الصورة: (Sebastian Backhaus - فليكر)
باتت كلمة «انفصاليين»، صفة مرادفة لكلمة «الأكراد» في كثير من وسائل الإعلام، وصار من الشائع تلازم المفردتين، ليغدو «الأكراد الانفصاليون» مصطلحاً حاضراً في أذهان شرائح مختلفة من السوريين.
هل يُعبّر هذا التوصيف عن واقع حقيقي بالفعل؟ أم هو مجرد انعكاس لهواجس استباقية؟ أم نتاج ديماغوجية انتهجها البعض خدمة لأجنداته ومصالحه؟
في سبيل البحث عن إجابات، سيكون مفيداً التعريج على مسار الحركة السياسية الكوردية، والمزاج الشعبي الكوردي السوري، وتسجيل النقاط التالية:
1- منذ تأسيس أول حزب كوردي سوري، في حزيران من العام 1957، مروراً بالخلافات بين الساسة الكورد، وما تبعها من انشقاقات أدت إلى تفريخ عشرات الأحزاب الكوردية، إلى درجة باتت معها الإجابة عن سؤال «الدجاجة قبل البيضة، أم البيضة قبل الدجاجة» أسهل من تعداد أسماء الأحزاب، والحركات، والمجالس، أو الجبهات، والتجمعات الكوردية، التي ينوف عددها حالياً عن المئة، وصولاً إلى يومنا هذا، لا يتضمن برنامج أي حزب كوردي سوري أي فقرة أو حتى إشارة إلى تأسيس دولة للكورد السوريين، و لم يصدر أي تصريح من أي شخصية اعتبارية كوردية سورية، يطالب بتأسيس دولة خاصة بالكورد.
2- التوزع الديمغرافي للكورد على الخريطة السورية (دمشق: حي ركن الدين، وعشوائيات دمّر، حماة: المدينة، وبعض القرى المتاخمة لسد زيزون، ريف حلب الشمالي كعفرين وقراها، و بعض القرى في ريف حلب الشرقي، ككفر صغير، وكعيبة، وقباسين، وعين العرب / كوباني، وصولاً إلى محافظة الحسكة حيث التداخل الكبير بين العرب، والكورد، والسريان، والآشوريين، والأرمن، والشركس)، هذا التوزع يجعل من رسم خريطة «دولة كوردية» أمراً مستحيلاً، حتى لو تم استحضار سايكس وبيكو من قبريهما!
3- يركز المتابعون للشأن الكوردي في سوريا، على هوية الجسم السياسي الذي يحق له تمثيل الكورد السوريين، بالاستناد إلى عدد أعضائه وأنصاره، فيقتصر البحث على جهتين اثنتين:
- حركة المجتمع الديمقراطي:
وهي بحسب ما يعرّفها مؤسسوها: تجمّع يضم تنظيمات سياسية (أبرزها حزب الاتحاد الديمقراطي /PYD ) وتنظيمات مجتمعية (أبرزها اتحاد ستار تنظيم يُعنى بشؤون المرأة)، تنظيمات عسكرية (كوحدات حماية الشعب YPG التي تشكل العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية).
- المجلس الوطني الكوردي في سوريا:
وهو تحالف أُنشئ العام 2011 ويضم حالياً أحزاباً كوردية سورية عدّة، أبرزها الحزب الديمقراطي الكوردستاني - سوريا، وحزب يكيتي. يحظى المجلس بدعم من حكومة إقليم كوردستان العراق، وعلاوة على الدعم المالي والسياسي، عملت حكومة الإقليم على تشكيل قوة عسكرية في الإقليم، مكونة من أنصار المجلس الوطني الكوردي، تحت مسمى «لشكري روج»، أو كما تُعرف إعلامياً: بيشمركة روج آفا.
بين عامي 2014 و2016 لم يكد يخلو «بلم» منطلق من السواحل التركية باتجاه الجزر اليونانية، من كورد سوريين
في واقع الحال، إن القسم الأكبر من الكورد السوريين خارج هذه الاصطفافات. وبمعنى أدق: القسم الأكبر هم غير محزبين. وبينما كان المجلس الوطني الكوردي، وحركة المجتمع الديمقراطي، يخوضان معارك سياسية لتحقيق أهداف ومكاسب حزبية ضيقة (رغم محاولات قام بها الرئيس السابق لإقليم كوردستان العراق مسعود بارزاني، لتوحيد الحركة الكوردية السورية عبر اتفاقيات هولير1، هولير2، دهوك)، كان كثير من المدنيين الكورد، ينضمون إلى أشقائهم السوريين من كل المشارب في رحلة التهجير، ويكاد لا يخلو بلم منطلق من السواحل التركية باتجاه الجزر اليونانية، من الكورد السوريين (خاصة بين عامي 2014، و2016).
وقتذاك، تحول البلم إلى مكان جامع لكل المكونات السورية، وبالإذن من زميلنا الريفي كاتب مقال «صورة جماعية لسوريا»، كانت رحلة البلم بمثابة فرصة أخيرة لالتقاط صورة جماعيّة تضم غالبية المكونات السورية، قبيل انطلاق رحلة الشتات إلى أوروبا لمن حالفه الحظ ولم يبتلعه البحر. وعلى الأرجح أن صورة الطفل الغريق، آلان (طفل كوردي سوري من مدينة عين العرب / كوباني، قضى هو وشقيقه ووالدته غرقاً) الذي تحول إلى رمز لمعاناة اللاجئين السوريين، لا تزال عالقة بأذهان السوريين.
وإضافة إلى الهجرة الخارجية، شهدت مناطق شمال سوريا حركة نزوح داخلية، باتجاه دمشق وحلب وطرطوس واللاذقية. وهي في جزء منها، حركة يصح وصفها بأنها هجرة طلباً للعلم، علم مقرون بشهادات معترف بها، وليس كما هو الحال في مدارس الإدارة الذاتية، التي لا تحظى الشهادات الصادرة عنها باعتراف أي جهة محلية أو دولية.
قصارى القول
نحن هنا لا نعمل على شرح أهداف وبرامج وأعمال الأحزاب والحركات الكوردية في سوريا. (قد نحاول في مقالات قادمة التشعب في تاريخ الحركة الكوردية، وصولاً إلى حاضرها، في محاولة لاستقراء مستقبلها). ما يهمّنا هنا، هو تصويب البوصلة، عبر تسمية الأمور بمسمياتها الحقيقية بعيداً عن لغة التعميم،
فمصطلح «مشروع كوردي»، هو مصطلح غير واقعي، إذ لا وجود لمشروع كوردي سوري جامع، يُمثل كلّ، أو حتى غالبية الكورد السوريين. بل هناك مشروع لحركة المجتمع الديمقراطي، أو مجلس سوريا الديمقراطية، ومشروع للحزب الديمقراطي الكوردستاني، إلخ..
وبغض النظر عن رأينا بتلك المشاريع، أزعم أننا إذا أصررنا على معرفة حقيقة المشروع الذي يمثل تطلعات وآمال غالبية الشارع الكوردي السوري، لوجدنا أنه المشروع نفسه الذي تتطلع إليه شرائح كثيرة ومتنوعة من السوريين: أن يكونوا شركاء حقيقيين في وطن سوري واحد جامع، يتمتعون بكامل حقوق الانسان.
وللحديث تتمّات.