«بدك تحكي عنّا كيف منعيش؟ أخيراَ حدا خطرلو يحكي عن حياتنا بدون ما يسبنا، أو ينقدنا، أو يشتكي علينا»! هذا ما قاله لـ«صوت سوري» عمر المنجد، وهو سائق سيارة أجرة أربعيني يعمل في دمشق.
«وصمة المهنة»
«شقفة شوفير».. لن ينسى محمد (40 عاماً) هذه العبارة طوال حياته، كان قد سمعها حين تقدم لخطبة حبيبته قبل سنوات طويلة كنايةً عن أنه غير مناسب للفتاة الجامعية.
يضحك الرجل الذي يمتهن قيادة «السرفيس الأبيض» منذ 15 عاماً، ويقول إنه يذكر زوجته بتلك العبارة ممازحاً بين وقت وآخر.
يقول لـ«صوت سوري» إنه أجاب والد زوجته حينها بقوله: «يبدو حتى لو كنت خريج جامعة الأزهر مارح ترضى فيني، أنا خريج كلية الآداب قسم التاريخ بجامعة دمشق»، لُيفاجأ برد الأب: «عطيناك إذا الله عطاك». من هذه النقطة ينطلق السائق ليتحدث عن صورة ذهنية أو «وصمة» تؤطر تعامل الكثيرين مع سائق «السرفيس»، وتعدّه «أقل شأناً منهم/ن».
لا تخلو حياة محمد من مغامرات وصداقات بنيت مع تكرار الجولات اليومية. يتحدث الرجل الذي يعمل في دمشق على «خط ركن الدين» عن بعض المواقف التي تحصل معه: «يتكرر مشهد ركن السرفيس جانباً لأن الأجرة ناقصة وهناك من لم يدفع، كل يوم هناك راكب يغلق باب السرفيس بقوة وقد يفكه من مكانه، صار لي صديق لا أعرف اسمه أنتظره يومياً عند الساعة الثالثة في شارع الثورة في موعد خروجه من العمل، وهو صار أشبه بمعاون لي أثناء ركوبه، يجمع الأجرة، ويصيح: يلي ما دفع يدفع».
يعمل العم مصطفى (60 عاماً) سائق «سرفيس» على خط مزة جبل - كراجات منذ عشرين عاماً.
«أنا خريج معهد نفط»، يقول العم مصطفى، لـ«صوت سوري»، ويصف سائقي «السرافيس» بأنهم «أيوب في الصبر». يروي أنه مرة كان يشغل أغنيةً أجنبية للفنانة أديل في مسجلة السيارة، وسمع راكباً يهمس للآخر: «ليك بيفهم أجنباوي»، ليرد عليهما بترجمة كاملة للأغنية.
يتحدث العم مصطفى عن «استراحة المحاربين» في «الكازيات» أو في حديقة تشرين. يقول إنه تعرف هناك على سائقين كثر تبدلت خطوط سيرهم وما زالوا يعملون في المهنة نفسها، تجمعهم هموم المخالفات والغرامات، وأحاديث وقصص الركاب اليومية، ومشاكسات بين راكب وسائق على إغلاق باب ونافذة وتخفيف سرعة.
«تاكسي»..
انطلقت حكاية خالد (40 عاماً) مع عالم سائقي سيارات الأجرة (التكاسي) منذ عامين. يعمل الرجل في الأصل مدرساً في مدرسة حكومية، ومدرّباً رياضيّاً، ثم اضطرته ظروف الحياة إلى العمل سائقاً في فترة ما بعد الظهيرة.
بدأ خالد التعرف إلى عوالم السائقين في حديقة الجاحظ بدمشق، عندما أراد أن يستريح ويشرب فنجان قهوة في أحد الأيام، ليناديه عدد من السائقين كانوا يحظون باستراحة مثله، ويزودوه بالكثير من النصائح لأن مظهره أوحى لهم بأنه «جديد ع المصلحة».
يقول إن من أهم ما تعلمه منهم كيف يميز الزبون الجدي من الزبون غير الجدي، وكيف يعرف من يحاول النصب عليه، أو خطفه. يقول خالد إنه «لا يستطيع مواصلة العمل بلا نصائحهم المجانية».
يروي ما يقول إنها قصص وطرائف حصلت معه، يقول: «مرة طلعت معي راكبة أجنبية ما بتعرف تحكي غير إنكليزي، تفاجأت إني بحكي إنكليزي وباستني على خدي». وفي موقف آخر «ركب معي رجل ستيني استمر في الحديث طوال الوقت عن ضيق الأحوال، وصعوبة العيش، وحاجات الأطفال، وراتبه المتدني، وانقطاع الكهرباء، وثمن أسطوانة الغاز. صفّيت ع اليمين، وعطيته 5000 ليرة، وطلبت منه النزول».
يؤكد خالد أثناء حديثه عن الأجور أنه يشعر بالخجل أحياناً، فبين غرب العاصمة وشرقها حتى «كراج البولمان» في القابون مثلاً يطلب ما بين 7000 و8500 ليرة، بعد أن كانت أجرة هذا المشوار منذ عامين 3000 ليرة
يؤكد خالد أن سائقي «التكاسي» يجب أن يجيدوا لغات، ويكونوا مثقفين، ويقترح أن يخضع منحهم شهادات السياقة العامة إلى معايير ومؤهلات تختلف عن المعمول به حاليّاً. رداً عليه وعلى اقتراحه يقول مخلص (50 عاماً) الذي يعمل سائق «تاكسي» منذ أن كان في العشرين: «هاد الناقص».
لكل سائق أسلوبه في التعامل مع الركاب، منهم من يبقى صامتاً انطلاقاً من فكرة أن الجميع مهموم في هذه البلاد، ومنهم من يتحدث لأن «فشة الخلق واجب مقدس، ولازم نسمع بعضنا»، حسب وجهة نظر مخلص.
«والله ما بتوفّي»
بالحديث عن الأجور والخلافات التي تحصل مع الركاب يتفق خالد ومخلص على أن «لكل راكب مفتاح معين»، ويقران بأنهما عادة ما يطلبان مبلغاً أكبر عند الاتفاق على الأجرة لأن الراكب «أكيد رح يساوم». يختار بعض السائقين أن تكون العملية معكوسة، عبر الإصرار على سماع المقترح الأول للأجرة من الراكب بعد سؤاله: «بقديش عم تطلع لهنيك بالعادة»؟ لتبدأ حكاية «والله ما بتوفي معي»!
وارتفعت أجور سيارات الأجرة أضعافاً بعد الارتفاعات المتتالية لسعر البنزين في سوريا. يؤكد خالد أثناء حديثه عن الأجور أنه يشعر بالخجل أحياناً، فبين غرب العاصمة وشرقها حتى «كراج البولمان» في القابون مثلاً يطلب ما بين 7000 و8500 ليرة، بعد أن كانت أجرة هذا المشوار منذ عامين نحو 3000 ليرة. اليوم باتت أجرة أقصر مشوار 3000 ليرة.
أما أجور «السرافيس» فما زالت تراوح بين 200 ليرة سورية ضمن دمشق، و300 ليرة إلى الريف القريب من العاصمة، وتصل 1500 إلى الأرياف البعيدة مثل منطقة القلمون على سبيل المثال. يعتبر عمر المنجد أن هذه التسعيرة «قليلة جداً وفيها ظلم لسائق السرفيس، ورفعها أيضاً فيه ظلم للمواطن، والحل هو بيد الجهات المعنية فقط».
ومقابل التذمر الدائم الذي يطبع نظرة المجتمع إلى سائقي المواصلات العامة، يشير العديد من السائقين إلى جوانب أخرى من المشهد، مثل الصعوبات الهائلة التي يعانونها في فترات كثيرة لتأمين المازوت والبنزين، وساعات الانتظار الطويلة التي تُهدر في المحطّات، والمعاناة المستمرة مع سوء كثير من الطرقات، وما يسببه ذلك من أعطال متكررة، ويقود بدوره إلى متاهة تأمين قطع الغيار، وارتفاع كلفة الإصلاحات، فضلاً عن المعضلة الدائمة المتمثلة في عدم التناسب بين التسعيرة الرسمية وبين الارتفاعات المستمرة في أسعار كل شيء، من البنزين وبقية متعلقات المهنة إلى تفاصيل المعيشة اليومية.
في أروقة «السرافيس» البيضاء تناقش القرارات الحكومية، والأوضاع، والمستجدات، وهموم المعيشة، وأسعار السلع، وفي «التكاسي» الصفراء تنتقل الأخبار بسرعة قد تفوق سرعة وكالات الأنباء، ويتوحد الهم عند إغلاق الباب وانطلاق الرحلة بلا عدّاد يقيس الزمن، ويحدد الثمن.