× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

رسم مولد بالذكاء الاصطناعي

«خلوه فدو عن الضيعة».. قراءة في غياب الدولة وثقافة العقاب الجماعي في سوريا

عقل بارد - على الطاولة 19-08-2026

المقايضة القسرية بين «العدالة» و«الأمان» ليست طارئة على الذاكرة السورية، كابدها السوريون طويلاً حين وظّف نظام الأسد سياسات الاستباحة والترويع ذاتها لكسر مناطق سُنّية وتطويعها، وفرض العقاب الجماعي. اليوم، يعود هذا النمط بملامح معكوسة، حين يُجبر الأب المكلوم على التنازل عن دم ابنه درءاً لبطشٍ أشمل يتهدد مجتمعه المحلي، ليؤكد حقيقة قاسية: إن غياب الدولة وشيوع الإفلات من العقاب غولٌ أعمى يلتهم الجميع، وأن الاستباحة حين تتكرر لا تستثني أحداً

«يا جماعة، مالنا ذنب. مسامحين بكل شيء. مسامح بدم ابني. خلوه فَدوْ عن الضيعة. بدنا نعيش بسلام بس، وما حدا يآذينا. حاج، حاج». هكذا صرخ والد الشاب مجد حاتم الشاعر، وهو يودع ابنه الذي قُتل قبل أسابيع، مع جاره يامن حسين السليمان في قرية كيتلون بريف سلمية، في جريمة ارتُكبت إثر موجات تحريض استهدفت الطائفة العلوية، ودعوات إلى مقاطعتها ضمن حملة عُرفت باسم «لست شجرة»، وذلك عقب الكشف عن مصير أطفال الدكتورة رانيا العباسي.

في الغالب، لا يسامح الآباء بدماء أبنائهم، ويحملون صورهم سنوات طويلة للمطالبة بالعدالة. فلماذا أعلن هذا الأب، على الأقل لفظياً، مسامحة قتلة ابنه؟

للوهلة الأولى، قد تبدو كلمات الأب دعوةً إلى التسامح، لكنها يمكن أن تُقرأ أيضاً بوصفها نداءَ استغاثة نابعاً من الخوف وفقدان الحماية. فهو لا يتحدث عن ابنه فقط حين يقول: «خلوه فدو عن الضيعة»، بل يعبر عن محاولة رمزية لوقف دائرة العنف بأي ثمن: «خذوا ابني وتوقفوا». إنها ليست بالضرورة لغة صلح أو مسامحة بقدر ما هي تعبير عن تراجع سقف التوقعات من المطالبة بالعدالة إلى البحث عن الأمان.

يقترب هذا المعنى من طرح الفيلسوف الإيطالي جورج أغامبين حول مفهوم «الإنسان المستباح»، الذي يشير إلى حالة يُجرّد فيها الإنسان من الحماية القانونية والسياسية، وتصبح حياته مهددة خارج إطار الضمانات الطبيعية التي يفترض أن توفرها الدولة.

إضاءة مفاهيمية: «الإنسان المستباح» (Homo Sacer)

طرح الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين هذا المفهوم في كتابه المرجعي «Homo Sacer: السلطة السيادية والحياة العارية» (1995)، مستنداً إلى وضعٍ في القانون الروماني القديم يمكن فيه قتل الفرد دون أن يُعدّ قتله جريمة.

ويتجلى المفهوم في ثلاثة أبعاد رئيسية:

  • الحياة العارية (Bare Life): اختزال الإنسان إلى مجرد وجود بيولوجي، مع استبعاده من الحماية السياسية والقانونية المعتادة.
  • حالة الاستثناء: تعليق التطبيق العادي للقانون عبر آلية سيادية تُعلّق بعض الضمانات القانونية عن فئات أو أوضاع معينة.
  • المفارقة السيادية: أن يكون الإنسان، في الوقت نفسه، داخل النظام القانوني وخارجه، خاضعاً للسلطة، ومحروماً من الحماية القانونية التي يقررها الوضع العادي.

الخوف وغياب الأطر الجامعة

قد لا يبدو هذا الموقف مفهوماً بالنسبة للمراقب الخارجي، لكنه، بالنسبة لبعض العلويين الذين ينظرون إلى واقعهم من الداخل، يرتبط بشعور متزايد بعدم القدرة على ضمان المحاسبة أو استعادة الحقوق، خصوصاً بعد موجات العنف التي شهدتها البلاد، وما رافق بعضها من خطاب تحريضي وحوادث قتل جماعية وفردية، في ظل غياب مسارات واضحة للمساءلة.

لا يرتبط غياب الموقف الجماعي الموحد لدى هذه الشريحة السورية بعامل واحد، بل بمجموعة من الظروف الاجتماعية والجغرافية والسياسية. فالطائفة، بخلاف بعض الجماعات التي تمتلك امتدادات جغرافية واضحة (ومتّصلة) أو مؤسسات دينية أكثر مركزية، لا تملك مرجعيّة دينية مركزيّة قادرة على اتخاذ قرارات ملزمة، كما أن المرجعيات الدينية الموجودة تظل ذات تأثير متفاوت ومحدود جغرافياً واجتماعيّاً. ويشير بعض المراقبين إلى أن هذا التعدد في المرجعيات، رغم أنه ليس سلبياً بالضرورة، يجعل تشكيل موقف موحد أو تحرك جماعي واسع أكثر صعوبة. فالانتماءات داخل المجتمع العلوي ليست متطابقة، والمواقف السياسية والدينية تختلف بين أفراده، الأمر الذي يحد من إمكانية ظهور واجهة واحدة تمثل الجميع.

في ظل هذه العوامل، ومع شعور قطاعات من المجتمع العلوي بضعف الحماية وغياب الضمانات، اختار كثيرون التزام الحذر والانتظار، باعتبار أن أي موقف جماعي واسع قد يحمل مخاطر إضافية في مرحلة شديدة الهشاشة.

التفاوض المباشر

يبدو موقف مؤسسات الدولة من قضايا الخطف والانتهاكات وخطاب التحريض الطائفي محل انتقادات وتساؤلات، فرغم البيانات التي أصدرتها وزارة الإعلام السورية بشأن تجريم الخطاب الطائفي، تستمرّ خطابات تحريضية صادرة عن بعض المؤثرين المحسوبين على السلطة، تستغل أحداثاً أمنية أو غيرها للتعميم على جماعة بأكملها.

يمكن استقراء غياب الثقة بدور الدولة الحيادي في حديث الأب المكلوم، إذ لم يوجه نداءه إلى المؤسسات الأمنية أو القضائية، ولم يتكلم عن انتظار للعدالة، بل خاطب من اعتبرهم مسؤولين عن مقتل ابنه مباشرة، وكأن المسار المؤسسي لم يكن حاضراً في لحظة الألم تلك. ليدفعه شعوره بفقدان الأمل بالعدالة إلى الانتقال من المطالبة بالمحاسبة إلى طلب النجاة: «.. بدنا نعيش بسلام بس وما حدا يآذينا... حاج حاج». اللافت أن كلام الأب قيل في المقبرة أثناء دفن جثمان ابنه، أي أن هذا الشعور جاء في لحظة الفقد نفسها، لا بعد تجربة طويلة مع إجراءات قضائية لم تحقق نتائج.

لا يمكن اختزال مسألة الثقة بدور الدولة في الانطباعات وحدها، إذ وثقت منظمة «سوريون من أجل العدالة والحقيقة» حالات قالت إنها تضمنت اعتداءات على مواطنين في مدينة طرطوس، مع الحديث عن صعوبات واجهها بعض الضحايا في تسجيل الشكاوى، من بينها حادثة اعتداء على صيدلانية على كورنيش طرطوس، تضمنت، بحسب المنظمة، تفتيش هاتفها وتهديدها وطفلها. ويحتاج توثيق هذه الحالات وتحديد المسؤوليات إلى متابعة قانونية وقضائية مستقلّة.

العقاب القروي

وإذ نعيد قراءة كلام الأب: «خلوه فدو عن الضيعة»، فإن الضيعة لا تشير إلى المكان فقط، بل تشمل في الوعي المحلي شبكة العلاقات التي تربط أهلها وجيرانها وأقاربها، إضافة إلى الأرض الزراعية والمحاصيل ومصادر المياه وممتلكات السكّان.

وعلى عكس المدن، حيث تتسع دوائر العلاقات وتقل المعرفة المباشرة بين السكان، تبقى القرية مساحة اجتماعية يعرف فيها الناس بعضهم بعضاً، وتُعامل أحياناً بوصفها وحدة مترابطة بكل مكوناتها. ومن هنا يمكن فهم محاولة الأب حماية «الضيعة» بوصفها تعبيراً عن خوف يتجاوز فقدان فرد واحد إلى الخشية من أن تمتد تداعيات الفعل إلى المجتمع المحلي بأكمله.

تتغذى هذه المخاوف على ذاكرة قريبة من تجارب نزوح وتهجير طالت قرى ومناطق مختلفة خلال سنوات الصراع السوري، من أطراف متعددة. ومن الأمثلة التي يشير إليها سكان محليون في مناطق ريف حماة الشمالي ما تعرضت له بعض القرى مثل معان ومريود وطرح أراضي سكانها للاستثمار دون الرجوع إليهم، كذلك تهجير قرية أرزة والاستيلاء على بيوت سكانها وممتلكاتهم واراضيهم، و تغيير اسمها إلى «خطّاب الجديدة».

في هذا السياق، تتشكل لدى الجماعات المحلية في مناطق معينة، مخاوف من انتقال المسؤولية من الفرد إلى الجماعة، بحيث يُنظر إلى فعل شخص واحد بوصفه سبباً لعقاب جماعي محتمل. وقد ظهرت هذه المخاوف، وفق شهادات ومواقف متداولة، بعد اعتقال أمجد يوسف، مع انتشار دعوات تحريضية استهدفت قريته.

وحشٌ لا يسهلُ ضبطه

في مناجاة الأب المفجوع تتجلى المفارقة المؤلمة، ففي المجتمعات التي تسود فيها الثقة بمؤسسات العدالة، يطالب أهل الضحايا بالمحاسبة لمنع تكرار الجرائم، أما في البيئات التي تتراجع فيها الثقة بقدرة المؤسسات على الحماية والمساءلة، فقد يصل بعض الضحايا إلى الاعتقاد بأن المطالبة بالعدالة لن تحول دون وقوع جريمة جديدة. وهذه العقلية ليست مجرد تفسير نظري، فقد لاحظتُ، في أوساط من المجتمع العلوي، مظاهر من الإحجام عن المطالبة بالحقوق، ومحاولات للتعايش مع مشاعر الغبن أو الاعتداءات أو الخسائر، عبر عبارات من قبيل: «منيح تركوني عايش..» أو «منيح أخدوا الشب ما أخدوا البنت..». وهي مقارنات تعكس، في كثير من الحالات، آليات دفاع نفسية تساعد الأفراد على الاستمرار في ظروف قاسية، لكنها قد تتحول على المدى البعيد إلى عامل يسمح باستمرار الانتهاكات عندما تغيب المحاسبة.

الجاني الذي لا يواجه المساءلة قد يزداد قدرة على التمدد وارتكاب المزيد من الانتهاكات، وهذا «الوحش» في النهاية لا تُمكن السيطرة عليه ببساطة، أو توجيهه نحو جماعة دون أخرى في بلد متداخل اجتماعياً مثل سوريا. ما يعني أن تراجع حقوق أي شريحة في المجتمع، حتى في حال قبولها المؤقت بهذا الواقع تحت ضغط الخوف أو الظروف، لا يمكن أن يبقى معزولاً. وكما قال مارتن لوثر كينغ: «الظلم في أي مكان هو تهديد للعدالة في كل مكان»، فإن تداعيات الظلم لا تبقى محصورة ضمن حدود فئة أو منطقة، خصوصاً في بلد مترابط ومتداخل اجتماعياً كسوريا.

بكلمات أخرى: لا يعرف الظلم حدوداً طائفية، لأنه لا يبقى محصوراً في المكان أو الجماعة التي بدأ عندها. فالإفلات من العقاب لا يغيّر مصير الضحية وحدها، وإنما يؤثر في القواعد الاجتماعية والإنسانية والأخلاقية للمجتمع بأكمله. وما يُقبل اليوم بحق جماعة باعتباره استثناءً، قد يتحول غداً إلى سابقة قابلة للتكرار بحق جماعات أخرى. لذلك لا يوجد ظلم «محلي» داخل دولة واحدة، فكل تراجع عن العدالة في جانب من المجتمع ينعكس على مستوى الحماية والثقة بالقانون لدى المجتمع كلّه.

وهنا يأتي المعنى الحقيقي للقانون، الذي لا يقتصر دوره على حفظ حقوق الضحايا فقط، بل يرسم الحدود التي لا يجوز تجاوزها. وعندما تتآكل هذه الحدود مع تكرار الإفلات من العقاب، تتراجع فكرة الحماية العامة، وتزداد احتمالات انتشار الفوضى التي لا تميز في آثارها بين الأفراد وفق طائفتهم أو انتماءاتهم السياسيّة

مفهوم_المواطنة_في_سوريا الاستباحة-الجماعية العقاب_الجماعي

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0