× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

عن الرماديين و«الجحيم» الذي لم يتخيله عقل دانتي

عقل بارد - على الطاولة 24-01-2021

اليوم، وبعد كل هذه السنوات، بدأت الرمادية تظهر للعلن بجرأة أكبر، أو فلأقل بلا مبالاة أكثر. لم يعد الدم حجة على أحد، فقد أريق على كل الطرقات وتحت كل الرايات، كل المشاريع أثبتت دجلها، لم يكن أحد يهتم بنا منذ البداية

الصورة: (jonasiwc - فليكر)

«أسوأ مكان في الجحيم محجوز لهؤلاء الذين يبقون على الحياد في أوقات المعارك الأخلاقية العظيمة».

لا تزال هذه الجملة (المفحمة)، المنسوبة لـ مارتن لوثر كينغ، حاضرة بقوة عند طرفي النزاع في سوريا (هل الأدق أن أقول: أطراف؟)، تُستخدم الجملة بوصفها تهمة جاهزة ضد أي شخص لا يؤيد هذا الطرف أو ذاك، لنشعر بـ«وضاعتنا» أمام «القضايا العظيمة» التي يقتتلان / يقتتلون، حولها.

تكاد هذه الحرب تبلغ عامها العاشر، وفي كل يوم منها طالب كل من الطرفين الجميع بموقف واضح، والموقف المنشود طبعاً هو الوقوف في صفه، وفقط في صفّه.

لقد أصبح الحياد مرادفًا للخيانة في هذا البلد، وأنت متهم دائماً: كيف تخون دم الشهداء (من الطرفين)؟ ولا تعادي من قتلهم (من الطرفين)؟ 

هل يمكنني القول إن المنظرين كانوا من بين أخطر كوارث الأعوام العشر الماضية؟ (اغفروا لي لغة التعميم هنا، أستخدم المفردة بمعناها الاصطلاحي الذي يفترض أصلاً الوجه السلبي).

تنبع خطورة «المُنظّرين» المقصودين من براعتهم في تبرير أي موقف يتبنونه، ومن قدرتهم على إقناعك بجرائم الطرف الأخر ووحشيته، وتبرير أي جريمة يرتكبها رعاتهم، أما أبرز ما يجتمع عليه منظرو الطرفين فإدانتنا - نحن الرماديين - وتبشيرنا بـ «أسوأ مكان من الجحيم». 

كان مطلوباً منّا أن نكون في صف هؤلاء، أو صف أولئك، أما أن نكون رماديين؟! فلننتظر عقوبتنا وهي «أسوأ مكان في الجحيم». لكأن ما نعيشه جميعاً ليس أسوأ مكان في الجحيم!!

مع كل لحظة قتل ودمار وتشريد حلت هنا، كنا نملك التعاطف الإنساني، مع أي ضحية، من أي طرف، هذا بفرض أننا لم نكن محسوبين على الضحايا منذ اللحظة الأولى. فما هي خطيئتنا التي لا تغتفر؟ إنها بالضبط أننا لم نكن محسوبين، لا أعني على الضحايا، بل على طرفٍ ما. خطيئتنا أننا «رماديون» وفق تصنيفاتهم، ونستحق «أسوأ مكان في الجحيم». 

توفي حاتم علي منذ فترة قريبة، لم تنعه نقابة الفنانين، وهاجمه البعض لأنه «كان رمادياً» لم يحمل سيفاً مع أي من الأطراف، ونعاه الشعب «الرمادي» الذي حملت كل الأطراف سيوفها عليه.

اليوم، وبعد كل هذه السنوات، بدأت الرمادية تظهر للعلن بجرأة أكبر، أو فلأقل بلا مبالاة أكثر. لم يعد الدم حجة على أحد، فقد أريق على كل الطرقات وتحت كل الرايات، كل المشاريع أثبتت دجلها، لم يكن أحد يهتم بنا منذ البداية. (ليس فقط بالرماديين، بل بنا جميعاً، حتى بالضحايا المصنفين في صفه). كانت السلطة جوهر الصراع، وحدها، بلا أي تجميل وشعارات رنانة، وكان مطلوباً منّا أن نكون في صف هؤلاء، أو صف أولئك، أما أن نكون رماديين؟! فلننتظر عقوبتنا، وهي «أسوأ مكان في الجحيم»، وكأن ما نعيشه ليس أسوأ مكان في الجحيم!!

حسناً، فلأحاول إنهاء هذا المقال بتصويب خطأ شائع. يؤسفني أن أقول لكم إن عبارتكم تلك، عن «أسوأ مكان في الجحيم..»، لا أصل لها وفق الصيغة والمغزى اللذين تسوقانهما.

لقد اقتُبست تلك العبارة من الكوميديا الإلهية، للشاعر دانتي أليغييري، وتمّ تدويرها، وإعادة استخدامها مرات ومرات، في سياقات وقضايا مختلفة. 

هل استخدمها مارتن لوثر كينغ، لمهاجمة الحياد؟

نعم، لقد استخدمها، (ولم يفته أن ينسبها إلى دانتي)، لكنه فعل ذلك في مستهل خطاب يهاجم فيه الحرب في فيتنام، ويطالب الجميع بموقف أخلاقي ضد الحرب، ليقول تالياً: «إذا استمر الإنسان الحديث في مغازلة الحرب بلا تردد، فسوف يحول موطنه الأرضي إلى جحيم، لا يمكن حتى لعقل دانتي أن يتخيله».

حاتم_علي 2011 الرمادي دانتي مارتن_لوثر_كينغ الرايات فيتنام نقابة_الفنانين

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0