× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

هل تظلّ «العدالة السوريّة» عوراء جندريّاً؟

حكاياتنا - خبز 29-12-2025

بينما تنشغل لجان الحقيقة وصنّاع القرار برسم ملامح المرحلة الانتقالية، تظل حقوق النساء عالقة في منطقة رمادية. بين تمثيل سياسي خجول، ووصمة تلاحق الناجيات، وإعلام يتأرجح بين التهميش والمتاجرة؛ يبرز السؤال: هل تكتمل عدالة تتجاهل منظور نصف المجتمع؟ يغوص المقال في تعقيدات العدالة الانتقالية من منظور نسوي، مستنداً إلى شهادات حية ترفض أن تكون مجرد «زينة» في مشهد بناء سوريا الجديدة

بعد أكثر من عقد من الحرب ومآسيها في سوريا، لم يعد الحديث عن العدالة الانتقالية مجرد ترف سياسي أو مفهوم نظري، بل هو شرط لازم لبناء مستقبل مختلف، أكثر عدلاً وأمناً. الجرائم التي ارتكبت خلال سنوات النزاع – من اعتقال تعسفي واختفاء قسري وتعذيب وعنف جنسي ونزوح – تركت ندوباً عميقة لا يمكن تجاهلها أو القفز فوقها. في قلب هذه المأساة، تواجه النساء تحديات مضاعفة؛ فهنّ لم يتعرضن للعنف المباشر فحسب، بل عشن أيضاً تبعات النزاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

تُظهر التجارب المقارنة أن تجاهل المنظور النسوي يجعل هذه العملية عرجاء، وقد يعيد إنتاج أنماط التهميش التي عانت منها النساء لعقود. وهنا يطرح السؤال: أين تقف سوريا اليوم على طريق العدالة؟

ملامح غير مكتملة 

على امتداد العام الماضي ظهرت مبادرات تحمل عناوين كبيرة مثل لجان الحقيقة، وبرامج الإصلاح القضائي والأمني، وورش عمل لمناقشة الدستور. إلا أنّ معظم هذه المبادرات بقي في إطار رمزي أو تجريبي، ولم يرقَ بعد إلى مستوى يُحدث تغييراً ملموساً في حياة المواطنين. ما تحقق حتى الآن يمكن اعتباره خطوة أولى لكسر الصمت، لكنه لا يكفي لفتح مسار عدالة شاملة.

بدأ الإعلام مواكبة هذه المرحلة عبر نقل النقاشات العامة، ونشر قصص الانتهاكات، وتسليط الضوء على مطالب الضحايا. غير أن هذا الحضور الإعلامي لا يزال محفوفاً بتحديات أساسية، أبرزها غياب معايير واضحة تضمن حماية الناجيات من إعادة الأذى أو الوصم.

تقول رنا (اسم مستعار)، وهي معتقلة سابقة: «لا يوجد شيء رسمي، وإذا وُجد فهو مهين ولا يمثلني. أشعر بالعار إذا أردتُ الذهاب والحديث عمّا جرى معي. الدولة مقصّرة جداً، ويجري التعامل مع الناجيات بطريقة بشعة».

وتضيف: «المجتمع لا يرى الناجية ضحية، بل مذنبة. حتى لو لم تتعرض للاغتصاب، تبقى الشكوك والأسئلة تلاحقها: إنتِ كنتِ جوّا؟ شو صار معِك؟».

العدالة النسوية: صراع الـكيف والكم

العدالة من منظور نسوي تعني أكثر بكثير من مجرد محاكمة الجناة أو صياغة دستور جديد. بالنسبة للنساء، يكمن جوهر العدالة في الاعتراف بالانتهاكات التي طاولتهن وبتجاربهن الخاصة، وضمان مشاركتهن الفاعلة في كل خطوة من خطوات المرحلة الانتقالية، فحضورهن في لجان أو ورش عمل لا يكفي إن لم يكن لهن دور فعلي في صياغة القرارات. 

هذا المنظور يضع العنف الجنسي والانتهاكات الجندرية في قلب العملية، باعتباره سلاح حرب استخدم على نطاق واسع، لا يمكن تجاهله أو أن يُعامل كهامش في التاريخ. إدراجه بوصفه جريمة حرب وجرائم ضد الإنسانية يشكل المدخل الحقيقي لتحقيق الإنصاف. من هنا ينبع الإصرار النسوي على أن تكون نسبة تمثيل النساء في مؤسسات العدالة الانتقالية حقيقية وفاعلة - لا تقل عن 30٪ - كي لا تتحول أصواتهن إلى مجرد زينة ضمن صورة جماعية.

«المجتمع لا يرى الناجية ضحية، بل مذنبة. حتى لو لم تتعرض للاغتصاب، تبقى الشكوك والأسئلة تلاحقها: إنتِ كنتِ جوّا؟ شو صار معِك؟»

تُظهر نتائج انتخابات مجلس الشعب الأخيرة الواقع الصعب الذي تواجهه النساء في المشاركة السياسية. إذ عكست غياباً واسعاً للنساء عن قوائم الناجحين في العديد من المحافظات، بما في ذلك دمشق وريفها، وإدلب، والقنيطرة، ودير الزور، ودرعا، فضلاً عن مدينة حلب. ووفقاً للنتائج المعلَنة، فازت ستّ نساء بعضوية المجلس من أصل 140 مقعداً، أي بنسبة تقارب 4.3٪، ما يعني تراجعاً ملحوظاً في التمثيل النسائي مقارنة بالدورات السابقة (مع التسليم بأن مجلس الشعب في عهد النظام السابق كان شكليّاً). 

في تعليق على مشاركة النساء والعدالة تقول ليلى (اسم مستعار) وهي معتقلة سابقة: «ما بقدر شوف مفهوم تطبيق العدالة فقط من منظور النساء، الموضوع ليس له علاقة بجنس الإنسان. في بعض الملفات تكون كفاءة المرأة أعلى، ولكن الأمر مرتبط بكفاءة الإنسان، ولا يمكن ربطه بجندرة... نور الخطيب، صديقتنا بحماة، بمجلس الشعب وهي معتقلة سابقة، ولها دور برابطة شبكة حقوق الإنسان، برأيي وصولها هي بالذات يغني عن وصول 10 نساء في هذا المجال، لأنها شخص متخصص. القصة ليست بالكم، بل بالكيف، المهم من يفتح الطريق لنساء أخريات».

وإلى جانب المشاركة، تظهر الحاجة إلى جبر الضرر الشامل، الذي لا يقتصر على التعويض المادي. فالتجربة المريرة للنساء تتطلب دعماً نفسياً واجتماعياً، وتمكيناً اقتصادياً يُفتح لهن أبواب العمل والاستقلالية، وإعادة إدماج حقيقية تعيد لهن مكانتهن في المجتمع بعد سنوات من التهميش والإقصاء.

«يعني نخلي جبر الضرر هو إلزام للمتورطين بالدفع.  بدل ما أروح أعدمهم، ألزمهم بجبر الضرر، يعني مثل ما دفع يوماً للجزار الأكبر، اليوم لازم يدفع للناس الذين تسبب لهم أو ساهم في مآسي لهم»، تضيف ليلى. 

على المستوى القانوني والمؤسسي، تفقد أي مرحلة انتقالية معناها إذا استمرت القوانين التمييزية - مثل قوانين الأحوال الشخصية والجنسية - في فرض واقع غير عادل على النساء. إصلاح هذه التشريعات، إلى جانب إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والقضائية، يشكل شرطاً ضرورياً لبناء نظام جديد يحمي النساء بدل أن يكون أداة لانتهاك حقوقهن.

توضّح رنا قائلة: «العدالة معناها ألا يكون الموت والتهجير راح ع الفاضي، أن ترجع الحقوق لأصحابها، الناس المفقودين نعرف مصيرهم، تعويض ولو معنوي، والاعتراف بكل شيء.. يجب الاعتراف بالأخطاء، وأن يكون ذلك نابعاً عن قناعة، والدولة مسؤولة عن المحاسبة القانونية، تشمل من له علاقة أو ليس له علاقة». وتؤكد على المشاركة السياسية: «لازم يكون تمثيل حقيقي للنساء، قوانين تمكنها من المشاركة في الحياة السياسية، وتحقيق حقوقها في الأحوال الشخصية والزواج والطلاق».

الإعلام السوري والغربي: بين التغطية والمتاجرة

لعب الإعلام السوري دوراً مزدوجاً في المرحلة الانتقالية بعد النزاع. فمن جهة، ساهم في نقل النقاشات العامة وتسليط الضوء على الانتهاكات التي تعرّضت لها النساء، ما ساعد في كسر حاجز الصمت الطويل. ومن جهة أخرى، واجهت هذه التغطية تحديات كبيرة، أبرزها إعادة إنتاج الوصمة الاجتماعية بحق الناجيات، وتحويل قصصهن إلى أدوات جدل أو متاجرة، بدلاً من أن تكون وسيلة لدعم العدالة والمساءلة الحقيقية.

تقول سناء (اسم مستعار)، وهي ناجية من انتهاك جنسي أثناء الاعتقال: «الإعلام يتعامل مع قصص النساء الناجيات كمتاجرة وورقة رابحة، وإثارة جدل لا أكثر. شو يعني ينحكى بقصصهن وما يُعمل شيء من أجلهن؟».

وتضيف: «ليش يتم تصويري كمثيرة للشفقة ودراما؟ نجاتي الحقيقة إني ظلّيت محافظة على توازني النفسي، وكنا نضحك ونغني ونرقص جوا المعتقل».

رغم محاولات الإعلام السوري تسليط الضوء على قضايا العدالة النسوية، فغالباً ما ظل التناول محصوراً في إطار الإدانة أو التعاطف الإنساني، من دون التعمق في أبعاد العدالة الجندرية. وفي المقابل، يظهر الإعلام الغربي كفاعل رئيسي في تشكيل السردية الدولية حول العدالة في سوريا، لكنه يواجه بدوره تحديات في فهم السياق السوري وكيفية تقديم قصص النساء كجزء أصيل من مسار العدالة، لا مجرد شهادات هامشية.

خلال حديثي مع الصحافية الفرنسية إميلي ديفيد، التي تابعت الملف السوري لسنوات، أعربت عن رؤيتها قائلة:
«العدالة الانتقالية عملية تسمح لسوريا بأن تشفى من جراحها الماضية، عبر محاكمة الجناة، ومساندة الضحايا، وبناء أسس ديمقراطية قائمة على المساواة. الطريق طويل وشاق ويحتاج إلى وقت وإرادة حقيقية».

وأوضحت أن الإعلام الغربي «يتعامل مع الموضوع بجدّية، لكنه لا يعرف دائماً كيف يغطيه بالشكل الصحيح»، مشيرة إلى أن التغطية غالباً سطحية ومحصورة في البعد الإنساني، من دون تفكيك الجذور البنيوية للانتهاكات.

وأضافت: «كان مؤثراً أن أرى كيف تناضل النساء السوريات في مواجهة النظام الأبوي والرأسمالية وفي ظل الديكتاتورية. كانت تجربتهن درساً في القوة والإصرار».

تؤكد هذه الشهادة أن العدالة النسوية لا يمكن أن تُروى من الخارج فقط؛ فهي تحتاج أصوات النساء السوريات أنفسهن، ليصبح الإعلام أداة للمساءلة وإعادة بناء السردية النسوية، لا مجرد انعكاس للواقع.

ما الذي تغيّر فعلاً؟

رغم الخطاب الإيجابي الذي تبنّته بعض المؤسسات الرسمية، ظلّ التغيير على أرض الواقع محدوداً، بل يمكن القول إنه لم يرتق، بعدُ، إلى مستوى تطلعات النساء اللواتي ينتظرن أن تتحوّل الوعود إلى خطوات عملية. فحتى الآن، لم تظهر آليات واضحة وفعّالة لتطبيق العدالة الانتقالية. إذ لم تنجح لجان الحقيقة التي أُعلن عنها في بناء الثقة مع الضحايا، وغالباً ما افتقرت إلى الاستقلالية والموارد، ما جعلها عاجزة عن أداء دورها في كشف الانتهاكات على نحو شامل. أمّا إجراءات جبر الضرر، فبقيت حبراً على ورق، إذ لم تتبلور في برامج ملموسة تراعي احتياجات النساء المختلفة، في حين ظلّت الإصلاحات التشريعية - التي يُفترض أن تُحدث فرقاً جذرياً في حياة النساء - أسيرةَ نقاشاتٍ سياسيةٍ ومؤتمراتٍ مغلقةٍ لم تجد طريقها إلى التنفيذ.

رغم محاولات الإعلام تسليط الضوء على قضايا العدالة، فغالباً ما ظل التناول محصوراً في إطار الإدانة و التعاطف، من دون التعمق في أبعاد العدالة الجندرية

مع كل ما تقدّم، لا يمكن القول إن المشهد بقي جامداً بالكامل، ثمة تحولات صغيرة لكنها ذات مغزى. أبرزها أنّ الحديث عن الانتهاكات بات ممكناً في العلن بعد أن كان من المحرمات، وأصبحت قضايا التعذيب والعنف الجنسي والنزوح تُطرح على طاولة النقاش المجتمعي والسياسي على حدّ سواء. كما بدأت بعض المنظمات النسوية المحلية بالتحرك بشكل مستقل لجمع شهادات الناجيات في بيئات أكثر أماناً وسرية، محاولةً بذلك ملء الفراغ الذي تركته المؤسسات الرسمية.

وفي موازاة ذلك، أخذ الإعلام يفتح مساحاته أكثر فأكثر أمام قصص النساء وتجاربهن. ورغم أن هذه التغطيات ما تزال محدودة وتحفّها مخاطر إعادة الوصم أو التسييس، فإنها تشكّل بداية لكسر جدار الصمت الطويل الذي أحاط بمعاناة النساء لعقود.

التحديات المستمرة

يبقى الطريق نحو عدالة انتقالية حساسة للنوع الاجتماعي في سوريا محفوفاً بالعقبات التي تعيق أي تقدّم ملموس. فالوصمة الاجتماعية تمثل أحد أكبر الحواجز أمام النساء اللواتي تعرضن للعنف الجنسي أو الاعتقال التعسفي.

توضح رنا ذلك بقولها: «الوصمة الاجتماعية تجعل النساء يخشين الإفصاح عن تجاربهن، ما يجعل كثيرات يفضّلن الصمت، حتى أمام لجان الحقيقة أو المبادرات الرسمية».

يمثل غياب الإرادة السياسية تحدياً جوهرياً آخر. إذ يعيق هذا الغياب الإصلاحات الجذرية التي تُترجم العدالة إلى واقع ملموس، مثل إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والقضائية أو تعديل القوانين التمييزية. وغالباً ما تواجه هذه الإصلاحات مقاومة داخلية من جهات حريصة على الحفاظ على مصالحها أو على الترتيبات السابقة. كما يهدد استمرار الانقسامات السياسية والصراع على السلطة بتحويل العدالة الانتقالية إلى أداة مساومة بين الأطراف، بحيث تصبح الإجراءات القانونية والسياسات الإصلاحية مجرّد شعارات أو أوراق تفاوض، لا مسارات حقيقية للإنصاف.

وتُضاف إلى ذلك العقبات البنيوية داخل المؤسسات نفسها. فغياب التنسيق بين الجهات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني، ونقص الموارد المالية والفنية، يحدّان من قدرة أي آلية على تقديم حلول شاملة ومستدامة، ويجعلان العدالة الانتقالية أكثر هشاشة أمام الانقسامات المجتمعية والتحديات الإدارية. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل التحديات الاجتماعية والسياسية عن مسألة المساءلة والاعتراف. تقول رنا: «كلّنا متواطئون بالدم السوري... يجب أن يكون هناك عقاب ومساءلة واعتراف في الوقت نفسه».

سؤال المستقبل

يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن تحويل المرحلة الانتقالية من مجرد شعارات وإعلانات إلى مسار حقيقي يضمن الاعتراف بمعاناة النساء ويمنحهن فرصة المشاركة الفعلية في صنع مستقبل العدالة في سوريا؟ الإجابة تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية، ودعم مستدام من المجتمع المدني، وإطار مؤسسي قوي يربط بين التعويض والإصلاح والمساءلة بطريقةٍ تكفل الشمولية والإنصاف.

يُنشر هذا المقال في إطار تعاونٍ بين «صوت سوري» و«شبكة الصحفيات السوريات» يتمحورحول العدالة الانتقالية في سوريا

العدالة_الانتقالية_في_سوريا السلم_الأهلي_في_سوريا نساء_سوريا_في_المرحلة_الانتقالية

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0