× الرئيسية
ملفاتنا
صورنا
إنفوغرافيك
من نحن
تَواصُل
النشرة البريدية
facebook twitter twitter twitter
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

من دمشق إلى سجون ليبيا: عشرات الأُسر السورية في قبضة الميليشيات

حكاياتنا - خبز 11-01-2022

هل سمعت بـ«سجن المايا»؟ لا نتحدث عن حضارة المايا العريقة، بل عن سجن في مدينة طرابلس الليبية يقبع فيه العشرات من حملة الجنسية السورية: رجالاً، ونساء، وأطفالاً، طارت بهم طائرات من دمشق في «درب الخلاص نحو إيطاليا»، وانتهوا في سجن ليس سوى واحد من عشرات السجون ومراكز الاحتجاز الأخرى، تديرها ميليشيات مختلفة التبعيات وتمتهن الإتجار بالبشر

الصورة: (J V - فليكر)

كان أحمد علاء الدين يعرف أن السفر في البحر يحتاج إلى قرار حاسم لا رجعة فيه، ولهذا استعدّ طويلاً. 

حرص الشاب على ارتياد المسابح الخاصة، وتدرّب جيداً على قطع المسافات الطويلة، وحبس الأنفاس تحت الماء، كما دأب على التردد إلى نادٍ رياضي للعب الحديد وتقوية عضلاته كي تكون جاهزة للمخاطرة، خاصة أن سفره سيكون في فصل الشتاء. لكنّ كل تلك الاستعدادات ذهبت سدى، فقد وقع أحمد في قبضة إحدى الميليشيات عند أحد الشواطئ الليبية.

يُسلّم أحمد الذي خرج من سجن المايا في طرابلس بعد شهر وثلاثة أيام، بأن الطريق إلى روما بات بعيداً جداً، وحلماً صعب المنال بعد أن دفع «شقا عمره» للخروج من السجن. 

يقول: «خرجت تاركاً ورائي عدداً من العائلات السورية، معظمها من دمشق وريفها ودرعا، ولا أعلم كيف السبيل لخروجها من هذه المقبرة الجماعية. كل الذي أعرفه أن من بين المحتجزين السوريين هناك ثلاثون سيدة، وأربعون طفلاً، بالإضافة إلى مئة رجل، مع نحو 1800 محتجز من جنسيات مختلفة». 

ويضيف: «تسيطر على السجن مليشيا مسلحة بقيادة شخص يدعى معمر الضاوي ولقبه: مفتاح. (آمر السرية 55 مشاة التابعة لوزارة الدفاع في حكومة الوفاق). كنت محظوظاً بمعارفي الكثر، وأنقذني من الجحيم صديق من محافظة السويداء، أنا الآن في بيته نحاول أن نجد طريقة للضغط على الخاطفين بأي طريقة لفك أسر النساء والأطفال».

يضمن بعض السماسرة، ومكاتب السفر في مناطق سيطرة دمشق تنظيم الرحلة مقابل مبلغ متفق عليه ثمناً للتذكرة، والتأشيرة، والموافقات اللازمة. في صيف العام الماضي ارتفع الثمن إلى 1600 دولار، بعد أن كان لا يزيد عن 250 دولاراً كحد أقصى

«المهمة المستحيلة»، بهذا يصف عمار، وهو شاب سوري يعيش في ليبيا محاولات تخليص المختطفين والمختطفات من سجن المايا ذي السمعة السيئة. 

يقول الشاب موضحاً: «الميليشيا تطلب مبالغ مالية تعجيزية، والأمر يتطلب تدخلاً من السلطات السورية، وهذا أحد مطالب الخاطفين أيضاً لاعتقادهم أنهم سيكسبون أكثر مادياً وسياسياً، لكن لا وجود لسفارة، أو شخصية اعتبارية يمكن أن تتواصل مع هؤلاء الذين يتحكمون بالمنطقة». 

ويضيف: «السجون المشابهة عديدة في ليبيا، وكثير منها غير معروف، لكن أخطرها تلك الموجودة وسط الصحراء، وفي العاصمتين طرابلس (حكومة الوفاق) وبنغازي (حكومة حفتر)، وكل سجن تابع لمليشيا مختلفة ومحسوبة على طرف، تتصارع الميليشيات، لكن جميعها متفق على بيع الأسرى والمحتجزين كالرقيق».

«هل بإمكانكم التواصل مع جهات روسية داخل سوريا»؟ يقول عمار في معرض حديثنا معه حول السبل المحتملة لتخليص الأسر السورية المحتجزة! 

يوميات «سجن المايا»

يروي أحمد علاء الدين، الشاب الذي أُطلق سراحه بعد دفع 1200 دولار بعض التفاصيل عن سجن المايا، حيث يقبع ألفا شخص من مختلف الجنسيات، عدا السجانين والجلادين. 

يقول: «تصل المياه إلى صنابير السجن ساعة أو اثنتين على الأكثر في اليوم، وذلك بحسب المزاج العام لقائد الميلشيا، وعلى الجميع أن يسارعوا إلى ملء ما تيسر من أوان بلاستيكية بالماء لأجل الشرب فقط، فلا رفاهية للغسيل والنظافة. أما الطعام فهو عبارة عن رغيف واحد، وقطعة جبن صغيرة للفطور، ورغيف خبز وملعقة مربى للعشاء». 

ويضيف: «لقضاء الحاجة هناك ستة حمامات متلاصقة، وضيقة، ولا ماء فيها، ولا وجود لصرف صحي حقيقي. ننتظر يوم الاستحمام بالخراطيم حتى نسلّك الحمامات، وهي مهمة قاتلة. لقد أصابنا الجرب، وغيره من الأمراض الجلدية بسبب انعدام النظافة. كل يوم يموت شخص أو أكثر. توفي عدد من المصابين (والمصابات) بأمراض مزمنة بسبب عدم وجود دواء أو طبابة. في معظم الأيام التي قضيتها هناك كنت أسمع الجملة المعتادة: ودوه على المشرحة».

يقبع المئات من جنسيات مختلفة في «سجن المايا» في طرابلس الليبية تحت سطوة إحدى الميليشيات، ومن بينهم 170 سوريّاً وسورية على الأقل: ثلاثون سيدة، وأربعون طفلاً، بالإضافة إلى مئة رجل

لا يملك أحمد معلومات عن ظروف الأطفال والنساء، فـ«أماكن احتجازهم منفصلة حتى عن أرباب الأسر، والجلادون المنحدرون من جنوب السودان، ومصر جاهزون دائماً للضرب بواسطة الكبال».

يتذكر الشاب قائلاً: «في السجن سيطرت علي طوال الوقت الأغنية الشهيرة: يا طيرة طيري يا حمامة، وانزلي بدمر والهامة».

طريق الموت يبدأ في دمشق

كيف وصل هؤلاء إلى ليبيا؟ قد يكون هذا السؤال أول ما يتبادر إلى الذهن، خاصة إذا علمنا أن النسبة الأكبر تنطلق من دمشق. 

يضمن بعض السماسرة، ومكاتب السياحة والسفر في دمشق، وعدد من المحافظات الأخرى (مثل درعا، والسويداء) تنظيم الرحلة، مقابل مبلغ محدد متفق عليه ثمناً للتذكرة، والتأشيرة، والموافقات اللازمة. في صيف العام الماضي ارتفع الثمن إلى 1600 دولار، بعد أن كان لا يزيد عن 250 دولاراً كحد أقصى. وتبدو الزيادة «طبيعية» وفق قانون «العرض والطلب»، فمع استمرار تردي الظروف المعيشية في سوريا، وانعدام أي أمل بتغير الظروف، صار هذا المسار واحداً من مسارات قليلة جداً نحو «الخلاص»، وعبور المتوسط نحو المياه الإقليمية الإيطالية، عبر بلم أو مركب صغير. 

اللافت أن المكاتب المذكورة توفر الفرصة للوصول إلى بنغازي أو طرابلس على حد سواء، من دون أن يُحدث اختلاف الجهة المسيطرة فارقاً، شأنه شأن عدم وجود أي من المدينتين على قائمة الوجهات الرسمية المعلن عنها لطائرات «أجنحة الشام» التي تتولى عملية النقل، قبل أن يكتشف الباحث/ـة عن الخلاص بعد الوصول إلى ليبيا أن الأمر خديعة كبرى.

يتوه البعض لاحقاً في طرابلس أو على الطريق نحوها لتتلقفه العصابات، ويُباع عند شاطئ البحر، ومن «يبتسم له القدر» ويجد طريقه إلى البحر غالباً ما يلقى عليه القبض داخل المياه الإقليمية الليبية، وتبيعه قوات خفر السواحل إلى قادة الميليشيات ببساطة!

السبيل الوحيد للخلاص يكون غالباً ما فعله أحمد، وهو دفع «كفالة». المعضلة أن من يصل إلى هذا الحد لا يصل إلا مفلساً، ويتوجب عليه البحث عن طريقة لتأمين المبلغ المطلوب، ولاحقاً، بعد إطلاق سراحه لن تصعب عليه العودة إلى دمشق إذا شاء، فالشركة ذاتها «تتقاضى ثمن تذكرة العودة 100 دولار فقط لا غير» كما يؤكد بعض الناجين لـ«صوت سوري».

ما سر هذا الاختلاف الهائل بين أسعار الذهاب والإياب؟ يبدو أن الجواب غير مهم، فالمهم أن الطائرات مستمرة في التحليق فوق دمّر، والهامة!


Share!

لا يتبنى «صوت سوري» أي توجه مسيس للملف السوري ولا تقف وراءه أي جهة سياسية.
نحن نراهن على دعمك لنا في الوصول إلى جميع السوريين والسوريات.

إذا رأيت أن خطابنا يستحق الوصول انشري / انشر هذا المقال من فضلك

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها