× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

مزارعو القطن في حلب: أيّام سوداء لـ «الذّهب الأبيض»

حكاياتنا - خبز 07-10-2024

يبدو الحديث عن «الأيام الذهبيّة» لمحصول القطن السوري موجعاً، فقبل الحرب كان إنتاج موسمه يقارب مليون طن، تكفي حاجة معامل القطاع العام والخاص مع تصدير الفائض، بينما يعد اليوم «صفراً» قياساً بـ«سنوات العز». واقعٌ ينسجم مع التردي الهائل الذي يعيشه القطاع الزراعي بمجمله، ويزيد من أزمات القطاع الصناعي في مدينة حلب على وجه الخصوص

«رغم إصابة يدي خلال الحرب، أُصر على زراعة أرضي بمحصول القطن، الأرض روحي ولا قدرة لي على الاستغناء عنها، لكن المشكلة في الخسارات المتواصلة»، يقول المزارع مَعد الجمعة بينما يقف في أرضه الزراعيّة. يختصر الجمعة مطالبه بواحد جوهريّ: «حلّ مشكلة السقاية، فعند معالجتها يمكن تدبر شؤوننا وزيادة المساحات المزروعة».

الحسرة التي تصبغ حديث معد تنسحب على كل من التقينا من مزارعين ومزارعات في جولة على حقول القطن في منقطة السفيرة، بريف حلب الشرقي. حتى اليوم؛ يتشبّث الجميع هنا بـ «الّذهب الأبيض» المصنّف «محصولاً استراتيجيّاً» ويصرّون على زراعته ولو بمساحات قليلة رغم الخسارات، فالقطن «ليس مجرد محصول نعتاش منه، وإنما عرف وطقس اجتماعي محبب، ولونه الأبيض يدلل على الخير والبركة والمحبة بين الأهالي».
تستحضر السيدة الخمسينية نزهة الجمعة، أيام عز زراعة محصول القطن، حين كان اللون الأبيض يكسو معظم أراضي المنطقة مع استعداد الجميع للقطاف في الوقت ذاته، وكانت العائلات التي تزرع مساحات واسعة تستأجر «حوّاشات» في طقس محبب تفتقده هذه الأيام. و«الحوّاشات» جمع «حوّاشة»، وهي سيدة تعمل في القطاف مقابل أجر متفق عليه. 

لا تزال العائلات هنا حريصة على بعض طقوس القطاف، إذ تستيقظ في الصباح الباكر وتنطلق إلى الحقول. وتروي نزهة لـ«صوت سوري» بعض المتغيّرات الجوهريّة: «صرنا نُفضل العمل بأيدينا مهما كان القطاف متعباً، لتجنب مزيد من الخسارات، خاصة بعد إصابة المحصول بآفات أثّرت في إنتاجيّته».

يوافقها الرأي الفلاح محمد موسى الخطيب، الذي يزرع أرضه سنوياً بمحصول القطن «رغم الخسارة، فهذا أشبه بعُرف، ترتاح العين لرؤية محصول القطن، ويحافظ على التربة أيضاً». 

يطالب موسى بـ«تأمين بذار موثوقة كيلا يضطر الفلاحون إلى شراء بذار تركية مهربة على نحو يؤثر على الأرض وإنتاجية المحصول، مع ضرورة حل مشكلة السقاية ورفع التسعيرة». 

تحتل محافظات الحسكة، والرقة، وحلب، ودير الزور، تباعاً صدارة المحافظات السورية في إنتاج القطن. وفي الوقت الحالي لا تتجاوز مساحة الأراضي المزروعة بالقطن التي تسيطر عليها دمشق 28%.

وشأنه شأن غيره من المحاصيل الاستراتيجية في سوريا يُحصر تسويق القطن في القطاع العام، وتُصدر رئاسة مجلس الوزراء تسعيرة سنويّة لشراء المحصول وهو ما لم يحصل حتى الآن رغم أن العادة جرت على صدورها في شهر أيلول، فيما تُصدر الإدارة الذاتية بدورها تسعيرةً خاصة بمناطق سيطرتها، وقد حُددت هذا العام بـ 600 دولار للطن الواحد وهو سعر أقلّ من سعر الموسم الماضي بمئتي دولار.

«بذار موثوقة» 

أمام المشكلات العديدة التي تواجهها الزراعة بشكل عام، والقطن ضمناً، قرر كثرٌ العزوف عن زراعته، ما يشرح أحد أسباب تردي إنتاج الموسم رغم تحسنه الطفيف مقارنة بالموسم السابق. 

يشرح مدير الزراعة في حلب المهندس رضوان حرصوني لـ«صوت سوري» أن «المساحة المخططة على مستوى محافظة حلب بلغت 3250 هكتاراً، لكن المساحة المنفذة لم تتجاوز 451 هكتاراً فقط يُتوقع أن تنتج 1125 طنّاً، وهي نسبة قليلة جداً مقارنة بسنوات ما قبل الحرب، إذ كان المحصول يزرع على مساحة 25 ألف هكتار تقريباً».

يعزو حرصوني عزوف الفلاحين عن زراعة محصول القطن إلى «كلف الإنتاج العالية، والتوجه إلى زراعة محاصيل كالذرة الصفراء والجبس البذري، ومحاصيل أخرى ذات جدوى اقتصاديّة أوضح، بالمقارنة مع الدورة الطويلة لزراعة القطن، فضلاً عن ارتفاع كلف اليد العاملة وصعوبة توافرها في الأرياف، وشراهة القطن للمياه،».

مشكلة الريّ تُشكل حجر زاوية في تعثر زراعة القطن، وفق ما يؤكده عبد الرحمن نجّار، الفني الزراعي في «الوحدة الإرشادية في منطقة السفيرة»، لا سيما «بعد تضرر قنواته خلال الحرب، علاوة على ارتفاع كلف الإنتاج وخاصة المازوت والسماد، ما يتطلب منح الفلاحين دعماً أكبر عبر زيادة التسعيرة على نحو يشجع الفلاحين على التوسع بزراعة هذا المحصول المهم».

أيضاً؛ يلفت نجار إلى مشكلة خطيرة أخرى هي «زراعة بذار مُهربة، ألحقت ضرراً بالمحصول بعد الإصابة بآفة حشرية كانت دون العتبة الاقتصادية، وقد اتخذت الإجراءات اللازمة لمكافحتها في الأراضي المرخصة، مع توعية الفلاحين بخطورتها،» داعياً إلى «تأمين بذار موثوقة من مؤسسة إكثار البذار وتقديمها للفلاحين بسعر أرخص وأن تكون ذات دورة إنتاجية قصيرة».

وهنا «يُبشر» مدير مكتب القطن المهندس أحمد العلي الفلاحين بـ«إنتاج صنف جديد باسم قطن 1 مخصص للأراضي في مدينتي حلب وحماة، يمتاز بالإنتاجية العالية ودورة الإنتاج القصيرة»، على أن «تطبق زراعته خلال الموسم القادم».

«الزراعة التعاقديّة» حلّ مؤقت؟

يرى مدير زراعة حلب، رضوان حرصوني أن معالجة واقع الإنتاج الضعيف تتطلّب العمل بنهج «الزراعة التعاقدية»، بحيث تنحصر مسؤولية وزارة الزراعة في وضع الخطة الزراعية، وتحديد المساحات المزروعة، بينما تتولى وزارة الصناعة تأمين مستلزمات الإنتاج، ودعم الفلاحين، لأن هذا المحصول «تصنيعي، ويشكل المادة الأولية لتشغيل معامل القطاعين العام والخاص».

يؤيد هذا الرأي مدير «مكتب القطن» المهندس أحمد العلي، بالتأكيد على ضرورة تفعيل الزراعة التعاقدية مثل أغلب المحاصيل التي تحمل صفة تصنيعية كالشمندر والتبغ، ويعتقد أن «عودة القطن إلى سابق عهده رهن تطبيق هذه الآلية، وعودة مناطق الجزيرة إلى دائرة الزراعة». 

يقول العلي إن العام الحالي شهد تحسّناً طفيفاً من حيث المساحات المزروعة، إذ «بلغت 8722 ألف هكتار، بزيادة قدرها 1500 هكتار» عن العام الماضي، متوقعاً إنتاج 21 ألف طناً بشكل أولي، وهو رقم يُعد صفراً قياساً بسنوات ما قبل الحرب، حين وصلت المساحات المزروعة 175 ألف على مستوى البلاد، وكانت «المحالج كافة كانت تعمل بكامل طاقتها لأشهر متواصلة، بينما اليوم لا يتعدى عملها شهراً واحداً بطاقة إنتاجية محدودة».

يرى العلي أن تحديد سعر شراء الكيلوغرام الواحد بعشرة آلاف ليرة في العام الماضي «شجّع المزارعين على زيادة المساحات المزروعة»، ويتوقع صدور تسعيرة جديدة تقارب 12 ألف للكيلوغرام الواحد للموسم الحالي (أي نحو 800 دولار للطن الواحد)، لكن مدير زراعة حلب يخالف هذا التوقع، إذ «ما دام التسويق قد بدأ ولم تصدر أي تسعيرة جديدة، فهذا يعني أن التسعيرة المقررة سابقاً لن تُعدّل»، وهي تسعيرة «جيدة وتغطي تكاليف الإنتاج» حسب رأيه، رغم أن أسعار معظم السلع في السوق السورية مستمرّة في الارتفاع.

تضرُّر مزارعي القطن وعدم منحهم الدعم الكافي، يقابله تفاقم معاناة الصناعيين الذين كانوا يؤمنون المادة الأولية اللازمة لتشغيل معاملهم وورشهم بسهولة قبل الحرب، في ظل الانتاج الوفير وجودة القطن السوري الذي كان يعد من بين الأفضل عالمياً، ويمكن إدراك أهميّة هذا المحصول للعجلة الاقتصادية في حلب إذا ما أخذنا في الاعتبار أن الصناعات النسيجية تُشكل عصباً أساسياً للصناعة الحلبية عموماً. 

أما راهناً، ونتيجة انخفاض المحصول صار تأمين المواد الأولية أمراً بالغ الصعوبة، رغم السماح باستيراد القطن المحلوج في خطوة وصفت بالخطيرة. وهنا يعتقد الصناعي محمد الصباغ (قطاع النسيج) أن «الزراعة التعاقدية تشكل حلاً جوهرياً لمشكلة قلة إنتاج القطن التي تهدد قطاع النسيج»، بدلاً من لجوء الصناعيين إلى الاستيراد من الأسواق الخارجية، أو التوريد من المناطق السورية خارج سيطرة دمشق، إذ «سُمح بهاتين الطريقتين لتأمين المادة الأولية لزوم تشغيل المعامل بعد تقديم طلب مخصصات من وزارة الصناعة لأجل هذا الغرض». 

يطالب الصباغ بـ«وضع خطة متكاملة بين وزارتي الزراعة والصناعة لمدة خمس سنوات لتشجيع الفلاحين على معاودة زراعة القطن، وتأمين المادة الأولية للصناعات النسيجية، ما ينعكس بالفائدة على الفلاحين والصناعيين والنهوض بواقع الصناعة النسيجية، التي تعد الأساس في مدينة حلب».

لا مهرجان  

يرتبط «ذهب سوريا الأبيض» في الذاكرة بمهرجان القطن الذي كان يقام سنوياً في مدينة حلب، احتفاءً بهذا المحصول الاستراتيجي زراعياً وصناعياً، ويشهد فعاليات مختلفة أبرزها التنافس على صنع وتزيين مركبات باستخدام القطن.

وعند استحضار أيام مهرجان القطن يشعر الفلاحون تحديداً بـ«الأسى على ما وصلت إليه الحال». يأمل «رئيس اتحاد الفلاحين بحلب» أحمد كله خيري «إعادة تنظيم مهرجان القطن، الذي كان يحتفي بالفلاح وإنتاج أرضه».

لكن لا يبدو أن هناك نوايا في المدى المنظور لإحياء المهرجان «في ظل ضعف الكميات المنتجة، وعدم إمكانية التفريط بها إطلاقاً»، وفق ما يؤكده مدير مكتب القطن، قائلاً «لا يمكن إقامة مهرجان القطن إلا في حال زيادة المساحات المزروعة، رغم أن لهذا المهرجان خصوصيته ورمزيّته».


 

الزراعة_السورية القطن_السوري زراعة_القطن_في_سوريا مهرجان_القطن صناعة_النسيج_في_حلب

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0