة الدستورية هو التوافق الوحيد المؤكد بين جميع الأطراف، سواء الفاعلة بشكل مباشر، أو المؤثرة (مثل الاتحاد الأوروبي). 
يعني أيضاً أنّ عمل هذه اللجنة هو أشبه بالخوض في حقل ألغام، على الأقل في الفترة الممتدة حتى أيار المقبل. فـ«اللافشل» الذي انتهت إليه الجولة الأخيرة لن يكون كافياً إذا لم يُبنَ عليه سريعاً، والبناء عليه يعني أن جولة قريبة أخرى يجب أن تنعقد، وأن تشهد تقدماً ولو يسيراً. كما أن الأجواء التي كانت أقل تشنجاً من المألوف بين وفدي دمشق والمعارضة، ليست كافية لتثمير عمل دستوري مشترك. 
صحيح أن الوفدين اجتمعا معاً، على طاولة واحدة، لكنّ المعارضة ما زالت ترى (وأحياناً تصرح) أن وفد دمشق غير جدي، والإعلام السوري الرسمي لا يزال يطلق على وفد المعارضة صفة «وفد النظام التركي». أما وفد دمشق، فيحرص بين وقت وآخر على القول إنه «لا يمثل الحكومة، أو النظام»، مع ما يمنحه هذا لدمشق من فرص للتهرب من الالتزام التام بما قد تتفق عليه الوفود! يدعم ذلك أن تصريحات بعض المسؤولين السوريين تحرص على التأكيد بين وقت وآخر إن الوفد «لا يمثل الحكومة، بل هو وفد مدعوم منها»، قبل أن يروج أخيراً اصطلاح «الوفد الوطني». 
ثمة تناغم روسي - أميركي يحكم تفاصيل الملف السوري منذ سنوات، حين يكون هذان اللاعبان متفقين على التهدئة تنجح التهدئة، والعكس بالعكس
يحيلنا هذا إلى سياسة «النفس الطويل» التي تفضلها السلطات السورية في كل ملفاتها الخارجية (أزمة اغتيال رفيق الحريري مثلاً)، من دون أن يُحدث فارقاً انقطاع نفس السوريين وتردي ظروفهم إلى حدود غير مسبوقة عبر تاريخهم الحديث. وإذا ما واصلت دمشق التعامل مع ملف اللجنة الدستورية بالنهج ذاته، فهذا يعني أنها تعد نفسها بفرص للالتفاف على أي شيء في اللحظة المناسبة. (المحررة: أنصح بالاطلاع على مقال الزميل بديع الزمان مسعود الذي يقدم مثالاً عن أساليب الالتفاف الممكنة
الأهم من كل ما تقدّم، أن التسمية التي تتمسك بها دمشق حتى اليوم هي «لجنة تعديل الدستور». والمفارقة، أن هذه التسمية ليست مجرد مصطلح اخترعه الإعلام الرسمي، بل هي تسمية تستند إلى وثائق رسمية أممية. إذ ينص البند الثامن في رسالة الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريتش، إلى مجلس الأمن الدولي حول تشكيل اللجنة، على أنّ «للّجنة الدســتورية أن تراجع دســتور 2012 بما في ذلك في سياق التجارب الدســتورية الســورية الأخرى، وأن تقوم بتعديل الدستور الحالي، أو صياغة دستور جديد». ترى المعارضة من هذا البند الكلمات الثلاث الأخيرة، فيما ترى دمشق الكلمات الثلاث التي تسبقها! (المحررة: هل يذكركم هذا بالخلاف التاريخي بين النصين الإنكليزي والفرنسي للقرار رقم 242؟)
والواقع أن هذه الضبابية المتروكة في الوثائق الأممية، إنما كانت في وقتها وسيلة لإمرار اتفاق على تشكل اللجنة، ونوعاً من «تدوير الزوايا» وتأجيل الخلافات. وهي بذلك لا تختلف عن أي توافق آخر شهده الملف السوري. لقد كانت جميع التوافقات التي شهدها الملف حتى تاريخه، توافقات تتعلق بجزئيات، وتفاصيل، ومراحل، ولا يبدو حتى اليوم أن الأرضيات اللازمة لحدوث توافقات كليّة مهيّأة بعد. كما بات محسوماً أن الأطراف السورية لا تمتلك ما يؤهلها منفردةً لتقرير مسارات الحدث، لا تصعيداً، ولا تهدئة. ما يعني على الأرجح أن الاحتمالات الممكنة التحقق في ما يخص المستقبل السوري على المدى المتوسط ليست كثيرة، وتكاد تنحصر في اثنين:
1- المضي في عقد توافقات بالتجزئة، كلما مشت خطوة إلى الأمام فقد السوريون قدراً إضافيّاً من نفوذهم في ملفهم! برغم ذلك، تظل الفرص قائمة وفق هذا الاحتمال في الانعطاف في لحظة ما نحو تسوية، تصلها البلاد ضعيفة، فقيرة، مُنهكة، منكفئة على نفسها، ومفتوحة لمختلف أنواع النفوذ الخارجي. 
2- مرور أعوام أخرى إضافية تتسارع فيها وتيرة أحداث المنطقة، ويفقد الملف السوري جاذبيته تدريجياً، إلى حدّ زوال أي إغراء فيه للاعبين الخارجيين، بعد أن يستخدمه كلّ منهم لكسب نقاط في ملفات أخرى (من ليبيا، إلى أوكرانيا، إلى السودان، والعراق، ولبنان، وربما اليمن.. إلخ)، مع ما يعنيه ذلك من ضم أجزاء من البلاد إلى دول أخرى، و / أو انفصال جزء أو أكثر عن بقية الأجزاء، وما يعنيه أيضاً من تجدد للاحتراب السوري في أي وقت.
لا شكّ في أن المفاضلة بين الاحتمالين أعلاه هي مفاضلة بين سيئ وأسوأ، غير أن الاحتمال الأول يظلّ أخف وطأة، ويفتح الباب أمام جيل قادم يُنهض بلاده من تحت الصفر، وهذه ليست سابقة في التاريخ البشري، التجارب الناجحة كثيرة، غير أن نقطة البداية كانت في معظمها إنهاء الدكتاتوريات إلى غير رجعة، وإيقاف حرب الإخوة ونزع أسباب تجددها.
هل من احتمالات إيجابية خارج الاحتمالين المذكورين؟ ربما، لكنها احتمالات يحتاج حدوث أحدها معجزة، ولا أظن أننا في زمن المعجزات.
اللجنة_الدستورية دمشق الإدارة_الذاتية المعارضة هيئة_التفاوض كورونا كوفيد19 المجتمع_المدني

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0