× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

© عماد حجاج - كارتون موفمينت

الجماعة والسّلطة ومأزق التماهي

عقل بارد - على الطاولة 16-06-2026

ثمة فارق جوهري بين أن تمثّل السلطة جماعةً ما سياسياً، وأن تتحول في وعي هذه الجماعة إلى تجسيدٍ لهويتها. في هذه المسافة تحديداً يتشكل مأزق التماهي. ومن هنا ينطلق هذا المقال لبحث الكيفية التي يُعاد بها تعريف الولاء والشرعية والمحاسبة حين تختلط حدود الجماعة بحدود السلطة.

أنهى صديقي، الّذي أثق تماماً بآرائه، نقاشنا الطويل بسؤالٍ افتراضي: «ماذا لو كفّ جمهور الأكثريّة الدينية في سوريا عن اعتبار نفسه جمهوراً للسلطة الحاليّة، وعن اعتبار السّلطة ذاتها الممثلَ الحصري والوحيد له؟».

بدا لي السّؤال خطيراً ومربكاً، يفوق في إرباكه محاولات الإجابة ذاتها. وكعادتي في توخي الدقة، وجدّتُ لزاماً عليَّ تحليل السؤال إلى عناصره الأولى قبل الخوض في متاهات الإجابة المحتملة.

هل «الأكثرية الدينية» في سوريا هي جمهور السّلطة فعلاً؟ وهل يعتبر جميع هؤلاء أن هذه السّلطة ممثّلهم الحصري؟ وهل هي كذلك؟ بالمنطق السوسيولوجي، لا يمكن اعتبار جماعةٍ ما بهذا الحجم كتلةً متجانسةً تصدر عنها مواقف موحّدة في كل الأوقات، لذا فالحديث هنا يتناول الظاهرة العامة دون إغفال المواقف الرافضة لهذا التموضع. وإذا كان السؤال افتراضياً، فهل خروج هذه الجماعة من عباءة السلطة سيمثل حلاً للمشكلات السياسية، والأمنية، والبنيوية، والاقتصادية في سوريا الحالية؟  هنا أعتذر من القارئ عن إغفال متسببين آخرين محتملين لهذه المشكلات، مهما تكن نسبة مساهمتهم فيها، ومع تأكيدي لوجودهم، أعتقد أن المنطق الّذي يجعل من الأكثرية العددية صاحبة الحق في اختيار السلطة، أو اتّباعها حتّى لو لم تخترها – كما في الحالة السّورية – بل والدفاع عن أخطائها وارتكاباتها الموثّقة تحت سلاح هذه الأحقّيّة، هو المنطق نفسه الّذي يجعل مسؤوليّةَ هذه الأكثريّة أكبر من مسؤوليّة الجميع.

جسرٌ لا بدّ منه

التفاصيل مرهقةٌ عندما تحتكم إلى العقلانيّة والموضوعيّة الجامدة، التي تتناول - كما الأرقام -  الشّكل الجامد الحسابي للحياة، وتغفل، أو تكاد، ما يتعلّق بالكينونة المتناقضة الضرورية للاستمرار، أو لنشوء الفكرة أو القضيّة (أيّة فكرة أو قضيّة). ورغم أنني أجزم أن الأكثرية الدينية في سوريا ليست كتلةً متجانسة تصدر مواقفها بتأثّرٍ سلبي، فلست أرى، بالمقابل، سوى موقف وحيد يتصدّر المشهد المعبّر عنها، وهو التبنّي لفكرة: «نحن جمهور السلطة التي تمثّلنا بشكلٍ حصري!». أمّا الصّمت فهو الموقف السّائد لدى من لم يوافق على الموقف المتصدّر. وأيّ مواقف أخرى مخالفة، لا تعدو في تأثيرها، بسبب ضعفها، دورَ «الشّاذ الّذي يؤكّد القاعدة فحسب». فالموقف يحتاج إلى تظهير، وتظهيره يكون بالفعل وليس بالصّمت أو الكلام الخجول. 

التمثيل الهويّاتي

لنعد إلى صديقي (الّذي أثق تماماً بآرائه عموماً). لا أعتقد أنّه كان غافلاً عن قضيّة الموضوعيّة، وتجانس الكُتل المجتمعيّة وتنوّع الآراء والمواقف إزاء القضايا حتّى داخل المجموعات التي تبدو مغلقةً ومتجانسة، وأعتقد أنّه يعي تماماً قضيّة الاعتذارات التي ينبغي عليه إرفاقها عند إطلاق ذلك التعميم. لكنّه أطلق التعميم ببساطة! بعد ساعات، استطعت التقاط مجموعة من المعطيات التي بنى عليها صديقي تصوّره وأطلق سؤاله الافتراضي، وذلك عبر استنتاجاتٍ من نقاشنا السّابق لإطلاقه.

يرى صديقي أن جمهور الأكثريّة يعتبر أن السلطة الحالية سلطته هو. بمعنى أنّها السّلطة «التي تنتمي إلينا»، يعني «جماعتنا» بالتعبير السّوري الدارج. وبالتالي، ككل مجتمعات الخوف التي نعيش ضمنها، ونتيجة الإرث الطويل لهذه المجتمعات، تقدّم الجماعة موضوعة الولاء على الحرّيّة، وموضوعة الحماية على المحاسبة، ويصبح الانتماءُ خوفاً بديلاً من آخر قد يقوّض التصوّرَ المفترضَ عن هويّةِ هذه الجماعة. هذه الهويّة التي بُنيَت أساساً على الخوف وليس على الاقتناع. واستثمرت في تشكيلِ صورةٍ مشوّهةٍ عن نفسها (مغلقةٍ، وفوقيّةٍ، وفردانيّة) وصورةٍ مشوّهةٍ عن الآخر في انتمائه عموماً (سارقٌ لحقّنا، ومستبد، و.. كافر). بَنَت الجماعةُ موقفها، الّذي أساسه الخوف، على استثمارٍ وهمي لانتصارٍ عاطفي. انتصار أتى بعدَ زمنٍ لتصحيح المسار. ليس مسار الدولة أو الوطن، بل مسار السلطة من حيث «من سيحكم؟» وليس «كيف سيحكم؟».

هكذا، وعندما يتقدّم الخوف على الاقتناع، تتشكّل القناعات لاحقاً بأن تلك السّلطة هي «وجودنا» أساساً، ودفاعنا عنها هو دفاعٌ عن الانتماء وليس بالضرورة عن أفعالٍ تصدرُ عنها. والإدانة لها، هي إدانةٌ للجماعة. هذا الخلط العجيب بين «الجماعة» و«السلطة» ينتج، بالضرورة، عدمَ ثقةٍ بأي بديلٍ مطروح، حتّى وإن كان من الجماعة ذاتها لكنّه يبدي شيئاً من المرونةِ تجاه الآخر. المقارنة هنا ليست مع بديلٍ مثاليّ، بل مع بديلٍ سيسلبُ منّا مكتسباتنا التي وهبنا إيّاها الانتصار العاطفي الّذي أعاد وجودنا إلى الواجهة. ومن أسف، تتراجع أفعال السّلطة وممارساتها إلى المرتبة الأخيرة في سلّم أولويّات الجماعة. بل وتبدأ التبريرات بشكلٍ تدريجيّ لقبولها. من الطروحات الأولى التي نادت بـ«فرصة الممارسة» لأن «الظرف استثنائي»، مروراً بـ «الأخطاء الفرديّة» و«التجاوزات المحدودة»، وصولاً إلى «الضرورات الأمنيّة» التي تبيح الانتهاكات على يد عناصر تنتمي إلى السلطة بأجهزتها الأمنية المختلفة، مدعومةً هذه المرّة بأفراد الجماعةِ أنفسهم من غير الرسميين.

«السّلطةُ سلطتنا» هذا اختصار القول. بالتالي لم تعد الشّرعيّة تقاسُ بالنجاح، ولا تخضع الأخطاءُ للمحاسبة. استمدّتُ السّلطةُ الشّرعيةَ من كونها ممثلةً لهذه الجماعة الأكثريّة فحسب. وهذا ما أسمّيه، أو يسمّيه صديقي (الّذي أثق تماماً بآرائه عموماً) «التمثيل الهويّاتي» وهو نقيضٌ صارخ للتمثيل السّياسي.

الجماعة، التمثيل، والشرعية

يرى الفيلسوف الأرجنتيني إرنستو لاكلو أن «الشعب» لا يوجد بوصفه معطىً اجتماعياً ثابتاً أو وحدةً سياسية جاهزة، بل يتشكل عبر الخطاب السياسي. فالسياسة، في هذا التصور، لا تقتصر على تمثيل جماعات قائمة مسبقاً، وإنما تعمل على ربط مطالب متفرقة داخل سردية مشتركة تمنحها هوية جماعية، وتجعلها تظهر بوصفها "شعباً" يمتلك إرادة سياسية واحدة.

من جهته، يحلل بيير بورديو السلطة بوصفها شكلاً من أشكال السلطة الرمزية التي لا تعتمد على القوة المادية أو الشرعية القانونية وحدهما، بل على إنتاج الاعتقاد ببداهة النظام القائم ومشروعيته. فالشرعية تستند إلى اعتراف اجتماعي يجعل رؤية السلطة للعالم تبدو طبيعية، ويجعل الحدود والتصنيفات التي تنتجها مقبولة بوصفها حقائق بديهية.

عند تقاطع هذين التصورين، يمكن النظر إلى السلطة بوصفها أكثر من مجرد جهاز للحكم أو إدارة للمجتمع. فهي تسهم حتى في تشكيل الطريقة التي تتصور بها الجماعة نفسها، وتنتج الأطر الرمزية التي تمنحها معنى ووحدة. ومن خلال الاعتراف الاجتماعي بهذه الأطر، تستمد السلطة جزءاً أساسياً من شرعيتها، بحيث يغدو النظام الذي تنتجه أمراً طبيعياً ومشروعاً في نظر من يعيشون داخله.

وبذلك، لا تبدو العلاقة بين الجماعة والسلطة علاقةً بسيطة تقوم على وجود جماعة سابقة تمنح السلطة شرعيتها، بل علاقةً أكثر تعقيداً، يشارك فيها الخطاب السياسي والسلطة الرمزية في إنتاج صورة الجماعة عن نفسها، وفي إعادة إنتاج الشرعية التي يستند إليها النظام الاجتماعي والسياسي.

لا يعني ذلك أن الجماعات تُختزل في تمثيل واحد، أو أن السلطة تحتكر إنتاج هوياتها، فالعلاقة بين الجماعة والسلطة علاقة متبادلة ومعقدة، يعاد تشكيلها باستمرار عبر الصراع والخطاب والاعتراف الاجتماعي.

الهويّة، وتصوّر الجماعة عن الهويّة

إن البحث في نشوء «التصوّر المشوّه عن الهويّة» وتطوّره، بحاجة إلى العودة إلى التشوّه الّذي أصاب السّرديّة التاريخيّة الدينيّة برمّتها، وهذا في غير موقعه هنا. فقط أودّ الإشارة إلى أننا لو قارنّا هذا التصوّر المشوّه عن الهويّة، اليوم، بالهويّة التي كانت معتمدةً في سوريا حتّى نهايات القرن المنصرم. ودرسنا دور الأكثريّة الدينية المحوري في بناء الدولة وإدارتها، لا سيّما فترةَ ولادةِ الجمهوريّة الفتيّة بعد الاستقلال، قد نفهم تماماً مدى التشوّه الحاصل في الهويّة. وبهذا المعنى فإن التوقّف عن اعتبار الأكثريةِ جمهوراً للسلطة الحالية، واعتبار السّلطة ممثلةً وحيدةً لها، ليس توقفاً عن صونِ الهويّةِ أو تخلّياً عنها. بل على العكسِ تماماً، ما أقصده، أو يقصده صديقي (الّذي أثق تماماً بآرائه عموماً) أن تعود الأكثرية إلى هويّتها التي بنت على أساسها سوريّا الحديثة. تلك الهويّة التي تؤكّد أنّ لا أحد، مهما علا شأنه، يمكن أن يكون ممثلاً وحيداً وحصريّاً لأكثريّة بحجم وقيمة وتاريخ الأكثريّة الدينيّة في سوريا. 

أعتقد أن الوقت قد حان لاتّخاذ هذا الموقف. لا بدّ من مسافةٍ نقديّةٍ تسمح برؤيةٍ أشمل تستطيع الأكثريّة عبرها تلمّس الخطر المحدق بها قبل الجميع. الهويّةُ على المحك. هويّتها هي، والهويّة الجامعة المطالَبَة هي - أقصد الأكثريّة الدينيّة -  أكثر من غيرها، وقبل غيرها، بصياغتها على أساسٍ وطني. فالتشوّه الحاصل مسؤوليّة الأكثريّة، لأنّه يقع باسمها وتمثيلاً لها. ومستقبلها مهدّدٌ قبل غيرها. وتاريخٌ صاغته بجهودِ حكمائها قد يكون مهدداً بالتلاشي. وهكذا لا تستعيد الأكثريّة دورها في قيادة وإدارة وإعادة إعمار الدولة على مختلف الصّعد فحسب، بل تستعيد الجماعات خارجها، والتي لن يعودَ مناسباً أن تسمّى «أقلّيات»، دورها في بناء وطنها. لأن سبب نفورها منه قد اختفى. وتستعيد الدولة ذاتها دورها، بوصفها دولة مستقلة وصاحبة سيادة – إن سُمح لها، وهذا بحثٌ آخر – 

قد يبدو هذا الكلام طوباوياً يفيض عمّا يمكن أن يحتمله الواقع الحالي، ربمّا، لكنّه برأي صديقي شرطٌ لازمٌ للخروج مما نحن فيه.

صديقي (الّذي أثق تماماً بآرائه عموماً) قال شيئاً عن حربٍ أهليّة إقليمية وربطها بنقاشنا السابق، ثم مضى دون أن يفصح. على وعدٍ باستكمال النقاش.

الجماعات_في_سوريا الهوية_السورية التمثيل_الهوياتي

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0