× الرئيسية
ملفاتنا
صورنا
إنفوغرافيك
من نحن
تَواصُل
النشرة البريدية
facebook twitter twitter twitter
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

سوريا.. بلد الأنهار «الزومبي»!

عقل بارد - على الطاولة 05-01-2022

هل تساءلت يوماً «كم نهراً يوجد في سوريا»؟ الجواب على الأرجح مفاجئ لكثر لا يتعدى الرقم في اعتقادهم أصابع اليد، لكن الواقع أنه يتجاوز العشرين. يمكن القول بثقة إن جميع الأنهار السورية، بلا استثناء تعاني من مشكلات هائلة، حولت معظمها إلى أنهار موسمية مهددة بجفاف شبه كامل لما لم يجفّ منها بعد

الصورة: (نهر العاصي في حماة - ربيع العام 2015 / Zaher Kadour - فليكر)

جرت الأنهار في هذه المنطقة على مدار العام لآلاف السنين، وازدهرت أقدم الحضارات بفضلها. لكن معظمها في العقود الأخيرة تحول تدريجياً إلى أنهار موسمية، قد تصح تسميتها «الأنهار الزومبي»! فهي تلفظ أنفاسها صيفاً، وتحاول العودة إلى الحياة مع بدء الشتاء، مع كل ما يحمله هذا من التبعات البيئية، والضغوطات الاجتماعية الناجمة عن هجرة ونزوح عشرات الآلاف من السكان نتيجة ضياع أرزاقهم، والمقصود هنا بالطبع ذلك النزوح السابق للحرب. 

بردى.. الذي كان نهراً

لا علاقة للساقية المسماة اليوم «بردى» بذلك النهر الذي كان في زمن مضى عنواناً لدمشق وتغنى به شعراء كثر. 

ينبع النهر من بحيرة نبع بردى في جنوب الزبداني على ارتفاع يزيد عن 1100 متر، ويمر بمدينة دمشق، ودمشق القديمة، والغوطة حيث كانت تكثر على جوانبه قنوات الري المتفرعة عنه لتغذي بساتين وحقول الغوطة. ينتهي بردى ببحيرة العتيبة التي تجف في الصيف، والخريف بعد أن يقطع 71 كم. 

بدأ النهر يفقد ملامحه في تسعينيات القرن الماضي، وتحول إلى ساقية مليئة بالأوساخ والملوثات الصناعية، ومصب لمياه الصرف الصحي والزراعي.

أما نهر الأعوج (70 كم) ثاني أهم مجرى مائي في حوض دمشق، فينبع من جبل الشيخ جنوب غرب سوريا، ويمر بقرى عديدة في غوطة دمشق. كان من أهم مصادر ري الأراضي الزراعية، لكن بسبب التغيرات البيئية صار يجف كل صيف، وتحول مصدراً لانبعاث الروائح الكريهة، ومسبباً لانتشار الحشرات والقوارض، خصوصاً مع حلول فصل الصيف وازدياد حرارة الطقس. عند قدوم الشتاء والأمطار يفيض النهر بسبب تراكم الأوساخ والأتربة، التي تحول دون جريانه بشكل سليم، ما يؤّدي إلى ارتفاع منسوب المياه وتسربها. يصب «الأعوج» في بحيرة الهيجانة، لكنه لم يعد يصل إليها حالياً إلا في موسم الأمطار. 

الخابور «القتيل»

ليس الوضع في الشمال أفضل، إذ تجف أنهار كثيرة (أو تكاد) في فصل الصيف. من أهم تلك الأنهار نهر البليخ الذي يَنبع من قرية عين العروس (3 كم جنوب مدينة تل أبيض)، في محافظة الرقة، ويبلغ طوله 110 كم.

كان النهر يروي مساحات كبيرة في حوض الفرات، وله روافد عديدة مثل: الجلاب، ووادي القرموغ، ووادي الخضر، قبل أن يصب في نهر الفرات، متفرعاً إلى فرعين في قرية «رقة سمرة» شرقي مدينة الرقة.

في أواخر ثمانينيات القرن الماضي بدأت تركيا احتجاز مياه نهر الجلاب، أحد أهم روافد البليخ، ما أسهم في انخفاض غزارة الأخير، فضلاُ عن حفر الكثير من الآبار في محيط منبع البليخ، وفي سهول أورفا الجنوبية على الجانب التركي.

أما نهر جقجق (أو نهر الهرماس) فيبلغ طوله 124 كيلومتراً، منها مئة كيلومتر في الأراضي السورية. ينبع النهر من منبعين اثنين في هضبة طور عابدين في تركيا، ويجري في منطقة الجزيرة السورية (في القامشلي، والقحطانية) قبل أن يصب في نهر الخابور. كانت مياه «جقجق» تروي أكثر من خمسة ألاف هكتار، لكنه تحول إلى نهر موسمي (شتوي) فحسب بفعل تحويل مجراه ضمن الأراضي التركية، فضلاً عن التغيرات البيئية.

أسهمت السلوكيات التركية إلى حد كبير في تردي أوضاع الأنهار السورية، لكن الغريب هنا أن سنوات الصداقة الطويلة بين دمشق وأنقرة لم تحمل معها أي تغير حقيقي على هذا الصعيد

نأتي إلى نهر الخابور الذي يعد من أهم الأنهار السورية، وهو أكبر مجرى مائي في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا، ويعتبر مع نهر البليخ أهم رافدين لنهر الفرات. طول الخابور 440 كم، منها 320 في الأراضي السورية. 

تشكّل ينابيع رأس العين السورية قرب الحدود أهم مصادر مياه الخابور، بينما لا تصل مياه الجزء التركي منه إلى سوريا إلا في الشتاء. 

تصب في الخابور روافد عديدة، مثل أنهار الجرجب، والزركان، وجقجق، وجميعها تصب في قطاعه الأعلى بين منبعه في رأس العين ومدينة الحسكة. يتابع النهر جريانه حتى يصب في الفرات، قرب مدينة البصيرة في محافظة دير الزور. 

أدى جفاف ينابيع الخابور نتيجة حفر تركيا آلاف الآبار إلى تحول نهر الخابور إلى نهر شتوي بعد أن غارت المياه على الجانب السوري خصوصاً في رأس العين، وأفضى ذلك إلى هدر كبير في الاستثمارات التي صُرفت على تنفيذ مشاريع سدود وأقنية، وخاصة بعد الجفاف، وإلى توقف استثمار 60000 هكتار مكتملة التنفيذ.

نال الخابور نصيبه من الحرب السورية أيضاً، فاسُتخدم المتبقي منه سلاحاً. ووفقاً لمنظمة «PAX» الهولندية أوقف «الجيش الوطني» المدعوم من تركيا تدفق المياه من محطة مياه علوك إلى تل تمر والحسكة أكثر من 20 مرة خلال عامين. (بين شهر تشرين الأول / أكتوبر 2019، وشهر تشرين الثاني / نوفمبر 2021).

بقايا العاصي وروافده

في غرب البلاد لا يختلف الأمر كثيراً من حيث خروج الأنهار من الخدمة، ولو اختلفت الأسباب. وسنكتفي بإيراد أهم مثالين، هما:

1 - النهر الكبير الجنوبي. تشكله العديد من الينابيع مثل عين الصفا في لبنان، ويجري على طول الحدود من الشمال إلى الجنوب بين لبنان وسوريا، قبل أن يصب في البحر الأبيض المتوسط. يعاني النهر بأكمله تقريباً من التلوّث الشديد، كما أنه مملوء بالأعشاب المائية الدخيلة التي تسد المجاري المائية، وقنوات الري في جميع أنحاء مجرى النهر. 

فضلاً عن المسببات التركية لجفاف الأنهار في سوريا ثمة أسباب مناخية وبيئية، وسلوكيات مرتبطة بالحفر العشوائي للآبار، مع فشل حكومي كلي على امتداد عقود في التعاطي مع هذا الملف الشديد الأهمية

2 - نهر العاصي. يتشكل النهر من منابع عديدة، مثل منابع عين الزرقا في منطقة البقاع اللبنانية (سفوح سلسلة جبال لبنان الغربية)، وينابيع من سفوح جبال لبنان الشرقية، ومجموعة منابع الزراعة قرب بلدة جوسية شمال البقاع. يدخل بعدها إلى الأراضي السورية عند نقطة طاحونة العمرية في بلدة ربلة، ليشكل وادي العاصي، ثم بحيرة قطينة، وأقيمت عليه سدود الرستن، ومحردة، والعشارنة، ثم يدخل مدينة أنطاكية في لواء إسكندرون، ثم إلى خليج السويدية حيث يصب في البحر المتوسط. في شباط من العام 2011 وُضع في محافظة إدلب حجر الأساس لسد الصداقة الذي كان مشروعاً تركيّاً سوريّاً مشتركاً، قبل أن يمهد شهر آذار لانتهاء «عقد العسل» بين دمشق وأنقرة، الذي امتد نحو عشرة أعوام.

تتباين غزارة العاصي في قطاعاته المختلفة، من 14 م3/ثا حتى 80 م3/ثا، ويمر في قطاعيه الأوسط والأدنى بثلاثة سهول خصبة، وذات أهمية حيوية: سهل العشارنة 24 ألف هكتار، وسهل الغاب بمساحة ري 50 ألف هكتار، وسهل العمق في لواء إسكندرون. 

تغذية منابع العاصي مطرية في الدرجة الأولى، وثلجية بالدرجة الثانية، إذ تتراكم الثلوج فوق جبال لبنان الشرقية في فصل الشتاء. ويرفد نهر العاصي في الأراضي السورية العديد من الأنهار ذات الجريان الموسمي، وبعض الأنهار الدائمة، ومن الروافد: نهر أبو همامة، والكافات، وقسطون، إضافة إلى نهري عفرين والأسود اللذين يشكلان عند نهاية بحيرة العمق التي جففت، مجرى مائياً يدعى بالعاصي الصغير. 

الكارثة قادمة

عادة ما تُختصر أسباب أزمات الأنهار السورية بالحديث عن الممارسات التركية. هذا الحديث في حد ذاته مصيب، فسلوكيات أنقرة أسهمت إلى حد كبير في تردي أوضاع الأنهار السورية، لكن الغريب هنا أن سنوات الصداقة الطويلة بين دمشق وأنقرة لم تحمل معها أي تغير حقيقي على هذا الصعيد. 

وفضلاً عن المسببات التركية، ثمة أسباب مناخية وبيئية، وسلوكيات مرتبطة بالحفر العشوائي للآبار في سوريا، مع فشل حكومي كلي على امتداد عقود في التعاطي مع هذا الملف الشديد الأهمية، ما أسهم في دخول البلاد دوامة التغير الديمغرافي، وأفضى إلى مشكلات اقتصادية عويصة، فتركزت الكثافات السكانية في بقاع محددة، وقل عدد العاملين في الزراعة، الأساس الاقتصادي لسوريا.

لكن ما سبق، قد يكون مجرد «نزهة» أمام «المأساة السورية القادمة» وفقاً لما عنونت به صحيفة نيويورك تايمز أحد مقالاتها في شهر تشرين الثاني الماضي.

اليوم، تعتبر سوريا من الدول الجافة وشبه الجافة، وتعاني عجزاً في الموازنة المائية، من المتوقع أن يصل في العام 2050 إلى نحو 6.2 مليار متر مكعب، بينما تتقاطع دراسات عديدة على أن جفاف نهري الفرات ودجلة مسألة وقت، وتختلف التقديرات حول الموعد المحتمل بين العام 2040، أو العام 2050.


Share!

لا يتبنى «صوت سوري» أي توجه مسيس للملف السوري ولا تقف وراءه أي جهة سياسية.
نحن نراهن على دعمك لنا في الوصول إلى جميع السوريين والسوريات.

إذا رأيت أن خطابنا يستحق الوصول انشري / انشر هذا المقال من فضلك

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها