× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

الفتيل والنّار

عقل بارد - على الطاولة 03-10-2020

يمكن تشبيه ما جرى في سوريا ببناء غير متماسك. تم تزيين واجهاته برخام وزجاج ملون. وعمل سكانه، والمسؤولون عنه، وجيرانه، وأبناء حارات قريبة وبعيدة، على حفر ما يمكن حفره قرب أساساته المتشققة، فانهار بشكل «مفاجئ»!

الصورة: (يزن حمصي - فليكر)

في مرحلة ذهاب المقاتلين السوريين إلى العراق، حفلت بعض خطب صلوات الجمعة في عدد من المدن السورية بما يُلهب الحماس، ويُعلي «فضائل الجهاد». كما غضت السلطات النظر عن انتشار تسجيلات صوتيّة جهادية، عملت على تعبئة المقاتلين، الأمر الذي ظهر بشكل واضح في الساحات العامة، وعلى أرصفة الطرقات. حتى إن قسماً من سائقي الحافلات العامة تحولوا عن الاستماع إلى الأغاني، إلى الاستماع إلى تلك الخطب الحماسية.

«تثقيف» دموي
حمل العائدون من حرب العراق معهم تسجيلات مصورة لعمليات قتل وإعدام وتعذيب، انتشرت على نطاق واسع بين السوريين. ليجد البعض في تلك المقاطع «نشوة قهر المحتل الأميركي». كما حملوا خبرات عسكرية في عمليات التفخيخ، والتفجير، وتنظيم العمل المسلح، وغيرها.
كسرت تلك التسجيلات الدموية الحاجز النفسي في المجتمع السوري، فأصبحت مشاهد القتل والتعذيب والدماء المسالة متاحة، ويسهل الوصول إليها، خصوصاً مع الانتشار الكبير لأجهزة قراءة الأقراص المدمجة، التي دخلت كثيراً من البيوت السورية بسبب رخص أسعارها، وأسعار الأقراص المدمجة.
كذلك، انتشرت وبشكل مريب خلال تلك الفترة تسجيلات لعمليات قتل وإعدام وتعذيب حملت اسم «مُنع من العرض»، وهي سلسلة من أجزاء عديدة، تضمنت مشاهد دموية، وساديّة، لعمليات قطع أعضاء بشرية، وذبح وتقطيع تتم بدم بارد أمام عدسات الكاميرات. بعض تلك الجرائم كان ينفذها أطفال.
مع تراجع حدة القتال في العراق بشكل تدريجي، وتزايد عودة قسم من المقاتلين المدربين من العراق، شنت السلطات السورية حملات أمنية عدة، ارتفعت حدتها عامي 2008 و2009. شملت الاعتقالات التي أطلق عليها شعبياً «حملات تنظيف» حينها، تجار مخدرات، وقطاع طرق، بالإضافة إلى مقاتلين عائدين من العراق، فاكتظت السجون بالمعتقلين، وكالعادة، جُمع «الإسلاميون» في أجنحة خاصة.

على خط «الربيع»
وصل «الربيع العربي» إلى سوريا، خلافاً لما ظنّته السلطات. قوبل الحراك بقمع صارم، وتسرب السلاح إلى الحراك. ونتيجة الآثار التراكمية للعوامل والظروف السابقة، انفجر بركان من الدماء في مجتمع مقموع، مشتت، يعاني أزمات اقتصادية خانقة أدت إلى اضمحلال تدريجي للطبقة الوسطى. بالتزامن مع انفتاح على أنماط استهلاكية تتطلب ملاءة مالية أكبر من متوسط الدخل. وتراجع صناعات وحرف كثيرة، بفعل غزو البضائع التركية، وهيمنة حيتان كبيرة على مختلف قطاعات الإنتاج في البلاد. كل ذلك معطوفاً على خلل ديموغرافي ولدته أزمات الجفاف المتتالية، وعلى انتشار كبير ومتنامٍ للسكن العشوائي الذي تقطنه الطبقات الفقيرة والأشد فقراً. 

لم يأت التوحش الذي تشهده سوريا من فراغ، ولم يكن نتيجة عامل واحد، أو عوامل متفرقة بسيطة، بل ضمن سياق تصاعدي على نار هادئة!

الجهل التراكمي الناجم عن سوء العملية التعليمية، وتدني مستويات المعيشة، وإهمال الأرياف ومناطق العشوائيات، كلها عوامل ساهمت في زيادة التوحش، خصوصاً مع تغليفه بطابع طائفي واسترجاع ذكريات العقود الماضية الدامية، ليأخذ العنف طابعاً انتقامياً من مختلف الأطراف، خاصة أن هذه الأطراف رأت في الانتقام جاذباً يضمن استقطاب شرائح مختلفة من المجتمع السوري، الذي وجد نفسه متورطاً في حرب مفتوحة متعددة الأوجه والحوامل.

كلاكيت.. مرة ثانية؟
بركان الدم، صار تدفقه مضاعفاً مع إطلاق سراح آلاف المعتقلين ممن تم اعتقالهم خلال «حملات التنظيف» السابقة الذكر، بموجب عفو رئاسي. كان من بين من أطلق سراحهم شخصيات ستؤسس وتقود فيما بعد جماعات مسلّحة عدّة. كما استقطبت ميليشيات مؤيدة للحكومة أعداداً ممن تم إطلاق سراحهم بموجب العفو نفسه، الأمر الذي سيؤزم الوضع السوري أكثر، خصوصاً مع اتخاذه طابعاً طائفياً، ودخول أطراف دولية عدة على خطه، ووسط تحريض وتجييش إعلامي غير مسبوق.
ويبدو لافتاً أن قيام السلطات السورية بإطلاق سراح المعتقلين، يكاد يطابق تماماً ما قامت به العام 1980، مع صدور عفو رئاسي وسط ارتفاع وتيرة الصراع مع جماعة الإخوان المسلمين. أسهمت الخطوة وقتذاك في إعادة بلورة الصراع، وتشكيله، ضمن منطق «الحرب بين الدولة العلمانية وجماعة متشددة أصولية رجعية». أوضح مثال على ذلك، أن رابطة العمل الشيوعي، التي أفرج عن عدد كبير من منتسبيها العام 1980، قررت الانتقال للقتال ضد الإخوان، إثر ما عُرف لاحقاً باسم «تقرير آب» الذي أقرّ «نقل السلاح من كتف إلى أخرى».

تطور «طبيعي»؟
ليس العنف طبعاً متأصلاً في السوريين. كما أن التوحش الذي تشهده سوريا لم يأت من فراغ، ولم يكن نتيجة عامل واحد، أو عوامل متفرقة بسيطة، بل ضمن سياق تصاعدي لسلسة طويلة من ممارسات أطراف مختلفة، لندخل في حلقة من الأفعال وردود الأفعال خلقت دائرة مغلقة من الشحن المتواصل لزيادة إشعال الحريق.
ما جرى في سوريا يمكن تشبيهه ببناء آيل للسقوط، تم تزيين واجهاته برخام وزجاج ملون، وعمل سكانه، والمسؤولون عنه، وجيرانه، وأبناء حارات قريبة وبعيدة، على حفر ما يمكن حفره قرب أساساته المتشققة، فانهار بشكل مفاجئ!

التوحش_في_سوريا اليوم_الدولي_للاعنف الإخوان البعث الجهاد العراق رابطة_العمل_الشيوعي الربيع_ألعربي

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0