× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

يوميات «متخلّف»: أنا أركض.. والدوريَّة تركض.. والعمر يضيع

حكاياتنا - خبز 08-02-2021

يعاني معظم الشبان في مناطق سيطرة دمشق، قلقاً متواصلاً، بسبب كابوس الخدمة الإلزامية. لا حلول كثيرة أمام المتخلفين عن الالتحاق. كثر من الشبَّان خسروا دراسة أو عملاً، وقُضي على مواهبهم وطاقاتهم بسبب هذه المُعضلة

الصورة: (REUTERS / Omar Sanadiki - فليكر)

«كانت الساعة الواحدة ظهراً في أحد أيام شهر آب، كنت أركض من دون أن أرى أمامي بعد أن لمعت في رأسي جملة: الهريبة تلتين المرجلة»، يقول سعيد (اسم مستعار)، ويضيف شارحاً: «كنت أحمل غالوناً وأبحث عن محل لأملأه بالماء، عندما فاجأني رجل بقبّعة حمراء قائلاً: هويتك وتأجيلك. تقلَّص وجهي، وكعدّاءٍ أولمبي انطلقت راكضاً، كان رأسي يفكر جاهداً بمكان يمكنني الاختباء فيه لكي لا يمسكوا بي، وجدت نفسي أمام باب بيت صديقتي، بقميص ممزق ووجه لا لون له، سألتني ما بك؟ أجبتها: عندك سقيفة؟». 

يواصل الشاب حديثه عن تجربته «المشوِّقة» في التخلُّف عن الخدمة العسكرية الإلزامية. يقول «بدأ التَّشويق يقتحم حياتي منذ ثلاث سنين، وعشرة أشهر، وخمسة عشر يوماً بالضبط. حينها، علمتُ بأنني مفصول من الجامعة واستنفدت جميع الفرص لتأجيل خدمتي العسكرية. في الأشهر الأولى كنت أخرج بشكل طبيعي، فلم أكن معتاداً على الأمر، ثم صارت الكوابيس رفيقة حياتي كلما رأيت دورية للشرطة العسكرية».

يتذكر سعيد بدقة متى بدأت «لعبة الهرب». يقول: «مرة كنت أمشي في الشارع العام، وإذ بدوريَّة تفتِّش الشبَّان على بعد أمتار، كان عليَّ أن أقرر: إما الهرب أو تسليم نفسي، تقدمت في محاولة لإظهار أن الأمور طبيعية، ثم بدأت ساقاي وبلا إحساس مني بالركض، في البداية ظننت أن أحد عناصر الدورية يتبعني، ثم انتبهت إلى أن شباناً مدنيِّين ورجالاً هم من يتبعونني، لا الدورية. توقَّفتُ أخيراً، فأمسكوا بي صارخين "طالع اللي معك". ضحكتُ فرحاً وقلت لهم: "أنا خالص تأجيلي لهيك هربت". في تلك اللحظة أحببت الحرب، والفوضى، واللصوص، وانتشار السلاح، والمصادفات الغريبة التي أنقذتني».

«قدرك ونصيبك»

حال سعيد، مشابه لأحوال آلاف الشبان السوريين الذين قرروا عدم الالتحاق، وعيش حياتهم في الخفاء، منتظرين سفراً بطريقة غير شرعية، أو عفواً عاماً، أو معجزة سماوية تنقذهم من هذا القدر المحتوم. 

تحولت حياة أولئك الشبَّان إلى روايات تحكى، مع كل ما يواجهونه من ضغوط وخوف وتقييد لحريتهم وحركتهم، الأمر لا يقتصر على تحاشي الحواجز والمرور بها، فالشرطة العسكرية قد تظهر في أي لحظة وأي مكان. 

يقول مهند: «أصابُ بانخفاض ضغط يومي، وتسارع في دقات قلبي، وتعرُّق شديد. أتخيّل سيناريوهات لما سيحدث في حال أمسكتني الدورية»

ابتكر الشبان المتخلفون «حلولاً» عديدة، فالأقارب والأصدقاء تحولوا إلى مراقبين للطريق الذي يسلكه الشاب المطلوب، ليمر بسلام. هاتفه الخلوي يرنُّ كثيراً ليتلقى تحذيرات من الخروج، أو لتحديد أماكن انتشار الدوريات. واجتهد بعض الشبّان في إيجاد طرق فرعيَّة وغير معروفة أو مستهدفة من قبل الدوريات، ليسلكوها حتى يصلوا بأمان.

كثر منهم يعيشون في سجن حقيقي: لا يخرجون، لا يعملون، وتقتصر نشاطاتهم على النوم والاستيقاظ واستقبال الأصدقاء بين وقت وآخر. فيما تدهورت الحالة النفسية لبعضهم لتصل إلى العزلة التامة.

مهند شاب آخر مطلوب للخدمة العسكرية. تزامنَ انتهاء تأجيله مع بدئه العمل على مشروع تخرجه، وهو عرض مسرحي. يدرس الشاب التمثيل في معهد خاص، ما يعني أن هذه الدراسة لا تخوّله الحصول على تأجيل للخدمة. يقول: «أستيقظ يومياً في السادسة. أخرج من بيتي لأصل في وقت مبكر إلى المعهد، قبل أن تنتشر الدوريات وتبدأ لعبة المطاردة. أعيش حالةً من القلق الدائم، فقد يمسكون بي في أي لحظة وذلك سيعني خسارة تخرجي الذي انتظرتُه ثلاث سنوات. بالإضافة إلى أنه سيرغم زملائي على إيقاف العمل على المشروع وخسارة شهور متواصلة من العمل على هذا العرض». 

يحتاج مهند للذهاب من بيته إلى المعهد استخدام ثلاث وسائل نقل. يقول «أصابُ بانخفاض ضغط يومي، وتسارع في دقات قلبي، وتعرُّق شديد. أتخيّل سيناريوهات هوليوودية لما سيحدث بي في حال أمسكتني الدورية. لا تزول هذه الأعراض حتى أصل، وفي أحيان كثيرة أقطع المسافة - رغم طولها - سيراً». 

شكراً أيها الخزان!

هناك طرق تمكن الشاب المتخلف عن الخدمة من «تسوية أوضاعه»، لكنها جميعاً تحتاج مبالغ طائلة من المال، وليس يسيراً تدبر ثلاثة ملايين ليرة مثلاً من أجل توقيع أو ورقة. الحل المتاح هو التخفي، وانتظار الفرج، أو المصيبة. 

وقع مهند مرّة في قبضة أحد الحواجز. يروي ما حدث يومها: «أمسكوني، ولم يكن أمامي أي مهرب. كنت أحمل مبلغاً من المال لأوصله إلى صديقي، عرضته على عنصر الحاجز، فأخذه وتركني أمضي. نجوت، ولكن مع دين أعجز عن سداده».

في نهاية المطاف قرر سعيد إنهاء حياة الإثارة، والتحق بالخدمة الإلزامية، في ظل عجزه عن السفر أو دفع البدل

فيما يروي أحد الشبان واحدة من «مغامراته»، قائلاً: «آخر مرة صادفت دورية كنت في زيارة لأقاربي، كنا أنا وقريبي الذي يشاركني المأساة ذاتها نمشي في الشارع متجهين نحو أحد المحال، عندما رأيناهم من بعيد. تظاهرنا باللامبالاة، وتجاوزناهم، قبل أن نسمع سمعنا صوتاً يصرخ: "وقف". ركض كلّ منّا في اتجاه. بعد قليل وجدتُ نفسي مختبئاً في خزان مياه على سطح بناء لا أعرفه، بقيت هناك قرابة ربع ساعة لأتأكد من عدم وجود أحد، ثم خرجت لأجده هو أيضاً - في تخاطر غريب بيننا - مختبئاً في خزان آخر. انتهى يومنا بضحك متواصل، ومبالغ فيه بسبب ارتفاع الأدرينالين، والمغامرة التي حظينا بها».

تسريح.. مع وقف التنفيذ!

هناك من التحقوا في نهاية المطاف - طوعاً أو تم توقيفهم وسوقهم - هؤلاء لا يعلمون متى تنتهي خدمتهم آخذة معها أفضل سنوات شبابهم، ليخرج واحدهم من هناك منهكاً نفسياً وجسدياً، إن قُدِّر له العيش ولم يوضع على جبهة ما، ويخسر حياته.

في الوقت نفسه يعاني الشبّان المتخلفون من إنهاكٍ مشابه، يتمثل في العجز عن إيجاد حلول، وصعوبة العيش بلا قدرة على العمل والحركة، خاصة مع الأوضاع الاقتصادية السيئة.

قبل فترة تسلم سعيد ورقة من رئيس قطعته العسكرية، كُتب فيها: تم تسريح المجنَّد فلان الفلاني، من الخدمة العسكرية بعد أن أتمها. لكنه لم يفرح، فقد تسلم معها قراراً خلاصته: «يتم الاحتفاظ بفلان الفلاني حتى إشعار آخر». 

يقول الشاب: «نعم، في نهاية المطاف التحقت بالخدمة، بعد أن قررت أن أنهي حياة الإثارة، في ظل عجزي عن السفر أو دفع البدل. لا أجد فرقاً بين وجودي هنا، أو في الخارج، ففي الحالتين حياتي ملكٌ لهم».

دمشق الجيش_السوري دفتر_العسكرية التجنيد تشويق جبهات تسريح البدل دورية تأجيل

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0