بدأ «الانكسار الكردي الكبير» في المنطقة عقب نكوص القوى الدولية (بريطانيا وفرنسا) عن التزاماتها في «معاهدة سيفر» 1920، التي نصت موادها (62، 63، 64) صراحةً على ضمان حق الكورد في تشكيل دولتهم المستقلة. جاء الإعلان عن «معاهدة لوزان» 1923 بمثابة زلزال سياسي مدمر، لم يُطح بالحلم الكردي في تأسيس كيان مستقل فحسب، بل أعاد رسم خرائط المنطقة وترك آثاره على كل شعوبها، غير أن الكورد كانوا الفئة التي وجدت نفسها «بلا عنوان سياسي»، وعرضة لسلسلة من الهزات الارتدادية العنيفة.
من مجازر 1925 وإعدام الشيخ سعيد بيران في تركيا، وصولاً إلى «فظائع ديرسم» وإعدام الزعيم سيد رضا، وحتى القضاء على «جمهورية مهاباد» في «كردستان إيران» وإعدام قائدها قاضي محمد عام 1946؛ بينما كانت المنطقة تشهد ولادة دول قومية صاعدة (تركيا، إيران، العراق) رأت في الطموح الكردي تهديداً وجودياً لوحدتها، فمارست سياسات «التسقيف والتحجيم» لضمان بقاء هذا المكون ضمن أطر لا تتجاوز الاعتراف الثقافي المحدود في أفضل الحالات.
«واقعية النضال» وتحولات منتصف القرن
مع منتصف القرن العشرين، بدأت سياسات التحجيم تؤتي ثمارها؛ إذ اضطر الزعماء والأحزاب الكردية للتخلي عن سقف «تقرير المصير» والاكتفاء بالنضال ضمن حدود الدول التي رسمتها اتفاقية سايكس-بيكو.
وإن كان الملا مصطفى البارزاني يمثل الأب الروحي للنضال الكردي، فإن مراجعة طلب ترخيص الحزب الديمقراطي الكردستاني المقدم لحكومة عبد الكريم قاسم عام 1960 توضح هذا التحول؛ إذ ورد في أدبياته: «يناضل الحزب من أجل صيانة الجمهورية العراقية وتوطيدها... والعمل على توسيع الحقوق القومية للشعب الكردي ضمن الوحدة العراقية». هذا الخطاب الواقعي انتقل إلى الحركة الكردية السورية التي تميزت بالتزامها النضال السلمي ورفض الكفاح المسلح.
لكن ذلك لم يمنع السلطات السورية المتعاقبة إلى انتهاج سياسات تتجاهل ضرورة محاورة الكورد، بدءاً من اعتقال القادة المؤسسين، مروراً بفاجعة حريق سينما عامودا (في عهد حكومة الوحدة)، وصولاً إلى «الإحصاء الجائر» (1962) الذي جرد الآلاف من جنسيتهم، ومصادرة الأراضي وتوزيعها ضمن مشروع «الحزام العربي» (في عهدي الانفصال والبعث 1963-1970).
الضرورات تبيح المناورات؟
لم يكن التحول نحو «الواقعية السياسية» لدى القيادة الكردية وليد الصدفة، بل كان نتاج مراجعات مريرة أجراها الملا مصطفى البارزاني ورفاقه أثناء منفاه السوفيتي بعد انهيار جمهورية مهاباد. خلصت تلك المراجعات إلى أن «العائق الأكبر أمام الطموح الكردي هو الموقف البريطاني المتصلب»، مما دفع البارزاني - مع اندلاع ثورة أيلول 1961 - للبحث عن قنوات ضغط دولية.
مع تداعي سيطرة النظام، برزت تعقيدات جديدة؛ فبينما كان الكورد يخشون تكرار تجارب الإقصاء ، كانت قطاعات من السوريين تتوجس من مشروع الإدارة الذاتية وتراه مقدمة لانفصال مدعوم دولياً
هنا، برزت العلاقة مع «إسرائيل» كـ «وسيلة تكتيكية» وجسر للوصول إلى مراكز القرار في لندن وواشنطن، بوساطة من يهود عراقيين ودعم فرنسا (المنافس التقليدي لبريطانيا). وفي حين كان الكيان يهدف من هذا التعاون إلى تأمين خروج اليهود العراقيين واستنزاف بغداد في حرب استنزاف دائم، يؤكد مسعود البارزاني في كتابه «البارزاني والحركة الكردية» أن «الدعم الإسرائيلي كان مسموماً»؛ إذ حرصت تل أبيب على تقديم دعم محدود يبقي الكورد في حالة قتال، لكنه لا يؤهلهم لحسم المعركة، وصولاً إلى ضلوع «إسرائيل» في اتفاقية الجزائر (بين بغداد وطهران) 1975، التي «غدرت بالحلم الكردي»، وهو ما جعل البارزاني الابن يحملها مسؤولية لا تقل عن مسؤولية كسينجر والشاه.
المفارقة الغائبة في هذا السياق، هي أن هذه القنوات التكتيكية لم تمنع وجود علاقة دافئة وتاريخية بين الملا مصطفى والزعيم جمال عبد الناصر؛ الأب الروحي للقومية العربية. فالتاريخ يذكر أن البارزاني اختار القاهرة محطة أولى عند عودته من منفاه السوفيتي، واستقبله عبد الناصر بحفاوة بالغة وأرسله إلى البصرة على متن يخت رئاسي مصري. هذا الخط (الكوردي-المصري) ظل «صمام أمان تاريخي»، وقد يفسر استمرارية العلاقة القوية حتى يومنا هذا، قبل ثلاثة أيام استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، رئيسَ حكومة إقليم كردستان العراق مسرور البارزاني (حفيد الملا مصطفى)، ليعيد التأكيد على أن العلاقة الكردية مع العمق العربي هي الأصل، وما سواها كان «اضطراراً» تفرضه زلازل السياسة.
عهد حافظ الأسد: انفتاح انتقائي واحتواء أمني
دخلت العلاقة الكردية-السورية في عهد حافظ الأسد نفق «البراغماتية الأمنية». فبينما كانت دمشق تستقبل عبد الله أوجلان وتدعم حزب العمال الكردستاني للضغط على أنقرة المتهمة حينها بـ«دعم الإخوان، وسرقة مياه الفرات»، كانت في الوقت ذاته تضرب الحراك الكوردي السوري.
عمل النظام حينها على «تعهيد» القضية الكردية لجهات أمنية، مما أدى إلى تشتيت الحركة الكردية وإغراقها في انشقاقات جانبية، في سياسة لم تكن تختلف عما تفعله بغداد أو طهران؛ «دعم كورد الجيران» للتنكيل بالخصوم، وقمع «كورد الداخل» لضمان الولاء التام.
هكذا، بات نشاط الأحزاب الكردية في سوريا يكاد يقتصر على إصدار نشرات دورية تُحاكي في رتابتها صحف تشرين والبعث والثورة الرسمية، وتركز على مظالم ما قبل عهد الأسد الأب.
عهد بشار الأسد و«شهر العسل» المرّ
مع تدهور صحة حافظ الأسد والسعي لتوريث نجله بشار، أُخرج أوجلان من سوريا ليُعتقل في كينيا 1999، ثم يسلم إلى أنقرة. ومع صعود نجم رجب طيب إردوغان في تركيا، بدأت مرحلة «شهر العسل» التركي السوري، وكان الكورد هم الضحية الأولى.
بين العامين 2000 و2011، امتلأت السجون السورية بالكورد، وسُلم العديد منهم لأنقرة، ناهيك بدماء ضحايا انتفاضة 2004 (القامشلي)، وتكرر حالات مقتل مجندين من الكورد أثناء خدمتهم العسكرية الإلزامية في «حوادث غامضة»، فضلاً عن القوانين العنصرية التي منعت الكورد من التصرف بأراضيهم أو شرائها، في حصار اقتصادي وعقاري ممنهج.
الثورة والتحولات الكبرى
انخرط الكورد في الثورة السورية منذ بداياتها في درعا وحمص والقامشلي، وبرز بعض الساسة الكرد في منصات المعارضة، بينما تبنى حزب الاتحاد الديمقراطي/PYD «الخيار الثالث» الرافض للحل العسكري والمنفتح على الحوار مع كل الأطراف.
مع تداعي سيطرة النظام، برزت تعقيدات جديدة؛ فبينما كان الكورد يخشون تكرار تجارب الإقصاء التاريخية، كانت قطاعات من السوريين تتوجس من مشروع الإدارة الذاتية وتراه مقدمة لانفصال مدعوم دولياً. هذا التوجس المتبادل، وتدخل القوى الإقليمية وخاصة تركيا منذ إعلانها فشل المحادثات مع حزب العمال الكردستاني في 2015، أزّم العلاقة مع أجسام المعارضة السورية السياسية والعسكرية المحسوبة على تركيا (الائتلاف - فصائل الجيش الحر)، قبل أن تتدخل تركيا عسكرياً وتُنفذ ثلاث عمليات (درع الفرات، غصن الزيتون، نبع السلام) أدت إلى احتلال مناطق كردية وتغيير ديمغرافيتها، إذ أُجبرت آلاف العائلات من كورد عفرين ورأس العين إلى خوض رحلات نزوح قسرية.
لتشهد بعدها سوريا حالة ستاتيكو سياسي وعسكري استمرت أربع سنوات (2020-2024)، كانت فعلاً الهدوء الذي يسبق العاصفة.
وجع سوريّ بخصوصية كردية
بينما كان كثير من السوريين يحتفلون بسقوط نظام الأسد واستلام «هيئة تحرير الشام» بقيادة أحمد الشرع للسلطة، كان كثير من الكورد - وخاصة مهجري عفرين - يعيشون رعباً مضاعفاً. تعرضوا لهجوم من فصائل (العمشات والحمزات)، وارتكبت بحقهم جرائم سلب وقتل.
من شواهد المأساة قصة عبد الرحمن مرشد، العفريني المهجر الذي حاول عناصر من «القوة المشتركة» مهاجمته والتعرض للسيارة التي كانت تقله وعائلته في رحلة تهجير جديدة، ففضّل الانتحار، وقصة محمد علي الذي تعرض لتعذيب وحشي في سجون الفصائل؛ اعتُقل الرجل في 1 كانون الأول/ديسمبر، ولمدة 40 يوماً تعرض للتنكيل: أُجبر على الوقوف على صفيح ساخن، وبُترت أصابع قدميه حتى فقد قدرته على المشي وأصيب بلوثة عقلية، ورغم تلقيه العلاج شهوراً بعد إطلاق سراحه استمر وضعه بالتدهور، ليتوفى قبل أيام بالتزامن مع الذكرى ال أولى للسقوط، وكأن موته رسالة بأن الوجع الكردي لم يرحل برحيل الأسد.
نجاح اتفاق آذار لا يقاس بصورة تذكارية، بل بقدرته على تحويل الكورد وكل المكونات السورية إلى شركاء حقيقيين في دولة مواطنة، تنهي قرناً من الزلازل السياسية
وفي حلب، ظل الكورد في حيي الشيخ مقصود والأشرفية يعيشون حالة خوف وترقب لهجوم متوقع عقب خروج حلب عن سيطرة النظام السابق، مع استعدادات لرحلة تهجير جديدة، وبات قسم كبير منهم لياليَ في حافلاتهم المملوءة بالحقائب وزجاجات المياه وبعض الزاد، ثم بعد مرور شهر من سقوط النظام تحسن الوضع قليلا مع تدخل «هيئة تحرير الشام» ومحاولتها كبح جماح تلك الفصائل، ولكن حالة اللايقين بقيت سيدة الموقف، وازدادت مع تواتر الأنباء عن الجرائم المرتكبة في الساحل.
اتفاق آذار: احتمالات مفتوحة على صفيح ساخن
يبرز اتفاق العاشر من آذار بين «دمشق الجديدة» و«قسد» كعلامة فارقة. فلأول مرة، جلس الطرفان بصفتهما الاعتبارية على طاولة واحدة بمباركة دولية وإقليمية. يدرك المتابعون أن هذا الاتفاق ليس معزولاً، بل يرتبط عضوياً بمسار السلام بين تركيا وحزب العمال الكردستاني؛ إذ تهدف «الدولة العميقة» في تركيا إلى احتواء كورد سوريا في مرحلة ما بعد الأسد.
لكن بنود الاتفاق «المطاطة» والمبهمة، واختلاف التفسيرات و«الطموحات» بين طرفي الاتفاق، انعكست تباطؤأً في التنفيذ، وقدمت مؤشرات جديدة على حجم «أزمة الثقة» التاريخية. وما لم يدخل الاتفاق مرحلة التنفيذ الفعلية فنحن أمام سيناريوهات مفتوحة؛ إما تصعيد مضبوط واشتباكات محدودة يتبعها تدخل دولي ينتج عنه تمديد مهلة تنفيذ الاتفاق، أو تصعيد كارثي يقود إلى مواجهة شاملة تنهي آمال الاستقرار، أو استمرار للوضع القائم بانتظار تسوية كبرى.
يبقى أن الدرس المستفاد من حصيلة 14 عاماً من الوجع السوري، هو أن استقرار سوريا لن يتحقق بعقلية «الغالب والمغلوب» أو «المكون القائد والمكون التابع»، ونجاح اتفاق آذار لا يقاس بصورة تذكارية، بل بقدرته على تحويل الكورد وكل المكونات السورية إلى شركاء حقيقيين في دولة مواطنة، تنهي قرناً من الزلازل السياسية التي لم تورث السوريين إلا الشتات والآلام.