خرجتُ للتو من جلسة نقاشٍ عاصفةٍ مع ابنتي ذات السّنوات الثماني. أدركتُ، وأنا أمسح العرقَ عن جبيني، أنني لم أكن يوماً منذ بلغتُ الثامنة، بحاجةٍ أن يشرح أحدٌ لي ولإخوتي مفهومَ المسافة الشّخصيّة الآمنة، ولا ما هو المسموح والممنوع في علاقاتنا مع الآخرين على اختلاف أعمارهم وجنسهم، كانت الأمور تجري بسلاسة استناداً إلى منظومة قيمية عامّة غالباً ما يلتزمها الجميع، رغم وجود حالات شاذة.
أعادتني تلك الجلسة إلى مجموعة نقاشاتٍ خضتها مع طلبةٍ يدرسون الفنون، كنت مدرّسهم لمادّتي علم الجمال وتاريخ الفن لسنة كاملة. كانت تلك النقاشات تدور حولَ مفاهيم لم أكن لأتصوّر يوماً أنني مضطرٌ لشرحها أو إثبات مضامينها. كنت أعتبرها، ببساطة – وربّما بسذاجة – قيماً راسخة، أو هكذا اعتبرَتْها تربيتُنا عبر عقود.
انتبهتُ، أو نُبِّهْتُ، إلى أنّ شيئاً ما تغيّر. ليس كما ينبغي أن تتغيّر الأجيالُ بطبيعةِ مرور الزمن وتبدّل المدخلات المعرفية، وطرائق الممارسةِ الحياتية فحسب. لقد تبدّلت الطريقةُ التي يرى بها الإنسانُ نفسهُ. وأُعيدَ ترتيب ما يستحق احترامه وما يستحق سخريته. ما ينبغي أن يتذكّره وما ينبغي أن ينساه. نحن هنا على الأرض ذاتها، وبامتدادٍ طبيعيٍّ لسلالات شعبها، لكن ثمّةَ ما تبدّل أو بُدِّل: نظرةُ الإنسان إلى نفسه وقِيَمِه.
التغيير، أو التبدّل بحد ذاته ليس عيباً، ولا غريباً عن سيرورة المجتمعات، بل هو أحد شروط استمرارها وتطوّرها. لكن ما انتبهتُ، أو نُبِّهتُ إليه، أن ذلك التغيير لم يكن نتيجةً طبيعيّةً لتراكم طبقاتٍ من المعرفةِ، لتتفاعلَ وتنتجَ منظومةً معرفيةً تتناسب وواقع المجتمع في مرحلته الجديدة، فتصحّح الخطأ وتعزّز الصواب. أدّعي أنّنا نواجه اليوم عملية «إحلالٍ معرفي» هادئة، أداتُها التشكيك. لا أتحدّث عن الشّك العلمي الذي يقود إلى المعرفة، بل التشكيك الذي يضع كل قيمة أو فكرة أو مرجعيّة موضع الارتياب. قبل أن يقدّم، بهدوء، بديلاً مختلفاً في طبيعته ووظيفته وأثره.
التشكيكُ بهذا المعنى لا يتناول - كما هو مفترضٌ في البناء المعرفي - قيمةً بذاتها، فيطرحُ حولها الأسئلةَ بغيةَ مراجعتها وتطويرها لتتناسب مع معطيات المرحلة، لتبقى بذلكَ معبّرةً عن المجتمع المنبثقة منه. إنّه يتوجّه مباشرةً إلى تلك القيمة لتقويضها من أساسها، عبر زعزعة الثقة بصلاحيّتها وفيها أصلاً. وهكذا يدفع المجتمعَ إلى الارتياب بكل ذاكرته وميراثه المعرفي الّذي بُنيت عليه مقوّمات حضارته في الأصل، وجعله أمامَ فراغٍ قِيَمِيٍّ ينتظر من يملؤه، فتسهل بذلك عملية الإحلال التي أشرتُ إليها.
لا يمكن أن يستمر هذا الوضع طويلاً، ولهذا يغدو ملء الفراغ حاجةً ملحّةً للجماعة نفسيّاً وعقليّاً. لأن الجماعة، في حالة الفراغ القيمي، بحاجة منظومةٍ قِيَميَّةٍ ومعرفيّةٍ جديدة، أو مطوّرة، تفسّر العالم من حولها، فتمنح الأفعال معناها، وتنظّم العلاقةَ بالآخر، وبالمجتمع الأكبر، بوصفها إحدى الركائز الثلاث التي تشكّل النواة الصّلبة للاجتماع. ولمّا كانت القيمة تتمتّع بالرسوخ عبر الزمن، والثبات النسبي، وشيء من الإجماع، فالحاجة إلى تطوير القيم المترهلة وإنشاء قيمٍ جديدةٍ تستلزم ديناميّاتٍ اجتماعيّة طويلة ومتسلسلة.
الجماعة تشبهُ كائناً حيّاً يمتلك الذاكرة والدافع والحافز والحاجة والهدف، وآليّة الدفاع، والقدرة على اتّخاذ القرار. وهي بهذا المعنى قد تخطئ تقديرَ السّلوك المناسب في لحظةٍ تاريخيّة ما
تطوير القيم القديمة يجري بشكلٍ عفوي، بسبب ما تعاينه المجموعة من ترهّل وانتهاء الصلاحية للقيمة المراد تطويرها. وكذلك إنشاء قيم جديدة، قد يحصل أيضاً بشكلٍ عفويّ وبنتيجةٍ طبيعيّة لتطوّر الجماعة في الحالة المثاليّة. لكن قد تتموضع مجموعة من القيم والمفاهيم المعرفية في جزء من الفراغ المعرفي بشكلٍ طارئٍ وسريعٍ نسبيّاً، قبل أن تختبر الجماعة أثرها الحقيقي، فتستقر هذه القيم في غير السياق التاريخي والاجتماعي الّذي نشأت فيه.
تُشكل هذه المرحلة في مقياس الأمم لحظة تاريخيّة فارقة في حياة الجماعة، قد تحدّد بنسبة كبيرة سلوكها وأهدافها، دوافعها واحتياجاتها، علاقاتها داخليّاً وخارجيّاً، لأنّها تبني منظومتها القيميّة المعرفيّة من جديد. وفي هذه اللحظة الفارقة، تصبح الجماعة أكثر قابليّة لاستقبال القيم الجديدة، فمساحة الاستقبال موجودة (الفراغ القيمي) والحاجة موجودة (انهيار القيم القديمة أو ترهّلها)، والظرف الموضوعي مهيّأ (الشك بكل ما هو قديم والاستعداد لتجريب الجديد). هنا بالذات يصبحُ من المحتمل تسرّب ما هو طارئ، وأتجرّأ على تسميته «تمرير ما هو طارئ من القيم» داخل المنظومة القيمية المعرفية.
وهنا، أستعير - مضطراً - مصطلحاً من حقلٍ آخر لوصف ما أتحدّث عنه. فإذا كان الاستعمارُ الإحلالي يعني استبدال شعبٍ بشعب، فما أحاول وصفه هو إحلال منظومةٍ قيميّة ومعرفية محل أخرى، تعيد الجماعة من خلالها تعريف نفسها والعالم من حولها من جديد. ولعلّ «الإحلال المعرفي» هو أقرب تسميةٍ إلى هذه العملية.
لا يفوتني التنويه إلى أن هذا الفصل بين المراحل، وصولاً إلى ما أسميته الإحلال المعرفي، ليس سوى فصلٍ نظري يسهّل قراءة الظاهرة. أما في الواقع، فلا تجري هذه العملية عبر مراحل منفصلة أو حدود واضحة، بل تتداخل عناصرها، وتتراكم آثارها، ويغذي بعضها بعضاً. فلا تُستبدل منظومةٌ قيميّةٌ معرفيّةٌ بأخرى دفعةً واحدة، بل عبر عملية تاريخية بطيئة، جزئية، ومتراكمة. ولعل أهم ما يميزها أنها عملية جدلية، وسأتوقّف قليلاً عند هذه الصفة الأخيرة.
نحن لا نتحدّث عن جماعةٍ تستقبلُ بسلبيّة بشكلٍ دائم. فالجماعة بطبيعة الحال تمتلك أدواتها الدفاعيّة، وديناميّاتها الوقائيّة، ووعيها الجمعي الّذي تتفاوت نسبة قوّته وتأثيره وفاعليّته بين مرحلةٍ وأخرى. بالتالي ستصطدم عمليّة الإحلال، حكماً، بهذه الأدوات وهذه الديناميّات وهذا الوعي الجمعي، فتنجح نسبيّاً عند ضعف تلك الآليّات، وتفشل نسبيّاً عند قوّتها. فإعمال الأداة الأساسيّة للعمليّة، وهي التشكيك، يحصل في كل المراحل، في أوقات القوّة كما في أوقات الضعف، التشكيك بالقيم وبالرموز وبالمرجعيات لإضعاف تأثيرها يبدأ في أوج قوّتها، ويحصد نتائجه حين تتوافر الظروف التي تُضعف قدرة الجماعة على إعادة إنتاج منظومتها القيمية، سواء كان التشكيك أحد أسباب هذا الضعف أم جاء متزامناً مع أسباب أخرى، كما بيّنا ذلك في مقال صناعة الرموز.
حين تتبدّل المنظومة القيميّة لجماعة نحو نقيضها مثلاً، فهي لا تبدّل أفكاراً فحسب، إنّها تبدّل الآليّة التي تنتِجُ من خلالها هذه الأفكار أصلاً
إنّ مناعة الجماعة – استناداً إلى وعيها الجمعي - هي العامل الحاسم في تشكيل صورة منظومتها القيميّة والمعرفية الجديدة. هذا ما أسمّيه جدليّة العلاقة بين عمليّة الإحلال المعرفي والمجتمع الّذي تعمل عليه.
أتحدّث عن آليّاتٍ دفاعيّة، وديناميّاتٍ وقائيّة، ووعيٍ جمعيٍّ يستطيع قيادة عمليّة تطوير المنظومة القيميّة المعرفيّة، وإنشاء قيم جديدة تتناسب مع سيرورة تطوّر المجتمع الطبيعيّة، بحيث تعيد هذه المنظومة إنتاج ذاتها بما ينسجم مع تفسيرها للعالم حولها، واتّخاذ الموقف المناسب من كل ما يدور حولها، وتنظيم علاقاتها سواء بين أفراد الجماعة، أو بينها وبين الخارج.
أمّا في حالة استقرار منظومة مغايرة في غير محل نشوئها الطبيعي، فقد تفعل كل ذلك بشكلٍ مخالفٍ لطبيعة الجماعةِ ذاتها، ولغير مصلحتها، وفي أحسن الأحوال لن تبقى الجماعةُ هي ذاتها، فتختلف أو تتغيّرُ نظرةُ أفرادها إلى ذواتهم، وإلى انتمائهم، وإلى مستقبلهم على حدٍّ سواء. وبذلك يغدو كلُّ ما كان في الأمس رافعةً لحضارتهم، وأساساً لمقوّمات وجودهم واستمرارهم، عبئاً ينبغي التخلّص منه، فيما يغدو ما كان يشكّل الهامشَ والتالي في سلّم أولويّاتهم مركزاً جديداً يحدّد معايير تقدّمهم ونجاحهم وتكيّفهم أو العكس.
أعتقد أنّ الجماعة، في جانبٍ من حركتها التاريخيّة، تشبهُ كائناً حيّاً يمتلك الذاكرة والدافع والحافز والحاجة والهدف، وآليّة الدفاع، والقدرة على اتّخاذ القرار. وهي بهذا المعنى قد تخطئ تقديرَ السّلوك المناسب في لحظةٍ تاريخيّة ما. فإذا أضفنا أنّ الجماعات الحيّة معرّضة، وبشكلٍ مستمر، لأن تكون طرفاً في صراع المصالح والهيمنة والبقاء، فإنّ خطر استهداف قيمها ومعارفها قائمٌ وباقٍ بقاء الجماعة ومنافسيها. ولعلّ الأخطر في هذا الاستهداف هو التشكيك بكل ما يجعلها تتقدّم انطلاقاً من أرضٍ ثابتة. هكذا تغدو الجماعة في كل لحظة معرضة لتسلّل الارتياب، حالة تشبه أن يشكَّ واحدنا حتّى في جلده، فيبدّله. عندها لن تبقى مهمّة الاستعمار الإحلالي القديم (استبدال شعبٍ بآخر) مهمّةً مستحيلة، فحين تتبدّل المنظومة القيميّة لجماعة نحو نقيضها مثلاً، فهي لا تبدّل أفكاراً فحسب، إنّها تبدّل الآليّة التي تنتِجُ من خلالها هذه الأفكار أصلاً. ولعلّ فهمنا لهذه الآليّة الجديدة في توليد الأفكار سيضعنا أمام صورةٍ أكثر واقعيّة، عن فهم ابنتي ذات السنوات الثماني للمسافة الشّخصيّة الآمنة، وعن فهم طلبة الفنون في دفاعهم عن مفاهيمهم الجديدة.