الصورة: (كوسوفو العام 1999 - Northfoto Picture Agency - فليكر)
هذا مقطع من مذكرات الطفلة البوسنية زلاتا فيليبوفيتش. المقارنة مع آن فرانك، الطفلة الألمانية اليهودية التي قضت في أحد المعسكرات النازية، زمن الحرب العالمية الثانية، جعلت زلاتا مشهورة على الفور. كانت سراييفو لا تزال تحت الحصار، وقد زار زلاتا صحافيون ومراسلون، وتم نشر أجزاء من يومياتها، ما قاد تالياً إلى إنقاذ زلاتا وعائلتها، ونقلهم إلى باريس.
أدى التعقيد المذهل للحرب الأهلية اليوغوسلافية إلى صعوبة فهم ما يجري في تلك البلاد، بما يشبه الحالة السورية في بعض الأوجه.
لقد شاهد «الجمهور» الصرب يقاتلون المسلمين البوسنيين والكروات، والكروات يقاتلون الصرب والبوسنيين المسلمين، والبوسنيون المسلمون يقاتلون الكروات والصرب. (إقرأ/ي: الجيش السوري يحارب «داعش» والمعارضة المسلّحة، ويناوش بين وقت وآخر قوات سوريا الديمقراطية، المعارضة المسلّحة تحارب «داعش» وقوات قسد والجيش السوري، قسد تحارب «داعش» والمعارضة المسلحة، وتناوش الجيش السوري.. وهكذا).
نظرة إلى التاريخ
كما أشرنا في المقال السابق، تألّفت يوغوسلافيا من ست جمهوريات: سلوفينيا، وكرواتيا، والبوسنة والهرسك، وصربيا، والجبل الأسود، ومقدونيا.
كانت مساحة يوغوسلافيا حوالى سبعة أضعاف مساحة هولندا، وحوالى نصف حجم فرنسا، وكان يسكنها ما يقارب 23 مليون نسمة.
كمنت حساسية يوغوسلافيا، في أنها منطقة تماس بين حضارات متعددة. وما أصبح يوغوسلافيا بعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918) كان لقرون سابقة مثالاً بارزاً على لقاء تلك الحضارات، مع ما تحتويه من عناصر تلاقٍ وتنافر في آن واحد. وهي، بالتوازي، البيئة المثالية لحدوث التوترات.
هنا التقى اﻹسلام بالمسيحية، بالتداخل مع أصول عرقية متنوّعة نشأت في المنطقة، تبعاً لتطورات مرتبطة بالبنية العرقية نفسها ﻷوروبا.
وفوق ذلك، كانت يوغوسلافيا أيضاً الخط الفاصل بين المسيحية الغربية (الرومانية الكاثوليكية) والشرقية (الأرثوذكسية).
وفي هذه المنطقة تقاتلت اﻹمبراطورية النمساوية المجرية، والسلطنة العثمانية على نطاق واسع. وبين أواخر القرن الرابع عشر، وأواخر القرن الخامس عشر، احتلت السلطنة العثمانية جزءاً كبيراً من البلقان، بما في ذلك مقدونيا وصربيا وأجزاء من الجبل الأسود والبوسنة والهرسك، أما كرواتيا وسلوفينيا فتحوّلتا جزءاً من الإمبراطورية النمساوية المجرية.
عادة ما يظهر التدخل الخارجي في البلدان التي تتعرض لاضطرابات، وهو مرتبط بمصالح القوى المسيطرة على الساحة العالمية، تلك التي لا تقف عند حدّ معين من اﻷطماع أو الرغبة في التحكم بكل ما يمكنها من موارد
في نهاية الحرب العالمية الأولى، كانت دولة يوغوسلافيا الجديدة (تحت اسم مملكة الصرب والكروات والسلوفاك) تتألف من أقاليم ومجموعات سكانية، ذات تقاليد عرقية وثقافية وسياسية متنوعة.
كانت أقسام كبيرة من المملكة التي تم تشكيلها حديثًا جزءاً من الإمبراطوريتين المتفتتتين، وكانت في حالة حرب بين العامين 1914 و1918. لذلك شكك العديد من المراقبين المعاصرين في جدوى مملكة الصرب والكروات والسلوفاك الجديدة.
اكتسبت مملكة صربيا السابقة ثقلاً مركزياً في المملكة الجديدة، وأصبحت النخبة الصربية مهيمنة فيها، وبلغراد عاصمة للمملكة. على هذا اﻷساس سيطرت القوات الصربية بمساعدة بسيطة من الجنود الكرواتيين والسلوفينيين، على كامل أراضي المملكة اليوغوسلافية الجديدة، بين العامين 1918 و1919.
نتيجة لذلك، شعر كثير من السكان غير الصرب، خاصة في سلوفينيا وكرواتيا بالغبن، ولاحقاً ساهمت السياسات الصربية القاسية في زيادة الاستياء بين الكروات والسلوفينيين، الذين غالباً ما كانوا يعتبرون أنفسهم متفوقين ثقافياً على الصرب.
القومية والاستقطاب المتزايد
كان تيتو، والقادة المركزيون الآخرون في الاتحاد اليوغوسلافي الجديد، على دراية تامة بقضية القوميات غير المستقرة.
في البداية، كان «المتعاونون مع الفاشية»، و«أنصار الملكية»، و«القوميون»، و«مناهضو الثورة» مضطهدين. ومن ناحية أخرى أُخذت الحساسيات القومية لأهم الفئات العرقية بين السكان في الاعتبار، فتكونت المنظمات الحكومية والإدارية والثقافية من مجموعات عرقية مختلفة. لكن المظاهر السياسية أو الثقافية للقوميات كانت من المحرمات تماماً (بخلاف تلك المسموح بها رسمياً مثل الأزياء التقليدية، والموسيقى، وما إلى ذلك)، أما أي نشاط قومي سياسي، فكان محظوراً.
اللافت أن سياسة «صهر المكونات بالقوة» التي اتبعها تيتو، لم تحقق نتائج جوهرية، وظل كثيرون يميلون إلى تعريف أنفسهم بأنهم سلوفينيون، أو صربيون، أو كرواتيون، أو مسلمون.
يمكن أن نستنتج أن عملية تكوين الأمة في يوغوسلافيا لم تتم، وأنّ هويات السكان بقيت متموضعة ضمن أطرها الإثنية (أقرأ/ي: الطائفية، العشائرية).
لم تدخل قضية الهوية أبداً في النقاش العام، بسبب الافتقار إلى الحريات السياسية والثقافية والفكرية، ولم يتصالح المجتمع أبداً مع الصدمات الجماعية والفردية في تاريخ ما بعد الحرب العالمية الثانية.
التدخل الخارجي
في العام 1980 توفي تيتو «الرئيس مدى الحياة» ليوغوسلافيا، وفُتح الباب أمام عدد من المشكلات التي كانت نائمة: فراغ السلطة بعد وفاة تيتو، ودرجة المركزية، ومسألة القوميات، والقضايا الاقتصادية الخطيرة.
كانت إدارة هذه المشكلات (المترابطة بالضرورة) مهمة هائلة وصعبة. وصار الأمر أكثر صعوبة عندما ظهرت مشكلتان إضافيتان في الثمانينيات: الأولى داخلية، هي المطالب المتزايدة للمجموعات والأحزاب المختلفة بمزيد من الاستقلال السياسي والاقتصادي، أما الثانية فخارجية، بفعل التغيرات السريعة في العلاقات الدولية، نتيجة لانهيار الشيوعية في أوروبا، ونهاية الحرب الباردة.
سياسة «صهر المكونات بالقوة» لم تحقق نتائج جوهرية، وظل كثيرون يعرفون أنفسهم بأنهم سلوفينيون، أو صربيون، أو كرواتيون، أو مسلمون، ما يعني أن عملية تكوين الأمة الجامعة لم تتم، وأنّ هويات السكان بقيت متموضعة ضمن أطر تحت وطنية
عادة ما يظهر التدخل الخارجي في البلدان التي تتعرض لاضطرابات. هذا أمر ليس جديداً على تاريخ البشرية، وهو مرتبط بمصالح القوى المسيطرة على الساحة العالمية، تلك التي لا تقف عند حدّ معين من اﻷطماع، أو الرغبة في امتلاك وإدارة والتحكم بكل ما يمكنها من موارد.
في حالة يوغوسلافيا، كان الصراع فيها، وعليها. فمشكلاتها الداخلية التي تراكمت على مدار عقود، جذبت إليها القوى الدولية، فضلاً عن كونها تمتلك في اﻷصل عناصر جاذبة، من الموقع الجغرافي على بوابات روسيا ووسط أوروبا وغربها، امتداداً إلى البحر المتوسط، عدا عن بعض الثروات (مصادر المياه العذبة، مناجم الفحم الحجري، والحديد، والبوكسيت.. إلخ) التي تثير شهية شركات تتخفى دائماً وراء الحكومات والجيوش.
هنا يأتي دور التوابع من الداخل، الذين لا يدركون (أو قد يدركون، ولكنهم يتعامون) أنهم مجرّد أدوات في هذه اللعبة، وأنها لن تتوقف عندهم، بل سوف تتجاوزهم إلى غير أفراد وأسماء.
كان الأوروبيون قد انتهوا من مباحثاتهم ﻷجل توحيد القارة العجوز، ووقعوا معاهدة ماستريخت في كانون الأول 1991، وبدا أن اﻷميركيين غير راغبين في ظهور كيان سياسي قد يهدد مصالحهم في كل من دول القارة على حدة، أما بوّابة التحدي للكيان الجديد فكانت يوغوسلافيا.
في حقبة الحرب الباردة، كانت الدول الأوربية تقبل الوجود الأميركي في يوغوسلافيا، تخوّفاً من الكتلة الشيوعية، ومن «هجوم سوفياتي» عليها، كما صوّرت الدعاية اﻷميركية ذلك لعقود طويلة.
مع انهيار الاتحاد السوفياتي، وعدم بروز روسيا ـ وقتها ـ عدواً محتملاً، فإنّ صراعاً خفيّاً بين الأوروبيين واﻷميركيين تجسّد عملياً في إدارة أزمة يوغوسلافيا.
اعتمد الأوربيون دعم الفيدراليات، كلّاً منها على حدة، لتشجيعها على الانفصال عن يوغوسلافيا، تحت عناوين حريتها العرقية والقومية. فيما شجّعت واشنطن الحكومة المركزية لمحاربة ذلك الانفصال، تحت مسمى الأمة اليوغوسلافية الموحدة. وبين الشدّ والجذب، عاشت يوغوسلافيا العقد التالي.
تفكك الدولة
رحيل تيتو، جعل كثيراً من المحلّلين يتوقعون بدء اضطرابات في البلاد، إلا أن اﻷمر تطلب انتظار عقد كامل حتى اندلاعها متأثرة بأجواء «الربيع البرتقالي»، التي انطلقت من بولندا، إذ أدّى انتهاء الحرب الباردة، في ظل الغياب المفاجئ لحكم الحزب الواحد، إلى تفجر العديد من الصراعات المكبوتة في تلك المجتمعات، على الخلفية القومية في الدرجة اﻷولى.
كان تفكك يوغوسلافيا مرتبطاً بشكل أساسي بانهيار الشيوعية في ألمانيا الشرقية (الديمقراطية كما نعرفها)، وفقدان الترابط بين الحزب الشيوعي اليوغوسلافي ونظيره اﻷلماني الديمقراطي.
ومع تدهور قوى التوحيد اﻹجبارية داخل يوغوسلافيا، بدأت أنماط جديدة في الظهور، تنتمي بشكل أساسي إلى القومية التسلطية التي أفرزتها عقود من الكبت والضبط ضمن منظومة الحزب الشيوعي.
استغل القادة القوميون - الذين كانوا أساساً أعضاء في قيادات الحزب الشيوعي - التحوّل النوعي في العلاقات المجتمعية والاقتصادية، وشرعوا في ضخ الأفكار القومية العنصرية.
لم تكن هذه التحولات بمعزل عن تدخل أجهزة مخابرات دولية، رأت فيها فرصةً كبيرةً ﻹعادة ترسيم أوروبا بما يتناسب مع المرحلة التالية للحرب الباردة. ونشط في تلك الحقبة بشكل هائل الضخ اﻹعلامي، وشحن القوميات، بعضها ضد بعض.
يتبع