× الرئيسية
ملفاتنا
صورنا
إنفوغرافيك
من نحن
تَواصُل
النشرة البريدية
facebook twitter twitter twitter
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

الفارق بين العقد الاجتماعي والدستور (لا) يُهمل لصغره!

عقل بارد - على الطاولة 10-06-2021

بما أنّ الدستور هو شكل مكثف للتعبير عن العقد الاجتماعي، فإنّ الافتراض النظري «البريء»، بأنّ دستوراً جديداً سيؤدي إلى إنهاء المأساة السورية، ونقطة من أول السطر، هو افتراض قاصر

الصورة: (UN Geneva - فليكر)

يلاحِظ أي متتبع للشأن العام السوري أنّ تعبيري «العقد الاجتماعي» و«الدستور»، غالبا ما يُستخدمان بوصفهما مترادفين يعبّران عن جوهرٍ واحد، وإنْ تمّ الاعتراف بفارق ما بين التعبيرين، فغالباً ما يوصَف بأنه فارق من النوع الذي «يُهمل لصغره» على طريقة الحسابات الرياضية. 

هذه المطابقة بين التعبيرين - ومع كونها غير دقيقة -  قد لا تكون مؤذيةً في الحالات الطبيعية، إلا أنّها مؤذيةٌ، وربما مؤذية جداً، في الحالة السورية.

أفضل طريقة للبحث عن الفارق، ثمّ عن تأثيره، أن نبدأ بتوصيف ما هو المشترك بين التعبيرين. 

الدستور - سواء كان شكلياً (أي وثيقة مكتوبة)، أو موضوعياً (أي عرفاً قانونياً سائداً من دون أن يوضع في وثيقة مكتوبة، كما الحال في بريطانيا مثلاً)، أو خليطاً من هذا وذاك - هو أحد أهم وأكثف التعبيرات القانونية عن العقد الاجتماعي، لكنه ليس كلّ العقد الاجتماعي، وسنوضح ما نقصده بشكل أكبر في الفقرات التالية.

مرحلة ظهور المفهوم

بعيداً عن التعريفات الأكاديمية لـ«العقد الاجتماعي»، فإنّ المرحلة التي ظهر فيها هذا المفهوم، أي القرن 18، (قرن الثورة الفرنسية التي بدأت العام 1789)، هي مرحلة بدايات تشكل ما بات يُعرف لاحقاً بالدولة الوطنية، وعلى الخصوص الدولة الوطنية ذات الديمقراطية التمثيلية.

الفارق الجوهري بين هذه الدولة (دولة الثورة الفرنسية - الدولة الوطنية ذات الديمقراطية التمثيلية) وما سبقها من دول، هو قيامها على مبدأ يقول بسيادة الشعب، وبكونه مصدر السلطات. 

كان الشعب في ذلك الوقت تعبيراً عريضاً يضم تحته على قدم المساواة الشكلية كلاً من طبقة الـ«سان كيلوت»، أي العمال والفلاحين، وطبقة البرجوازية الناشئة، بمقابل النبلاء الإقطاعيين، و«الأكليروس» أي رجال الكنيسة، الذين اصطفوا مع مصالحهم، ومع مصالح الملك ضمناً، وضد الشعب.

المواطنة المتساوية - على أهميتها وضرورتها - إن كانت مقصورة على التساوي بين مختلف الأديان، والطوائف، والقوميات، والتساوي الجندري، ستكون متساوية شكلياً، وتستخدم المساواة أداة لظلم القسم الأكبر من الناس

إذاً، فظهور مفهوم «العقد الاجتماعي»، ارتبط تاريخياً بالمرحلة التي بدأ معها إنهاء أشكال الحكم المطلق الذي كان يستمد شرعيته من «الحق الإلهي»، (أحد تعبيرات ذلك كان حصول ملوك أوروبا على تبريكات بابا الفاتيكان قبل تتويجهم) أو «رابطة الدم الملكية»، أو ما شابه.

هامش غير هامشي (رقم 1)

ليست مصادفة أن يتم ضمن مفهوم العقد الاجتماعي، استخدام كلمة «العَقد» التي تستخدم نفسها للتعبير عن التعاملات التجارية: (بالفرنسية Contrat social، وبالإنكليزية Social Contract). فالطبقة التي كانت قائدة لنضالات تلك الشعوب، هي بالذات الطبقة ذات العقلية التجارية، الطبقة البرجوازية التي كانت تسعى - ضمن مساعٍ عديدة – إلى كسر الحدود التجارية الجمركية للإقطاعات أمام عبور منتجاتها المتراكمة بشكل متسارع: (دعه يعمل دعه يمر...).

 في الإطار النظري، يرسمُ «العقد الاجتماعي» مجتمعاً يتساوى فيه جميع الأفراد.

(لم يكن الأمر كذلك في التنظيرات والممارسات الخاصة بالعقد الاجتماعي طوال أكثر من 200 عام بعد ظهوره الأول. مثلاً النساء لم يحصلن على حق التصويت في عدد كبير من البلدان حول العالم - بما فيها بلدان أوروبية - حتى أواسط القرن الماضي، بل إنّ النساء في بعض الدول الأوروبية لم يحصلن على حق التصويت الفيدرالي حتى العام 1971، كما في سويسرا!).

من ثم، فالأفراد المتساوون ينظمون العلاقة في ما بينهم، وطريقة الحكم في الدولة، عبر قانونٍ واحدٍ يسري على الجميع، وهذا القانون نفسه ينقسم من حيث درجة عموميته وثباته وصعوبة تغييره إلى قسمين أساسيين: دستور، وبقية القوانين. وبين هذا وذاك يوجد أيضاً «العرف الاجتماعي» الذي يكون متفاوتاً في درجة إلزاميته، بين ما هو أكثر إلزامية من الدستور نفسه، وما هو نافل يلتزم به أو يتركه من يشاء وبالقدر الذي يشاء. 

بهذا المعنى، فإنّ الدستور يكون أكثر التعبيرات كثافة عن «التعاقد الاجتماعي بين المواطنين الأحرار».

الدستور - سواء كان شكلياً، أو موضوعياً، أو خليطاً من هذا وذاك - هو أحد أهم وأكثف التعبيرات القانونية عن العقد الاجتماعي، لكنه ليس كلّ العقد الاجتماعي

سأستحضر بعض الأمثلة على المشكلات الكامنة في هذا المفهوم للعقد الاجتماعي، حتى بشكله النظري «المثالي»: 

أول تلك الأمثلة إحالةٌ إلى مقالٍ سابق في «صوت سوري» بعنوان «عن العدالة وصناديق الديمقراطية» حاولت أن أقول فيه: إنّ التساوي الشكلي في عملية الاقتراع لا يعني أبداً أنّ هناك عدالة في تلك العملية، بل العكس تماماً، فالمساواة الشكلية في الاقتراع هي أداة «الكبار»، أي المهيمنين اقتصادياً وإعلامياً وسياسياً وعسكرياً، في الإيحاء الكاذب بشرعيتهم، وشرعية استيلائهم على السلطة.

المثال الثاني هو القوانين الضريبية، ويكفي هنا أن نقارن بين الضريبة المفروضة على الأرباح، والضريبة المفروضة على الأجور (ضريبة الدخل) في مختلف دول العالم، بما فيها سوريا.

ربطاً بالمثال الأول، فالتساوي في نسبة الضريبتين ليس عدالة على الإطلاق، (لنفترض أن النسبة هي 10% للأجور والأرباح على حد سواء، هذا يعني أن عاملاً راتبه 100 ألف مثلاً، سيدفع ضريبة دخل قدرها 10 آلاف، وتبقى له 90 ألفاً ليعيش بها، وتاجر كبير ربحه الشهري الصافي 100 مليون، سيدفع ضريبة قدرها 10 ملايين، و«يعيش» بالـ90 مليوناً المتبقية!). 

التساوي هنا ليس أكثر من خدعة مفضوحة ووقحة، لكن كيف يمكننا أن نصف هذه الخدعة نفسها أمام الواقع الذي يقول إنّ التشريعات الضريبية في معظم دول العالم تنص على نسبة لضريبة الأجور أعلى من نسبة ضريبة الأرباح؟! والحجة دائماً هي ذاتها التي رددها عبد الله الدردري، والحكومات السورية - على الأقل منذ العام 2005 - أنّ «التجارة هي قاطرة النمو»، أو بالقول «دع الأغنياء يغتنون فهم قاطرة النمو»!

هامش غير هامشي (رقم 2)

ربطاً بالهامش السابق، واستناداً إلى الفقرة السابقة، فإنّ «المساواة» في عالم اليوم – برأيي - هي أداة الاستغلال والظلم الأكثر فعالية، والأكثر إجراماً ووحشية في الوقت نفسه!

ما الفارق إذاً؟

بما أنّ الدستور هو شكل مكثف للتعبير عن العقد الاجتماعي، فإنّ الافتراض النظري «البريء»، بأنّ دستوراً جديداً سيساهم في إنهاء المأساة السورية، ونقطة من أول السطر، هو افتراض قاصر.

نعم نحتاج دستوراً جديداً، لكن ينبغي أن يُبنى ذلك الدستور على فهمٍ محدد وجديد للعقد الاجتماعي السوري.

هذا الفهم ينبغي أن يُبنى على فكرة العدالة لا المساواة، ففكرة المواطنة المتساوية - على أهميتها وضرورتها - إن بقيت مقصورة على التساوي بين مختلف الأديان، والطوائف، والقوميات، والتساوي الجندري، وإلخ، ستكون مواطنة متساوية شكلياً، ومواطنة تستخدم المساواة أداة لظلم القسم الأكبر من الناس.

ببساطة ووضوح، وهذا رأي شخصي غير ملزم (على طريقة اليوتيوبر المصري الشهير محمد قنديل-أخ كبير)، فإنّ العقد الاجتماعي الجديد، الذي يفترض أن يكون أسّ كتابة دستورٍ جديد، ينبغي أن يُبنى على أساس مصلحة «الشعب»، وإذا كان الشعب في القرن الثامن عشر قد ضم البرجوازية والـ«سان كيلوت» معاً في فرنسا، فإنه في القرن الحادي والعشرين في سوريا، يضم 90% من السوريين هم: «الثالث المقموع»!


Share!

لا يتبنى «صوت سوري» أي توجه مسيس للملف السوري ولا تقف وراءه أي جهة سياسية.
نحن نراهن على دعمك لنا في الوصول إلى جميع السوريين والسوريات.

إذا رأيت أن خطابنا يستحق الوصول انشري / انشر هذا المقال من فضلك

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها