عاد ملف السويداء إلى واجهة الحدث السوري بقوّة خلال الأيام الماضية، مع تواتر التصريحات الأميركية والسورية حول الالتزام بخريطة الطريق التي وُقّعت بمشاركة واشنطن وعمّان العام الماضي، بالتوازي مع تصعيد ميداني مطّرد تركز بشكل أساسي على محور المحافظة الغربي.
يأتي ذلك عقب عودة التواصل بين السلطات الانتقالية في دمشق، وبين تل أبيب، إثر استهداف قوات الاحتلال مطار أبو الظهور في ريف إدلب، شمال غربي البلاد منتصف الشهر الماضي.
وتربط كثير من الآراء بين تزايد الاهتمام بملف السويداء، وبين الإعلان عن حل قوات سوريا الديمقراطية، والإدارة الذاتية، في شمال شرقي البلاد، الأمر الذي قُرئ على أنه «تفرّغ لملف المحافظة التي تعيش تحت حكم إدارة ذاتية إثر توحيد الفصائل المحلية تحت مسمى «الحرس الوطني»، وبدعم من إسرائيل التي استغلت مجازر السويداء وتدخلت بذريغة «حماية الدروز»».
في هذا السياق، برزت تصريحات المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق، توم برّاك، الذي أعلن تأييده للسلطات الانتقالية، وهاجم فصائل السويداء واتهمها بأنها «عصابات».
وكتب برّاك عبر حسابه على موقع «إكس»، في 5 أيلول/سبتمبر الجاري، أن واشنطن «متمسكة بخريطة الطريق الموقعة العام الماضي بمشاركة سوريا والولايات المتحدة والأردن»، معتبراً أنها «تمثّل السبيل الوحيد لحل الأزمة في السويداء وإعادة دمج المحافظة في الدولة السورية، بما يضمن للدروز كامل حقوقهم وواجباتهم». ورأى أن غياب «الحكم الرشيد» سمح لـ«العصابات»، وفق وصفه، بملء الفراغ والتحرك بدوافع «خبيثة»، داعياً الدروز والعشائر إلى اعتماد الحوار والتفاهم، والابتعاد عن ردود الفعل التي تقود إلى جولات جديدة من العنف.
ودافع المبعوث الأميركي عن إجراءات السلطات الانتقالية، زاعماً أنها بدأت بمواجهة الجرائم الجسيمة التي ارتكبتها قواتها خلال أحداث تموز/يوليو 2025، ومحاسبة المسؤولين عنها أمام القضاء. وأضاف أن الخروج من الأزمة يتطلب مساراً يحقق المساءلة، ويعيد الأمن، ويمهّد لعودة النازحين وإعمار ما دمرته المواجهات، داعياً جميع الأطراف إلى ضبط النفس والانخراط في حوار جاد، ومحذراً من أن «البديل عن الحوار ليس النصر، بل جولة أخرى من الحداد»، وفق تعبيره.
بدوره، أكد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، في تصريحات نشرتها «الإخبارية السورية» في 7 أيلول/سبتمبر الجاري، أن دمشق ماضية في تنفيذ خريطة الطريق الثلاثية الخاصة بالسويداء، بالتعاون مع الولايات المتحدة والأردن، وأنها ستقف بحزم أمام أي محاولة لتعطيل هذا المسار. وربط الشيباني حل الأزمة بتحقيق العدالة والمحاسبة، وعودة النازحين، واستعادة مؤسسات الدولة، مشدداً على أن «حصرية السلاح وقرار الردع هما حق سيادي مطلق بيد الدولة»، وأن الحوار يمثّل الطريق لإعادة دمج المحافظة ضمن الدولة السورية.
وخريطة الطريق التي يجري الحديث عنها هي الاتفاق الذي أعلنته سوريا والأردن والولايات المتحدة في 16 سبتمبر 2025، بهدف «معالجة تداعيات المواجهات الدامية التي شهدتها السويداء في يوليو من العام نفسه».
وتضمّنت الخطة التزام السلطات السورية إجراء تحقيقات شاملة في الجرائم والانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، والكشف عن مصير المفقودين، وإطلاق سراح المحتجزين والمختطفين، إلى جانب ضمان وصول المساعدات الإنسانية، وإعادة الخدمات الأساسية، وتأهيل المناطق المتضررة، وتهيئة الظروف لعودة النازحين إلى منازلهم.
كما نصّت الخريطة على تأمين طريق دمشق - السويداء والطرق الرئيسة، ونشر قوات أمن تابعة لوزارة الداخلية، وإطلاق مسار للمصالحة بين الدروز والعشائر، بالتوازي مع إعادة مؤسسات الدولة إلى المحافظة ودمجها ضمن البنية الإدارية والأمنية السورية.
كما نصّت خريطة الطريق على بند بارز يؤكد «وحدة الأراضي السورية ورفض التدخل الخارجي»، وهو ما يتعارض مع التوجهات التي أعلنها المرجع الدرزي حكمت الهجري، الذي يقود السويداء حالياً، ودعا إلى انفصال المحافظة وربط مصيرها بتل أبيب، مستنداً إلى الجرائم التي ارتُكبت بحق أبناء السويداء في تموز/يوليو الماضي، وتورطت فيها قوات تتبع دمشق، وأخرى محسوبة عليها. وأضفى ذلك طبقة إضافية من التعقيدات في ظل الموقف الإسرائيلي الباحث عن مكاسب في الميدان السوري المفتوح، سواء في المناطق التي احتلها بعد سقوط نظام بشار الأسد، بما فيها جبل الشيخ الذي زاره بنيامين نتنياهو قبل يومين، أو في موطئ القدم الذي بدأ يترسخ في السويداء.
أمام هذه المعطيات، يبدو الحديث عن إمكانية إجراء ترتيبات خاصة بالسويداء، شبيهة بالإجراءات التي اتُخذت حيال «قسد»، بما يشمل دمج المقاتلين المحليين في السلطات الانتقالية ومنح أبناء السويداء شكلاً مصغّراً من أشكال الإدارة الذاتية، أمراً يحتاج بشكل أساسي إلى موافقة كيان الاحتلال، الطرف الأكثر فاعلية في هذا الملف. بما يعنيه ذلك من تداخل ملف السويداء مع الملف الأمني الذي تحاول السلطات الانتقالية حلحلته مع «إسرائيل»، أملاً في التوصل إلى اتفاق، على وقع التصعيد الإسرائيلي المستمر، تارة بحجة «تأمين إسرائيل»، وتارة أخرى بحجة «منع تركيا من التمدد في سوريا».
ووسط كل هذه الظروف، يبدو أن أبناء السويداء هم الحلقة الأضعف، إذ يعيشون في ظروف شديدة الصعوبة، كما يعاني أبناؤهم الطلاب من الحرمان من التقدم للامتحانات، بعد فشل محاولة إجراء امتحانات استثنائية، على خلفية رفض السلطات إجراء الامتحانات في مناطق غير خاضعة لسيطرتها، ورفض «الحرس الوطني» السماح للطلاب بالخروج لتقديمها.