الصورة: (ARGEkultur - فليكر)
في مطبخ منزله الصغير في إحدى المدن الألمانية يقضي أبو وليد وزوجته ساعات من يومهما في إعداد مأكولات سوريّة، بعضها لم يطبخاه سابقاً، قبل تهجير العائلة!
يعتمد الزوجان على ذاكرتهما في إعداد بعض الأصناف، ويستعينان ببعض أقاربهما في سوريا أو بـ«يوتيوب» لاكتشاف أطباق سوريّة أخرى.
شكراً ألمانيا!
قبل وصوله إلى ألمانيا، لم يكن أبو وليد يولي الكثير من الاهتمام للطبخ، خصوصاً أن الظروف لم تكن تتيح له رفاهية الاختيار.
يقول الرجل الخمسيني «لا يتعلق الأمر بسنوات الحرب فقط، بل حتى قبلها، كان نمطنا الغذائي يعتمد بشكل أساسي على قدرتنا المادية التي كانت محدودة جداً».
في البداية عانى أبو وليد صعوبات في التأقلم مع نمط الحياة الذي يتطلب إجراء حسابات دقيقة للدخل والمصروف، خصوصاً أنه يواجه للمرة الأولى في حياته نظاماً ضريبياً دقيقاً، وشكل حياة منظماً جداً.
يشرح الرجل قائلاً «هنا كل شيء محسوب، ما نقبضه شهرياً يكفينا بالتمام والكمال إن تمكنا من إدارته بالشكل الصحيح»، ويتابع «مع مرور الوقت اكتشفنا أسواق المدينة، وعرفنا الطريقة الصحيحة للتسوق، وكيف نوفر المال، ومن أين نشتري حاجياتنا».
«كنت أسأل شقيقتي المقيمة في سوريا عن طريقة تحضير فتة المكدوس، فاكتشفت أنها لم تطبخ هذا الطبق منذ أعوام، بسبب كلفته المرتفعة، وشعرت بالخجل الشديد»
يعمل أبو وليد في مشغل صغير في المدينة ثماني ساعات في اليوم، الأمر الذي وفّر له وقتاً طويلاً للبقاء في المنزل، ليلاحظ أن اهتمامه وزوجته بالطبخ راح يتزايد.
يقول «لا يتعلق الأمر بالتجربة فقط، أو بالبذخ. نطبخ ما يكفينا من دون زيادة أو نقصان، وكلفة الطبخ أقل من الاعتماد على المأكولات الجاهزة، كما أننا لم نتأقلم مع النمط الغذائي هنا، المأكولات الألمانية ليست لذيذة، ولم نستطع تقبلها».
يقول أبو وليد «هنا الخضار والفواكه مرتفعة الثمن بينما اللحوم رخيصة. لذلك نعتمد على اللحوم في معظم المطبوخات، هذا الأمر دفعنا للبحث أكثر في مطبخنا السوري الذي تشكل اللحوم إحدى ركائزه».
لم يعد أبو وليد وزجته يتصلان بأحد في سوريا للسؤال عن طريقة إعداد طبق ما، فهذا الأمر وضعهما في موقف محرج. يقول «مرة كنت أسأل شقيقتي عن طريقة تحضير فتة المكدوس، قبل أن أكتشف خلال شرحها أنها لم تطبخ هذا الطبق منذ بضعة أعوام، وأشعر بالخجل الشديد. هذا موقف غريب جداً، أن تسأل شخصاً عن طريقة إعداد طبق لا يمكنه طبخه بسبب كلفته المرتفعة».
لا حاجة إلى «المونة»
لا يعاني أبو وليد من نقص في أي مواد تلزمه لمطبخه السوري «كل شيء موجود هنا، حتى رب البندورة الذي يأتي من سوريا، نجده وبأسعار معقولة. التجار الأتراك يستوردون كل شيء».
«صحيح أن للمونة نكهتها الخاصة، ولكن الحياة في أوروبا أبسط، ليس عليك أن تشغل بالك في التفكير بلقمة الغد، فلا شيء تخشاه»
خلال حديثنا عبر تطبيق «واتس أب»، يدير أبو وليد كاميرا هاتفه نحو ثلاجته ويفتحها، يخرج علبة مرتديلا سورية المصدر، قبل أن يتنقل في مطبخه، مستعرضاً بعض موجوداته: «هذا زيت زيتون من سوريا، وهذه القهوة سورية أيضاً، لا يوجد شيء لا يصلنا، وبأسعار معقولة مقارنة بدخلنا»، ويتابع «الشيء الوحيد الذي افتقدناه في البداية هو الجبنة، توجد هنا أنواع كثيرة، لكنها مختلفة عما اعتدنا عليه، هذا الأمر خلق سوقاً لبعض العائلات السورية التي بدأت تصنع الجبنة وتبيعها. وقبل فترة بدأت صناعة الجبنة بيدي، هنا في المنزل».
ما ينطبق على ألمانيا، ينطبق على كثير من دول اللجوء، حيث لا يشغل كثير من السوريين أنفسهم بتحضير «المونة»، كما اعتادوا في بلادهم.
تعيش مها وعائلتها في السويد منذ أكثر من ثلاث سنوات. تقول «هنا كل شيء متوافر، لا داعي للمونة»، وتضيف «كلفة تحضير المونة كبيرة مقارنة بشراء المواد معلبة من المحلات، إضافة إلى أن الطقس غير مناسب، لا توجد أشعة شمس صيفية حارقة تساعد على صناعة رب البندورة، ولا يوجد هواء جاف يساعد على تجفيف الباذنجان أو البامية».
حال مها يشابه حال أم يامن التي تعيش في هولندا. تقول أم يامن «السبب الرئيسي لتحضير المونة في سوريا كان عدم توافر بعض المواد في فصول أخرى، إضافة إلى الخوف من ارتفاع ثمنها. هنا لا نخاف من انقطاع المواد أو ارتفاع ثمنها، كل شيء موجود وبأسعار مضبوطة».
تصنع أم يامن المكدوس أحياناً. تقول «في سوريا كان موسم الباذنجان يحكمنا، فنُحضّر كميات كبيرة من المكدوس، أما هنا فنصنعه بكميات قليلة، وفي بعض الأحيان نشتريه معلباً، أو من عائلات سورية تصنعه لتبيعه».
«كان علينا أن نُهجّر، ونقطع آلاف الكيلومترات، لنتمكن من اكتشاف مطبخنا الذي عجزنا عن اكتشافه في بلدنا»
تتذكر أم يامن فصل الصيف في منزلها في سوريا. كانت عائلتها تشتري كميات كبيرة من البندورة والفليفلة الحمراء، وتحول سطح المنزل إلى ورشة مصغرة، فتفرد البندورة وتقلبها تحت أشعة الشمس، وتترك الفليفلة حتى تجف. تقول «صحيح أن للمونة نكهتها الخاصة، ولكن الحياة هنا أبسط، ليس عليك أن تشغل بالك في التفكير بلقمة الغد، فلا شيء تخشاه».
كوميديا سوداء!
يتباين دخل مُحدّثينا (أبو وليد، مها، أم يامن)، لكن ظروف حياتهم متشابهة من حيث طريقة المعيشة، وتأمين الاحتياجات اليومية والرئيسية.
كذلك، تُجمع العائلات الثلاث على الاعتماد على المطبخ بشكل كبير، في ظل توافر المواد اللازمة للطبخ والقدرة على شرائها من جهة، والوقت الطويل الذي تقضيه العائلات في المنازل من جهة أخرى، خصوصاً بعد انتشار جائحة كورونا، ما خلق الظروف المواتية لتجربة طبخات جديدة، وإعادة اكتشاف المطبخ السوري، في وقت نسي فيه معظم السوريين داخل البلاد كثيراً من أطايب مطبخهم.
أمرٌ تعتبره مها تجسيداً حقيقياً للكوميديا السوداء. تقول السيدة «كان علينا أن نُهجّر، ونقطع آلاف الكيلومترات، لنتمكن من اكتشاف مطبخنا الذي عجزنا عن اكتشافه في بلدنا».